المقالاترئيسيةمقالات النفطنفط

وقود حلف الناتو.. هل ينجح مقترح تركيا بإنشاء أنبوب ينقل احتياجات الجناح الشرقي؟ (مقال)

أومود شوكري* - ترجمة: نوار صبح

اقرأ في هذا المقال

  • حلف الناتو يدرس توسيع شبكة الوقود التي تعود إلى حقبة الحرب الباردة شرقًا
  • يستحيل تعزيز قوة لا يمكن تزويدها بالوقود بسرعة بشكل موثوق
  • نظام خطوط أنابيب وقود حلف الناتو الحالي بُني لأوروبا مختلفة
  • إنشاء خط أنابيب وقود عسكري آمن يتطلب بنية تحتية مدفونة ومحصّنة

تقترح تركيا إنشاء خط أنابيب وقود حلف الناتو لتعزيز الإمدادات في الجناح الشرقي للحلف، ويأتي ذلك بهدف ترسيخ دور البلاد بصفتها مركزًا إقليميًا مهمًا للطاقة والنفوذ واستجابة للتطورات الجيوسياسية في المنطقة.

وفي الوقت نفسه، فإن مقترح تركيا لإنشاء خط أنابيب وقود عسكري بقيمة مليار يورو، أو ما يقارب 1.2 مليار دولار، يمتد من تركيا إلى رومانيا مرورًا ببلغاريا، يتجاوز كونه مجرد مشروع لوجستي، لأن من شأنه زيادة نفوذ البلاد في الحلف.

وعلى الرغم من أن هذا المخطط، الذي طُرح في الوقت الذي يدرس فيه الحلف توسيع شبكة الوقود التي تعود إلى حقبة الحرب الباردة شرقًا، يمثّل جزءًا صغيرًا من احتياجات حلف الناتو المقدّرة بـ21 مليار يورو لتوسيع خطوط الأنابيب، فإن قيمته الإستراتيجية تفوق تكلفته.

ومن شأن إنشاء خط أنابيب وقود حلف الناتو أن يعزز إمدادات الوقود إلى الجناحين الجنوبي الشرقي والشرقي للحلف، ويدعم مكانة تركيا مركزًا لوجستيًا وطاقيًا رئيسًا، ويمنح أنقرة دورًا بارزًا قبل قمة الناتو المقرر عقدها في يوليو/تموز 2026.

(اليورو = 1.16 دولارًا أميركيًا)

مشكلة وقود حلف الناتو

بُني النظام الحالي لخطوط أنابيب وقود حلف الناتو لأوروبا مختلفة، إذ تمتد الشبكة لمسافة تقارب 10 آلاف كيلومتر عبر 12 دولة عضوة، وصُممت أساسًا لتزويد القوات الجوية في أوروبا الغربية في حال نشوب حرب مع الاتحاد السوفيتي.

وما تزال جغرافية النظام تعكس ذلك التاريخ، إذ ينتهي جزء كبير من النظام في غرب ألمانيا.

وما يزال الحلفاء الأكثر عرضة للخطر اليوم، بما في ذلك بولندا ودول البلطيق ورومانيا وبلغاريا، بالإضافة إلى الأعضاء الجدد مثل فنلندا، يعتمدون بشكل أكبر على الشاحنات والسكك الحديدية والطرق البحرية لتأمين إمدادات الوقود على نطاق واسع.

وستكون هذه الطرق أكثر عرضة للتعطيل في حال نشوب حرب كبيرة، وتُعدّ هذه الثغرة مهمة، لأن العمليات العسكرية الحديثة تستهلك كميات هائلة من الوقود.

وقد حذّر كبار ضباط الناتو، بمن فيهم الفريق كاي روهرشنايدر، من أن القوات الجوية قد تستحوذ على غالبية الطلب العسكري على الوقود في حال نشوب حرب مع روسيا.

إزاء ذلك، يمكن تكييف وقود الطائرات لاستعماله من قبل المركبات البرية، ما يجعل الإمداد الآمن والمرن أكثر أهمية.

