التقاريرالحرب الإسرائيلية الإيرانيةتقارير الغازرئيسيةغازملفات خاصة

كيف تتأثر أسواق الغاز الطبيعي والمسال باختناق مضيق هرمز؟ (تقرير)

نوار صبح

اقرأ في هذا المقال

  • الغاز الطبيعي والمسال يحتلّان مكانة محورية في مزيج الطاقة العالمي
  • الغاز الطبيعي والمسال أداتان أساسيتان لمعالجة اختلالات العرض والطلب والتعقيدات الجيوسياسية
  • ​​الهجمات على مصفاة رأس لفان أثّرت في نحو 17% من قدرة التصدير القطرية
  • اليابان استوردت ما يقرب من 65 مليون طن من الغاز المسال في عام 2025

تأثرت أسواق الغاز الطبيعي والمسال في العالم باختناق حركة المرور في مضيق هرمز جراء حرب إيران، وأدى ذلك إلى نقص حادّ في الإمدادات وارتفاع الأسعار إلى مستويات قياسية.

ويحتلّ الغاز مكانة محورية في مزيج الطاقة العالمي، ما يجعله أداة أساسية لمعالجة اختلالات العرض والطلب والتعقيدات الجيوسياسية.

وقد أدى المشهد المتقلب في الشرق الأوسط إلى إعادة رسم خرائط الطاقة العالمية في الوقت الفعلي، وسلّط الضوء على الحساسية الجيوسياسية لأسواق الغاز الطبيعي والمسال.

بالنسبة لاقتصادات آسيا سريعة النمو وقطاع الطاقة، لم تعد هذه الاضطرابات مصدر قلق إقليميًا، بل أصبحت اعتداءً مباشرًا على ركائز أمن الطاقة والاستقرار الاقتصادي، حسب تقديرات منصة الطاقة المتخصصة.

يشار إلى أن الولايات المتحدة وإيران توصّلتا إلى اتفاق لإنهاء الحرب الدائرة، ومن المنتظر التوقيع -رسميًا- يوم 25 يونيو/حزيران الجاري، بينما ما تزال الإمدادات محدودة حتى الآن في مضيق هرمز.

الأزمة تكشف عن مواطن الضعف

أبرزت حرب إيران مجددًا الأهمية الحيوية لمضيق هرمز، الذي يمثّل نحو 20% من حركة نقل الغاز المسال العالمية، لذا فإن أيّ انهيار في التجارة عبره ستكون له تداعيات واسعة النطاق.

وكانت سوق الغاز المسال العالمية على وشك الوصول إلى نقطة تحول بعد الاضطرابات الناجمة عن الحرب الروسية الأوكرانية، بحسب منصة إنرجي كونكتس.

قبل حرب إيران، كانت قطر تُصدّر 110 مليارات متر مكعب من الغاز المسال سنويًا إلى آسيا وأوروبا، وبشكل متزايد إلى أفريقيا.

وتُزوّد ​​قطر نحو 20% من الغاز المسال العالمي، إلّا أن الهجمات على مصفاة رأس لفان أثّرت في نحو 17% من قدرة التصدير القطرية.

وقد تستغرق أعمال الإصلاح عدّة سنوات في أسوأ السيناريوهات، ما سيؤدي إلى انخفاض الإيرادات بنحو 20 مليار دولار سنويًا.

بالمثل، ستؤدي اضطرابات الإنتاج إلى ارتفاع التكاليف أو نقص الإمدادات للدول التي تعتمد على الغاز المسال القطري، لا سيما في الأسواق الآسيوية والأوروبية الحسّاسة للأسعار.

وارتفعت أسعار الغاز المسال في آسيا بأكثر من الضعف لتصل إلى أعلى مستوياتها في 3 سنوات، بما في ذلك الارتفاع الكبير في مؤشر اليابان-كوريا لدى منصة بلاتس (Platts JKM) الذي ذكرته وكالة بلومبرغ في أوائل مارس/آذار الماضي.

وتضررت 12 مليون طن سنويًا من أصل 77 مليون طن من القدرة الإنتاجية، جراء الهجوم على رأس لفان.

ناقلة غاز مسال في ميناء رأس لفان شمال قطر
ناقلة غاز مسال في ميناء رأس لفان شمال قطر – الصورة من أسوشيتد برس

أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا

مع بدء الأعمال القتالية، ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا بأكثر من 60% في مؤشر تي تي إف (TTF) الهولندي من 30 يورو (34.71 دولارًا) لكل ميغاواط/ساعة إلى 74 يورو (85.61 دولارًا) لكل ميغاواط/ساعة، ما يعكس حالة من الذعر إزاء نقص إمدادات الغاز المسال.

(اليورو = 1.16 دولارًا أميركيًا)

وسادت مخاوف من أن يؤدي تصعيد الحرب إلى زيادة احتمال نشوب نزاعات تجارية بين المشاركين في سوق الغاز المسال خلال الأشهر اللاحقة.

وقد يؤدي استمرار ارتفاع أسعار الغاز إلى التضخم عالميًا، وتقليص نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي، ودفع الاقتصادات الكبرى إلى ركود عالمي.

هشاشة السلام: وقف إطلاق النار وأزمة الغاز المسال

عندما تمّ التوصل إلى وقف إطلاق النار في الشرق الأوسط، تفاعلت أسواق الطاقة بتقلبات متوقعة، حيث انخفضت أسعار النفط والغاز بنسبة تصل إلى 16%.

رغم ذلك، تخفي هذه الأرقام المعلنة واقعًا أكثر تعقيدًا، في حين إن استمرار وقف إطلاق النار كان تطورًا مُرحّبًا به، بصفته حلًا هيكليًا لأسواق الغاز الطبيعي والمسال العالمية، إلّا أن مدة الـ14 يومًا الأولية لم تكن سوى هدنة تكتيكية في أزمة إستراتيجية أوسع نطاقًا.

وتشير التقديرات إلى أن نحو 15 ناقلة محملة بالغاز المسال قد تعبر مضيق هرمز خلال تلك المدة.

ويمثّل هذا نحو مليون طن من الغاز المسال، وهو حجم كبير في حدّ ذاته، ولكنه لا يمثل سوى جزء ضئيل من الكمية التي تصدرها قطر عادةً في شهر واحد، وتتراوح بين 7 و8 ملايين طن.

وأفادت جهات تتبُّع الملاحة البحرية بعبور 5 ناقلات فقط للغاز المسال المضيق بين 22 أبريل/نيسان و7 مايو/أيار الماضيين.

وتكمن المشكلة الأساسية في جمود القطاع الصناعي، فمجمع رأس لفان الإنتاجي الضخم في قطر ليس مصدرًا يمكن تشغيله في أيّ لحظة.

بالنسبة لآسيا، مركز نمو الطلب العالمي على الغاز والاستثمار في البنية التحتية للغاز المسال، فإن التداعيات بالغة الخطورة.

ويتطلب استئناف التشغيل الكامل عدّة أسابيع من التحضير التقني، حسب مصادر تابعتها منصة الطاقة المتخصصة.

إضافة إلى ذلك، ما يزال شبح الأضرار الدائمة للبنية التحتية قائمًا؛ فحتى في أفضل الأحوال، قد تواجه شركة قطر للطاقة انخفاضًا في القدرة الإنتاجية بنسبة 17%، حيث ما يزال 12 خطًا فقط من أصل 14 خطًا لتسييل الغاز قابلة للاستعمال.

وبالنسبة لقطاع قائم على مبدأ توفير الطاقة بكميات كبيرة وبشكل موثوق، يُعدّ هذا المستوى من التدهور ضربة قوية لأمن الطاقة العالمي.

أسعار أسواق الغاز وعلاوة مضيق هرمز

إلى جانب الإنتاج الفعلي، شهدت اقتصادات عبور الغاز عبر مضيق هرمز تحولًا جذريًا.

وحتى مجرد احتمال فرض تكاليف عبور إضافية عبر المضيق أضاف بُعدًا جديدًا للمخاطر الجيوسياسية إلى تسعير الغاز المسال.

وتشير التقديرات إلى رسوم عبور تصل إلى مليوني دولار أميركي لكل رحلة، ما يضيف نحو 0.50 دولارًا أميركيًا لكل مليون وحدة حرارية بريطانية إلى تكاليف الشحن، مُحدثًا بيئة جديدة مليئة بالتحديات.

وبالمقارنة مع التكلفة القياسية البالغة 1.50 دولارًا أميركيًا لكل مليون وحدة حرارية بريطانية لرحلة مدّتها 28 يومًا إلى أوروبا، تُعدّ علاوة الأمن الجيوسياسي هذه إضافة كبيرة للقطاع في حال تحقُّقها.

وتراجعت أسعار الغاز وفق مؤشر تي تي إف نحو نطاق ما قبل الحرب، الذي تراوح بين 30 و32 يورو لكل ميغاواط/ساعة (حيث بلغ أدنى مستوى لها خلال 52 أسبوعًا 26.53 يورو)، قبل أن تستقر عند نحو 46 يورو لكل ميغاواط/ساعة في منتصف مايو/أيار المنصرم،

رغم ذلك، فإن أيّ ضريبة جيوسياسية على عبور الغاز عبر مضيق هرمز ستؤدي إلى أن يصبح الغاز الرخيص من الماضي.

ويعكس هذا التراجع تحركات قصيرة الأجل، وليس حلًا لمخاطر الإمداد الأساسية.

إمدادات غاز النفط المسال عبر مضيق هرمز

الدول الآسيوية الأكثر عرضة لنقص إمدادات الغاز الطبيعي والمسال

في تايلاند، ما تزال الكهرباء المولدة بالغاز هي السائدة، مع تزايد الاعتماد على الغاز المسال المستورد.

وتُعدّ الصين أكبر مستورد للغاز المسال في العالم، وتعتمد على قطر في ما يصل إلى ثلث وارداتها.

من جانبها، استوردت اليابان، ثاني أكبر مستورد للغاز المسال في العالم، ما يقرب من 65 مليون طن من الغاز المسال في عام 2025.

وتعتمد الهند، رابع أكبر مستورد للغاز المسال، اعتمادًا كبيرًا على الإمدادات الخارجية.

وتُمثّل قطر 41.4% من واردات الغاز المسال، واستوردت الهند 27 مليون طن من الغاز المسال في المدة 2024-2025، منها 11.2 مليون طن مصدرها رأس لفان بالكامل تقريبًا.

تُشكّل الكهرباء المولدة بالغاز في سنغافورة ما يقرب من 95% من إجمالي إنتاجها، ومعظمها من الغاز المسال المستورد.

بدوره، يُوفّر الغاز الطبيعي ما بين 14% و21% من إنتاج الكهرباء في الفلبين، ومع انخفاض احتياطيات الغاز المحلية، يزداد اعتماد باكستان على الغاز المسال.

وتُزوّد ​​قطر والإمارات العربية المتحدة باكستان بنحو 99% من احتياجاتها من الغاز المسال، الذي يُستعمل في الغالب لتوليد الكهرباء وإنتاج الأسمدة والاستعمالات الصناعية.

ويُمثّل الغاز المسال نحو 30% من إجمالي إمدادات الغاز (بحسب وكالة ستاندرد آند بورز العالمية).

وتعتمد بنغلاديش اعتمادًا كبيرًا على الغاز المسال لتوليد الكهرباء، ولديها عدد قليل من عقود التوريد طويلة الأجل.

وكان من المتوقع سابقًا انخفاض الطلب على الغاز لتوليد الكهرباء بمقدار 150 تيراواط/ساعة لما تبقى من عام 2026 بسبب ارتفاع الأسعار، وفي حال استقرار الأسعار عند مستويات أدنى، فإن ردّ فعل قويًا من قطاع الكهرباء في أوروبا قد يستوعب الفائض بسرعة.

في هذا الإطار، ينظر قطاع الطاقة إلى المستقبل بواقعية، على سبيل المثال، كانت اتفاقية السلام الأولية التي استمرت أسبوعين قصيرة جدًا لاستئناف الأعمال الحيوية بمشروع توسعة حقل الشمال الشرقي في قطر.

معادلة الغاز الآسيوية

قبل حرب إيران، كان منتجو الخليج العربي يزودون مجتمعين ما يقارب خُمس إمدادات الغاز المسال العالمية، وتُنذر القيود طويلة الأجل بصدمات كبيرة للمستهلكين الآسيويين، إذ تعتمد دول عديدة اعتمادًا كبيرًا على هذه الواردات.

ومع قفزة العرض السريعة من فائض إلى عجز، شهدت أسواق الأسهم الآسيوية انخفاضات متكررة.

وذكرت إدارة معلومات الطاقة الأميركية أن 83% من الغاز المسال الذي تمّ شحنه عبر مضيق هرمز عام 2024 وُجّه إلى الأسواق الآسيوية: الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية، بنسبة 59%.

وترى شركة زيرو كاربون أناليتكس أن هذه الحرب تُبرز أن سلاسل إمداد النفط والغاز غير موثوقة بطبيعتها وعرضة لعدم الاستقرار الجيوسياسي.

وتوضح أنه من بين جميع السلع، يُعدّ الغاز المسال الأكثر عرضة للصدمات الجيوسياسية، حيث تُفاقم النزاعات من تقلباته الكامنة.

وتقول الباحثة لدى مركز سياسات الطاقة العالمية (CGEP) بجامعة كولومبيا، الرئيسة المشاركة لمجلس إدارة غاستك Gastech، آن صوفي كوربو، إن كل شيء مُعلّق حاليًا، وسيكون نمو إمدادات الطاقة عام 2026 أقل بكثير مما يتوقعه الجميع.

قبل التصعيد الحالي، كانت الافتراضات الإقليمية حول الطلب طويل الأجل على الغاز مبنيّة على توقعات بوفرة إمدادات الغاز المسال المتداولة بشكل موثوق.

وكل هذا يُشكّك في توقعات رابطة آسيا للغاز الطبيعي والطاقة بأن استهلاك الغاز الطبيعي في منطقة آسيا والمحيط الهادئ سيتضاعف أكثر من مرتين بحلول عام 2050.

وقد زاد استهلاك الغاز المسال في المنطقة بنسبة 35% بين عامي 2015 و2023 (بحسب شركة إمبر إنرجي).

ويشير رئيس مجلس الإدارة كبير المحللين لدى شركة وود ماكنزي، سيمون فلاورز، إلى خسارة قدرها 6.5 مليون طن شهريًا في أحجام صادرات الخليج العربي.

ويقول، إنّ توقُّف صادرات الخليج العربي لأكثر من 4 أو 5 أشهر سيؤدي إلى انخفاض سنوي في إمدادات الغاز المسال، وضغط تصاعدي على الأسعار حتى عام 2026، وتراجع الطلب، لا سيما في آسيا.

ناقلة غاز مسال في ميناء بلباو شمال إسبانيا
ناقلة غاز مسال في ميناء بلباو شمال إسبانيا – الصورة من رويترز

القيود قصيرة الأجل واستجابات السوق

أدت حرب إيران مجددًا إلى تسليط الضوء على التداعيات الجيوسياسية والأمنية للطاقة لإنتاج الغاز المسال ونقله.

ويسعى المشترون الآسيويون جاهدين لإدارة النقص، وقد خفضت شركات استشارية مثل إس آند بي غلوبال إنرجي توقعاتها للإمدادات العالمية بما يصل إلى 35 مليون طن، أي ما يعادل 500 شحنة تقريبًا.

بدورهم، تفوّق المستوردون الأوروبيون في المزايدة، ما أدى إلى إعادة توجيه الإمدادات إلى آسيا، ويكشف هذا مجددًا عن هشاشة أوروبا، التي سعت إلى تنويع مصادرها بعيدًا عن الغاز الروسي، لكنها باتت الآن تعتمد على الغاز المسال المستورد، ومعظمه من دول الخليج العربي.

تواجه الحكومات والشركات واقعًا صعبًا، ما يدفعها إلى إعادة النظر في إستراتيجيات أمن الطاقة للحفاظ على اقتصاداتها ونموها.

في بعض الدول الآسيوية، ولا سيما الصين والهند، قد تُصبح أنواع الوقود الأحفوري، كالفحم، بالغة الأهمية لأمن الطاقة على المدى القريب.

على المدى المتوسط ​​إلى الطويل، قد يحتاج المشترون إلى إعادة تقييم التوازن بين السعر وأمن إمدادات الغاز المسال.

على سبيل المثال، يُكلّف الغاز المسال الأسترالي أكثر من غيره، لكنه يوفر مسارًا بحريًا أقصر وأقل تقلبًا إلى جنوب شرق آسيا.

رغم ذلك، فإن معظم إنتاج المشروعات القائمة مُتعاقد عليه حاليًا (بحسب شركة نورتون روز فولبرايت).

في الوقت نفسه، يؤدي تنافس دول آسيوية متعددة في آن واحد على شحنات بديلة محدودة إلى ارتفاع أسعار السوق الفورية.

في سوق باتت تُعرَف بندرة الموارد المطلقة بدلًا من مرونتها، حتى الكميات المتواضعة لها تأثير بالغ في تحديد الأسعار.

ويوضح رئيس مجلس الإدارة كبير المحللين لدى شركة وود ماكنزي، سيمون فلاورز، أنه يمكن إضافة 3.5 مليار قدم مكعبة يوميًا، معظمها من المنتجين الأكثر اعتمادًا على استيراد الغاز المسال.

ويقول: إن هذا يمثّل 0.8% فقط من الإمدادات العالمية، ولكن الأهم من ذلك، أنه يمثّل 30% من الغاز المسال الذي قُلِّصَ في قطر.

ويضيف أن هذه الزيادة ليست كافية لتجنُّب تداعيات خطيرة على الأسعار، ولكنها كافية لتخفيف بعض آثارها.

موضوعات متعلقة..

اقرأ أيضًا..

المصدر:

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق