الكهربة في تركيا.. مقترح طوعي يدعم استضافة قمة المناخ كوب 31 (مقال)
أومود شوكري* - ترجمة: نوار صبح

- • المقترح ينقل التركيز من عملية توليد الكهرباء إلى طريقة استهلاك الطاقة
- • سياسات المناخ ركزت على طاقة الرياح والطاقة الشمسية وغيرها من المصادر منخفضة الكربون
- • الكهرباء تُشكّل حاليًا نحو خُمس إجمالي استهلاك الطاقة النهائي على مستوى العالم
- • الكهربة قد تؤدي إلى زيادة التكاليف وتقويض موثوقية الإمدادات
تُعدّ الكهربة في تركيا مقترحًا طوعيًا يعزز دور البلاد في استضافة قمة المناخ المقبلة كوب 31 (COP31)، إذ تسعى لوضع هذا المقترح في صلب النقاش العالمي بشأن المناخ.
وخلال مؤتمر بون لتغير المناخ في يونيو/حزيران 2026، اقترحت أنقرة أن تشكّل الكهرباء نسبة 35% من إجمالي الطلب العالمي النهائي على الطاقة بحلول عام 2035، مقارنة بنحو 20% في الوقت الراهن.
ويُعدّ مقترح الكهربة طوعيًا؛ إذ لا يفرض التزامات قانونية ملزمة على الدول، ولا يُلزم الحكومات باتّباع مسار موحد.
وبدلًا من ذلك، تسعى تركيا إلى تشكيل تحالف يضم حكومات وشركات ومدنًا وجهات فاعلة أخرى حول رؤية وتوجّه مشتركَين.
التركيز على طريقة استهلاك الطاقة
تكمن أهمية هذا المقترح في كونه ينقل التركيز من عملية توليد الكهرباء إلى طريقة استهلاك الطاقة.
وعلى الرغم من أن سياسات المناخ ركّزت على طاقة الرياح والطاقة الشمسية وغيرها من المصادر منخفضة الكربون، ما يزال جزء كبير من الطاقة العالمية يُستهلك مباشرةً في صورة نفط وفحم وغاز طبيعي.
وتُستعمل أنواع الوقود الأحفوري هذه لتشغيل المركبات وتدفئة المباني وإدارة العمليات الصناعية دون تحويلها أولًا إلى كهرباء.
وتهدف الكهربة إلى استبدال بدائل كهربائية بهذا الاستهلاك المباشر للوقود الأحفوري، مع ضمان أن يصبح نظام الكهرباء ذاته أكثر نظافةً واستدامةً بمرور الوقت.

أهمية المبادرة
تتماشى هذه المبادرة مع التحليلات الصادرة عن وكالة الطاقة الدولية والوكالة الدولية للطاقة المتجددة، التي تُبرز الكهربة ركيزةً أساسية في المسارات الموثوقة للحدّ من ظاهرة الاحتباس الحراري.
وتُشكّل الكهرباء حاليًا نحو خُمس إجمالي استهلاك الطاقة النهائي على مستوى العالم؛ لذا فإن رفع هذه النسبة إلى 35% في غضون عقد واحد يتطلب توسعًا سريعًا في التقنيات الكهربائية، ومصادر توليد الكهرباء النظيفة، وشبكات الربط بينها.
ولا تقتصر المسألة على بيع المزيد من السيارات الكهربائية أو تركيب المزيد من المضخات الحرارية؛ فالكهربة تُغيّر هيكلية أنظمة الطاقة، إذ تزيد الطلب على الكهرباء، وتُعدّل أنماط الاستهلاك، ويستلزم إنشاء شبكات جديدة للنقل والتوزيع، وتخلق حاجة أكبر لتقنيات التخزين والمرونة التشغيلية.
وتشير بعض المسارات إلى أن مصادر الطاقة المتجددة قد تحتاج إلى توفير ما يقرب من 78% من إجمالي توليد الكهرباء عالميًا بحلول عام 2035 إذا كان الهدف تحقيق مكاسب مناخية ملموسة.
ويُعدّ هذا الشرط جوهريًا؛ فاستبدال سيارة كهربائية بأخرى تعمل بالبنزين قد يقلل الانبعاثات طوال مدة استعمال السيارة، لكن النتيجة تعتمد جزئيًا على طريقة توليد الكهرباء المستعملة.
وينطبق الأمر ذاته على المضخات الحرارية، والغلايات الكهربائية، والمعدات الصناعية؛ إذ إن الكهربة دون خفض انبعاثات قطاع الكهرباء (إزالة الكربون منه) قد تؤدي إلى نقل الانبعاثات من نقطة الاستهلاك إلى محطة توليد الكهرباء بدلًا من إلغائها تمامًا.
وطرحت تركيا هذا المقترح بصفته مبادرة لتعزيز أمن الطاقة؛ فزيادة استعمال السيارات الكهربائية والمضخات الحرارية والمعدات الصناعية الكهربائية يمكن أن تقلل من مخاطر التقلبات في أسواق النفط والغاز.
وبإمكان الدول المستوردة للوقود الأحفوري تعزيز قدرتها على الصمود من خلال زيادة الاعتماد على الموارد المتجددة المحلية.
في المقابل، فإن تحقيق هذه الفائدة مرهون بوجود شبكات كهرباء موثوقة، وقدرات تخزين كافية، والقدرة على إدارة فترات انخفاض إنتاج الكهرباء من الرياح والطاقة الشمسية.
أصعب مراحل الكهربة
تُعدّ المباني من أبرز الفرص المتاحة، إذ يمكن لمضخات الحرارة توفير التدفئة والتبريد بكفاءة أعلى من أنظمة الوقود الأحفوري التقليدية، في حين تُسهم سخانات المياه الكهربائية والأجهزة الموفرة للطاقة بخفض استهلاك الغاز والنفط مباشرةً.
وفي الوقت نفسه، فإنّ تطبيق هذه التقنية لا يعتمد فقط على طلب المستهلكين، بل يجب عزل المباني، وصيانة شبكات الكهرباء لتحمُّل ذروة الطلب الموسمية، وتوفير التمويل الميسّر للأسر. ومن دون هذه الشروط، قد يقتصر التحول على المستهلكين الأكثر ثراءً.
ويُمثّل قطاع النقل ركيزة أساسية أخرى. فالسيارات والحافلات الكهربائية العاملة بالبطاريات، وبعض المركبات التجارية الخفيفة، تُعدّ مجدية تجاريًا.
وسيتطلب التوسع في استعمالها بنية تحتية للشحن، وشبكات توزيع أقوى، وسلاسل إمداد كافية للبطاريات، وسياسات تجعل السيارات الكهربائية في متناول الجميع.
أمّا الشاحنات الثقيلة والطيران والشحن البحري، فهي أكثر صعوبة في خفض انبعاثات الكربون.

وقد تتطلب هذه القطاعات مزيجًا من البطاريات والهيدروجين والوقود المستدام وتحسينات الكفاءة، بدلًا من تقنية واحدة شاملة.
بدوره، يُمثّل قطاع الصناعة تحديًا أكثر تعقيدًا، فغالبًا ما يُمكن كهربة الحرارة الصناعية ذات درجات الحرارة المنخفضة والمتوسطة، وكذلك بعض أنشطة التصنيع والمعالجة، في حين تبقى العمليات ذات درجات الحرارة العالية أكثر صعوبة في التحويل.
وقد تحتاج صناعات الصلب والأسمنت والكيماويات وغيرها من الصناعات كثيفة استهلاك الطاقة إلى الهيدروجين الأخضر، أو احتجاز الكربون، أو التخزين المتقدم، أو أساليب إنتاج جديدة كليًا.
لذا، ستكون الكهربة في تركيا أساسية لخفض انبعاثات الكربون في الصناعة، ولكنها لن تحلّ جميع مشكلات الانبعاثات الصناعية.
قدرة أنظمة الكهرباء
قد لا تكمن العقبة الأكبر في توفر التقنيات الكهربائية، بل في قدرة أنظمة الكهرباء على دعمها؛ فإذا رُبِطَت ملايين المركبات والمضخات الحرارية والآلات الصناعية بشبكات الكهرباء دون توفُّر قدرات كافية للتوليد والنقل والتخزين وإدارة الطلب، فإن الكهربة قد تؤدي إلى زيادة التكاليف وتقويض موثوقية الإمدادات.
وتواجه العديد من البلدان حاليًا طلبًا متزايدًا على الكهرباء نتيجة لعوامل مثل أنظمة التبريد، والتوسع الحضري، والتحول الرقمي، والتوسع الصناعي. وتُضيف مراكز البيانات والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي أحمالًا كبيرة ومركزة.
لذا فإن تلبية الطلب الإضافي الناتج عن قطاعات النقل والتدفئة والصناعة ستتطلب ما هو أكثر بكثير من مجرد محطات توليد جديدة؛ إذ تستلزم العملية خطوط نقل حديثة، وشبكات توزيع مطوّرة، ومرونة في إدارة الطلب، وربطًا إقليميًا، وأنظمة تخزين قادرة على التعامل مع التقلبات اليومية والموسمية.
وقد تؤدي التأخيرات في إجراءات التراخيص، ونقص العمالة الماهرة، وقيود سلاسل التوريد، وارتفاع تكاليف التمويل إلى إبطاء وتيرة التقدم.
وتُعدّ هذه المشكلات بالغة الخطورة في الاقتصادات النامية، حيث ينمو الطلب على الكهرباء بسرعة، في حين تظل الموارد المالية العامة والقدرة على الحصول على تمويل ميسّر محدودة.
لذلك، فإن أيّ هدف عالمي للكهربة يتجاهل هذه القيود قد يصبح هدفًا لا يمكن تحقيقه إلّا من قبل الدول التي تمتلك شبكات قوية وأسواقًا مالية متطورة؛ وعليه، سيكون التمويل هو العامل الحاسم في مصداقية هذه المبادرة.
من جانبها، تحتاج البلدان النامية إلى الدعم، ليس فقط لشراء المعدات الكهربائية، بل لبناء البنية التحتية التي تجعل هذا التحول ممكنًا، ما يجعل التمويل الميسّر ونقل التكنولوجيا والمساعدة الفنية أمورًا جوهرية.
وهذا يعني أنه لا ينبغي التعامل مع هذا الهدف بصفته مجرد تعهّد رقمي بسيط، بل هو اختبار لقدرة الحكومات على التنسيق المتزامن بين نشر التقنيات، وتوسيع الشبكات، وإحداث التحولات الصناعية.
وسيعتمد النجاح على تبنّي سياسات تجعل تكلفة الكهرباء في متناول الأسر، وتستثمر في شبكات مرنة، وتضمن تلبية الطلب الجديد من خلال مصادر توليد موثوقة ومنخفضة الكربون، بدلًا من الاعتماد على استهلاك إضافي للوقود الأحفوري على مستوى العالم.
وعود العمل الطوعي وحدوده
يمنح قرار تركيا بإدراج المقترح ضمن جدول أعمال قمة المناخ كوب 31 مرونة سياسية.
وتتطلب مفاوضات الأمم المتحدة الرسمية بشأن المناخ توافقًا بين نحو 200 طرف، وغالبًا ما تُفضي إلى أدنى مستوى من التوافق.
ويمكن للمبادرة الطوعية أن تتقدم بوتيرة أسرع، وتجذب الشركات والمدن، وتتيح للحكومات المشاركة بمستويات طموح مختلفة.
لكن نقطة ضعفها تكمن في المساءلة، فقد تُقرّ الحكومات هدفًا دون تبنّي سياسات قادرة على تحقيقه.
وقد تُعلن الشركات خططًا للكهرباء مع تأجيل الاستثمار بسبب ارتفاع التكاليف، أو عدم وضوح اللوائح، أو عدم كفاية البنية التحتية.
ومن دون قياس شفّاف، قد تتحول المبادرة إلى شعار سياسي بدلًا من أن تكون آلية للتغيير الهيكلي.
لذا، ينبغي على تركيا تعزيز إطار رصد واضح، ويجب على المشاركين الإبلاغ عن التقدم المُحرَز باستعمال تعرفات مشتركة لاستهلاك الطاقة النهائي، واستعمال الكهرباء، وخفض الانبعاثات.
ويجب أن يُميّز هذا الإطار بين الكهرباء النظيفة وتلك التي تزيد ببساطة الطلب على الشبكات القائمة على الوقود الأحفوري.
ويتعين أن يتتبع الاستثمار في النقل والتخزين والمرونة وتوفير الكهرباء، بدلًا من التركيز فقط على عدد السيارات الكهربائية أو مضخات الحرارة المُركّبة.

مصداقية مقترح الكهربة في تركيا
ستحدد إستراتيجية الطاقة المحلية في تركيا مدى مصداقية مقترحها العالمي؛ إذ تهدف أنقرة إلى الوصول بقدرة توليد تبلغ 120 غيغاواط من طاقة الرياح والطاقة الشمسية بحلول عام 2035، وتسعى لتعزيز مكانتها كمركز إقليمي للطاقة.
ويمنحها موقعها الجغرافي -الواقع بين أوروبا والشرق الأوسط والقوقاز وآسيا الوسطى- فرصةً للربط بين سياسة المناخ وأمن الطاقة والتجارة والبنية التحتية الإقليمية.
وتتيح استضافة قمة المناخ كوب 31 في مدينة أنطاليا لتركيا طرح قضية "الكهربة" بصفتها مسألة عملية ملموسة، بدلًا من كونها هدفًا مناخيًا نظريًا مجردًا؛ إذ يمكنها ربط هذه الخطة بقضايا التنافسية الصناعية، وتقليل الاعتماد على الواردات، والاستثمار في شبكات الكهرباء، وتعزيز التعاون الإقليمي.
إضافة إلى ذلك، يمكنها إثبات أن سياسات تحول الطاقة يجب أن تراعي احتياجات الاقتصادات التي ما تزال أنظمة الكهرباء فيها في مرحلة التوسع.
وسيعتمد نجاح مبادرة "35% بحلول عام 2035" على الخطوات التي ستلي إعلانها؛ فتشكيل تحالف واسع، ووضع خطط وطنية موثوقة، وضمان الشفافية في إعداد التقارير، وتوفير دعم مالي كبير، هي عوامل قد تجعل من هذه المبادرة مخرَجًا جوهريًا ومؤثرًا لقمة المناخ كوب 31.
وفي غياب هذه العناصر، فقد تظل المبادرة مجرد طموح جذاب يصعب تحقيقه على أرض الواقع.
وقد حددت تركيا نقطة ضعف حقيقية في النقاش العالمي بشأن الطاقة: فالاعتماد على مصادر التوليد النظيفة أمر جوهري، لكن عملية التحول لن تكتمل ما لم تشمل قطاعات النقل والمباني والصناعة.
إن مقترح تركيا مدروس إستراتيجيًا وطموحها مبرر، غير أن قابلية التنفيذ ستعتمد على مدى التزام الحكومات بالاستثمار في الشبكات، وتقنيات التخزين، والمرونة، وتوسيع نطاق الوصول إلى الطاقة.
ويأتي ذلك بالعزم والإصرار نفسه الذي أظهرته عند إعلان الأهداف الجديدة، وهنا تلتقي الطموحات السياسية بالقدرات المؤسسية.
* الدكتور أومود شوكري، الخبير الإستراتيجي في مجال الطاقة، الزميل الزائر الأول في جامعة جورج ميسون الأميركية، مؤلف كتاب "دبلوماسية الطاقة الأميركية في حوض بحر قزوين: الاتجاهات المتغيرة منذ عام 2001".
* هذا المقال يمثّل رأي الكاتب، ولا يعبّر بالضرورة عن رأي منصة الطاقة.
موضوعات متعلقة..
- 3 مسارات للتخلص من انبعاثات قطاع النقل.. "الكهربة" وحدها لا تكفي
- قادة الأعمال يتوقعون كهربة الشركات بالكامل في 2035 (مسح)
- مسؤول: المغرب يمكنه إنتاج مليون سيارة سنويًا.. وهذه خطتنا لـ"الكهربة" والبطاريات
اقرأ أيضًا..
- ملف خاص عن مستجدات أسواق الغاز المسال العربية والعالمية
- ملف خاص عن الطاقة الشمسية في الدول العربية
- ملف خاص عن المناجم في الدول العربية
- شركة بتروكيماويات سعودية توزع 13.8 مليون دولار أرباحًا عن النصف الأول 2026