مقر حلف الناتو في العاصمة البلجيكية
مقرّ حلف الناتو في العاصمة البلجيكية – الصورة من بلومبرغ

بالنسبة لدول الجناح الشرقي، خصوصًا رومانيا وبولندا، فإن توسيع خطوط الأنابيب ليس ترفًا تقنيًا، بل هو جزء من الردع، إذ لا يمكن تعزيز قوة لا يمكن تزويدها بالوقود بسرعة بشكل موثوق.

وسيضيف المسار الذي اقترحته تركيا خطًا جنوبيًا إلى هذه الصورة، فمن خلال ربط البنية التحتية التركية ببلغاريا ورومانيا، سيوفر خط الأنابيب الوقود لحلف الناتو وسيلة أخرى لدعم العمليات حول البحر الأسود وجنوب شرق أوروبا.

وسيقلل هذا الخط الاعتماد على ممرات الإمداد الشمالية التي قد تكون عرضة للضغط الروسي أو التخريب أو تعطيل العمليات في ساحة المعركة.

وفي لغة تخطيط الناتو، يُعنى هذا بالقدرة على الحركة العسكرية.

بعبارة أخرى، يسعى الحلف إلى ضمان عدم نفاد الوقود من الجنود والطائرات والمركبات في اللحظة التي تكتشف فيها جميع الأطراف أن هذه الإستراتيجية تتطلب موارد مادية.

رهان تركيا الإستراتيجي

بالنسبة لأنقرة، يخدم هذا المقترح عدّة أغراض في آن واحد، فهو يسمح لتركيا بتقديم نفسها مُزوّدًا ​​للأمن بدلًا من حليف صعب.

ويُعدّ هذا التمييز مهمًا بعد سنوات من التوتر بشأن صفقة شراء منظومة صواريخ إس-400 من روسيا، والعمليات التركية في سوريا، والنزاعات في شرق المتوسط، وميل أنقرة إلى الموازنة بين موسكو والغرب.

ومن خلال توفير بنية تحتية من شأنها تعزيز رومانيا وبلغاريا وجبهة البحر الأسود، تستطيع تركيا الإشارة إلى إسهام ملموس في دفاعات حلف الناتو (NATO)، مع تذكير الحلفاء بأن موقعها الجغرافي ما يزال يمنحها نفوذًا.

وتستضيف تركيا حاليًا عناصر من البنية التحتية للوقود التابعة لحلف الناتو عبر نظام خطوط الأنابيب التركية، ولديها موانٍ وقواعد جوية ومنشآت عسكرية مهمة.

ومن شأن خط أنابيب وقود عسكري جديد أن يوسّع هذا الدور، ويمكن أن يدرّ إيرادات من خلال الإنشاء والتشغيل والنقل، على الأرجح بمشاركة شركات تركية وجهات فاعلة في مجال البنية التحتية مرتبطة بالدولة.

سيعزز هذا الخط قابلية التشغيل البيني مع الخدمات اللوجستية لحلف الناتو، ويدعم طموح أنقرة الأوسع في أن تصبح مركزًا للطاقة والنقل.

وعلى الرغم من أن هذا المشروع سيكون ذا طابع عسكري، وربما مصممًا لنقل وقود الطائرات والديزل في ظل ظروف تشغيل آمنة، فإنه يندرج ضمن إستراتيجية تركيا الأوسع نطاقًا لتحويل موقعها الجغرافي إلى نفوذ سياسي.

ويُعدّ التوقيت مهمًا، فمع اقتراب قمة حلف الناتو في أنقرة في يوليو/تموز 2026، يمنح هذا المقترح تركيا منصةً لعرض دورها القيادي داخل الحلف.

ويأتي ذلك في وقت تعيد فيه أوروبا تسليح نفسها، وتشتدّ فيه النقاشات الأميركية بشأن تقاسم الأعباء، ويتّسع فيه نطاق عدم الاستقرار الإقليمي من البحر الأسود إلى الشرق الأوسط.

وقد سعت تركيا إلى تعزيز مكانتها في منظومة الدفاع الأوروبية، بما في ذلك أدوار القيادة المستقبلية وهياكل المقرّات.

ويتماشى مقترح خط الأنابيب مع هذه الرسالة: فأنقرة لا تريد أن تُعامل بصفتها مجرد طرف جنوبي شرقي للناتو، بل بصفتها دولة تُمكّن عمليات الحلف عبر المناطق.

قاعدة إنجرليك الجوية في تركيا
قاعدة إنجرليك الجوية في تركيا – الصورة من وكالة الصحافة الفرنسية

دبلوماسية الطاقة والضغط الروسي

قد يُعزز هذا المشروع موقف تركيا في دبلوماسية الطاقة والدفاع.

وما تزال أنقرة تستورد كميات كبيرة من الطاقة الروسية، بما في ذلك عبر خط أنابيب ترك ستريم، في حين تُروّج لخطوط بديلة مثل الغاز الأذربيجاني عبر خط أنابيب تاناب وإمدادات محتملة من العراق وقطر وتركمانستان وغيرها.

رغم ذلك، لن يُزيل خط أنابيب الوقود العسكري هذه التناقضات، بل سيُضيف إليها بُعدًا آخر.

ستواصل تركيا موازنة علاقاتها الاقتصادية مع روسيا مع التزاماتها تجاه حلف الناتو، لكنها ستمتلك حجّة أقوى بأن بُنيتها التحتية تُعزز مرونة الحلف.

بالنسبة لروسيا، سيكون خط الأنابيب مؤشرًا آخر على أن حلف الناتو يُكيّف لوجستياته لمواجهة طويلة الأمد، وسيُحسّن قدرة الحلف على دعم العمليات قرب البحر الأسود، حيث تحتفظ روسيا بقدرات بحرية وصاروخية وجوية رغم الحرب في أوكرانيا.

وقد يُعقّد هذا المشروع التخطيط الروسي من خلال توفير خيارات إضافية لإمدادات الوقود وتقليل الاعتماد على الطرق المكشوفة.

ومن شبه المؤكد أن موسكو ستنظر إلى المشروع بصفته جزءًا من تعزيز حلف الناتو العسكري التدريجي في شرق أوروبا.

بالمثل، فإن مشاركة تركيا تجعل الرسالة أكثر تعقيدًا: فأنقرة تبقي قنوات الاتصال مفتوحة مع موسكو، لكن هذا النوع من المشروعات سيُظهر أن توازنها له حدود.

الاحتكاكات داخل حلف الناتو

داخل حلف الناتو، تتمثل العقبات الرئيسة في المال والسياسة والتكامل.

والتكلفة ليست باهظة بمعايير الحلف، لكن قرارات التمويل نادرًا ما تبقى مجرد مسائل فنية لمدة طويلة، لأنه لا شيء يُجسّد الدفاع الجماعي أكثر من اجتماع حكومات تتجادل حول الفواتير، وستحتاج بلغاريا ورومانيا إلى دعم المشروع سياسيًا وإداريًا.

لذلك، يتعين معالجة الموافقات البيئية وحقوق الأراضي ومخاوف السيادة والمعايير التقنية والتوافق مع أنظمة وقود حلف الناتو الحالية.

وقد يُعزز المشروع التواصل بين الشمال والجنوب داخل الحلف، ولكنه قد يُثير احتكاكات إذا رأى أعضاء آخرون أن تركيا تستعمل البنية التحتية للمطالبة بمعاملة تفضيلية.

من ناحية ثانية، فإن السياسة الإقليمية حساسة بالقدر نفسه، وقد يُزعزع دور لوجستي تركي أقوى في البحر الأسود وجنوب شرق أوروبا استقرار بعض الحلفاء، لا سيما في ظل نزاعات أنقرة مع اليونان وقبرص وموقفها الحازم في شرق المتوسط.

ولن يُغيّر خط أنابيب الوقود العسكري هذه النزاعات مباشرةً، ولكنه سيُعزز ثقل تركيا الإستراتيجي. وبالنسبة لأنقرة، هذا جزء من جاذبية المشروع، أمّا بالنسبة لبعض الشركاء، فهو جزء من مخاوفهم.

بناء خط الأنابيب

يُعدّ الجانب التقني قابلًا للإدارة ولكنه ليس بسيطًا، إذ يتطلب إنشاء خط أنابيب وقود عسكري آمن بنية تحتية مدفونة ومحصنة، وروابط تخزين، وأنظمة تحكّم محمية، وقدرة على الصمود أمام التخريب والهجمات الإلكترونية.

ومن المرجّح أن تؤدي شركة بوتاش (BOTAS)، المشغّلة لخط الأنابيب التركي، دورًا في هذا المشروع، إلى جانب آليات تمويل الناتو والمتعاقدين من الدول المعنية.

وستؤثّر تضاريس المنطقة، والمخاطر الزلزالية، والاختلافات التنظيمية، ومتطلبات الأمن السيبراني، جميعها في الجدول الزمني والتكلفة.

وتكمن الأهمية الأوسع في عودة الخدمات اللوجستية إلى صدارة الأمن الأوروبي.

فعلى مدى سنوات، تحدَّث الناتو عن التنقل والمرونة والبنية التحتية، لكن الحرب في أوكرانيا جعلت تجاهل هذه القضية أمرًا بالغ الصعوبة.

فالذخيرة والوقود وقطع الغيار ومقاييس السكك الحديدية والجسور والمواني وخطوط الأنابيب باتت الآن لا تقلّ أهمية عن الخطابات المتعلقة بالردع.

ويعكس اقتراح تركيا هذا التحول، فهي لا تقدّم مجرد خط أنابيب، بل تقدّم نفسها بصفتها مسارًا ومركزًا ووسيطًا سياسيًا.

طائرة مقاتلة في قاعدة لاسك الجوية ببولندا
طائرة مقاتلة في قاعدة لاسك الجوية ببولندا - الصورة من دير شبيغل

أهمية المشروع

حتى لو أُنشِئ خط الأنابيب، فلن يحلّ بمفرده مشكلة الإمداد اللوجستي للجناح الشرقي لحلف الناتو.

وقد يستغرق التوسع الكامل لشبكة الوقود التابعة للحلف سنوات، وربما عقودًا، وسيكون هذا المشروع جزءًا من جهد أوسع لإنشاء نظام أكثر مرونة ومتعدد المسارات.

في المقابل، سيرسل المشروع الجزئي رسالة مفادها أن حلف الناتو يستعد لحالات طوارئ أطول وأكثر صعوبة، وأن تركيا تريد أن تُؤخذ في الحسبان عند وضع هذه الخطط.

لذا، يمزج هذا المقترح بين المصلحة الذاتية ومصلحة الحلف، وستكتسب تركيا حضورًا ونفوذًا وفوائد اقتصادية محتملة.

وسيحصل حلف الناتو على فائض في الموارد وخط إمداد جنوبي أقوى، وسيطمئن حلفاء الجناح الشرقي بأن إمدادات الوقود تُعامل بصفتها جزءًا أساسًا من التخطيط الدفاعي وليس ثانويًا.

والسؤال الرئيس هو ما إذا كان بإمكان أعضاء الحلف تحويل الفكرة إلى مشروع مموّل ومتكامل تقنيًا ومقبول سياسيًا.

وسيعتمد ذلك على قدرة الناتو على إدارة توتراته الداخلية مع الاستجابة للضغوط الخارجية التي جعلت مقترح خط الأنابيب جذابًا في المقام الأول.

* الدكتور أومود شوكري، الخبير الإستراتيجي في مجال الطاقة، الزميل الزائر الأول في جامعة جورج ميسون الأميركية، مؤلف كتاب "دبلوماسية الطاقة الأميركية في حوض بحر قزوين: الاتجاهات المتغيرة منذ عام 2001".

* هذا المقال يمثّل رأي الكاتب، ولا يعبّر بالضرورة عن رأي منصة الطاقة.

موضوعات متعلقة..

اقرأ أيضًا..

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق