هيدروجينتقارير الهيدروجينرئيسية

4 خبراء: الهيدروجين الأخضر يعيد رسم خريطة الطاقة العالمية في ظل التوترات الجيوسياسية

داليا الهمشري

 يفرض الهيدروجين الأخضر نفسه بقوة على خريطة الطاقة العالمية في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية التي كشفت عن هشاشة النظام التقليدي المعتمد على الوقود الأحفوري.

ويرى خبراء في قطاع الهيدروجين -في تصريحات خاصة إلى منصة الطاقة المتخصصة (مقرّها واشنطن)- أن الأزمات المتلاحقة كشفت بوضوح الحاجة إلى نظام طاقة أكثر استقرارًا، لا يرتبط بمناطق إنتاج محددة أو مورّدين بعينهم.

وأكدوا أن التحول نحو اقتصاد الهيدروجين لا يقتصر على كونه توجهًا بيئيًا، بل يمتد ليشمل أبعادًا اقتصادية وصناعية وإستراتيجية، حيث تتسابق القوى العالمية لتأمين موقع متقدم في هذا القطاع الواعد.

وتوقّع الخبراء نموًا متسارعًا لسوق الهيدروجين النظيف خلال الأعوام المقبلة، مدفوعًا بخطط خفض الانبعاثات وتعزيز أمن الطاقة.

لامركزية الإنتاج

أشار الرئيس التنفيذي لمنظمة الهيدروجين الأخضر، جو ويليامز، إلى أن الهيدروجين الأخضر يتمتع بميزة جوهرية تتمثل في إمكان إنتاجه بعدد كبير من الدول باستعمال مصادر الطاقة المتجددة مثل الشمس والرياح، وهو ما يعني أن العالم لم يعد مقيدًا بمناطق إنتاج محددة كما هو الحال في النفط والغاز.

وأضاف أن الاعتماد العالمي الكبير على الوقود الأحفوري يجعل النظام الحالي للطاقة عرضة للتقلبات والصدمات الجيوسياسية، وهو ما ظهر بوضوح خلال الأزمات الأخيرة في الشرق الأوسط، التي أدت إلى ارتفاعات حادة في الأسعار.

الرئيس التنفيذي لمنظمة الهيدروجين الأخضر جو ويليامز

وأوضح ويليامز -في تصريحات خاصة إلى منصة الطاقة المتخصصة- أن الهيدروجين النظيف يقدّم نموذجًا مختلفًا يقوم على اللامركزية في الإنتاج، وزيادة الاعتماد على الإنتاج المحلي، وتنويع الشركاء التجاريين، بما يسهم في بناء نظام طاقة أكثر مرونة واستقرارًا على المدى الطويل.

وأشار إلى الأزمة الحالية منحت الهيدروجين الأخضر ميزة إستراتيجية كبيرة من خلال إخراج الطاقة من دائرة التمركز الجغرافي التقليدي إلى نموذج أكثر انتشارًا وتوازنًا.

وأضاف أن إمكان الحصول على الهيدروجين الأخضر من عدد أكبر بكثير من الدول مقارنة بالوقود الأحفوري يُمثّل تغييرًا جذريًا في قواعد اللعبة، ولا سيما أن 70% من دول العالم تعتمد -حاليًا- على استيراد الوقود الأحفوري؛ ما يجعلها عرضة لتقلّبات الأسعار والأزمات السياسية.

من جانبه، أوضح رئيس تحالف الهيدروجين في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فرانك ووترز، أن الهيدروجين النظيف يمنح الدول مرونة أكبر في مواجهة الأزمات.

وأشار إلى أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وعلى رأسها مصر والمغرب، تمتلك فرصًا كبيرة للتحول إلى مراكز عالمية لإنتاج وتصدير هذا الوقود النظيف، بفضل ما تتمتع به من موارد طبيعية ومواقع جغرافية إستراتيجية.

تعزيز أمن الطاقة

أشار ووترز إلى أن هذا الواقع الجديد يفرض على الدول إعادة التفكير في مصادر الطاقة المستقبلية، إذ يبرز الهيدروجين الأخضر كونه وقودًا إستراتيجيًا لتعزيز أمن الطاقة وتقليل الاعتماد على عدد محدود من المورّدين، مع إتاحة الفرصة أمام دول جديدة، لا سيما في أفريقيا، لتكون جزءًا فاعلًا من خريطة الطاقة العالمية.

وأوضح ووترز -في تصريحاته إلى منصة الطاقة المتخصصة- أن الهيدروجين الأخضر يُنظر إليه بصفته جزءًا من الحل؛ لأنه يمكن إنتاجه في عدد كبير جدًا من الدول، وربما في معظم دول العالم مستقبلًا، وهو ما يعزز أمن الطاقة العالمي من خلال تنويع مصادر الإمداد.

رئيس تحالف الهيدروجين في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا فرانك ووترز

وأكد أنّ توسُّع قاعدة الإنتاج جغرافيًا يسهم في تحسين مرونة سلاسل التوريد، حيث تصبح أكثر قدرة على التكيف مع الأزمات، إذ يؤدي توزيع الإنتاج على مناطق متعددة إلى تقليل مخاطر الانقطاع الناتجة عن النزاعات أو الأزمات اللوجستية أو القرارات السياسية المفاجئة.

وفيما يتعلق بشمال أفريقيا، أشار إلى أن المنطقة تمتلك فرصًا استثنائية، بفضل وفرة الأراضي، وموارد الشمس والرياح، وقربها الجغرافي من أوروبا والأسواق الدولية؛ ما يجعل دولًا مثل مصر والمغرب مرشحة بقوة لتصبح مراكز رئيسة لإنتاج الهيدروجين الأخضر ومشتقاته.

بدوره، أوضح المدير التنفيذي لقطاع الهيدروجين في شركة شارت إندستريز، صلاح مهدي، أن الهيدروجين -خاصةً في صورته المسالة- يبرز بصفته إحدى أبرز الأدوات المرشحة لإعادة تشكيل منظومة الطاقة العالمية، ليس فقط بصفته وقودًا منخفض الانبعاثات، بل لأنه يقدّم نموذجًا مختلفًا لإنتاج وتداول الطاقة قائمًا على القدرة الصناعية والتكنولوجية بدلًا من الجغرافيا والموارد الطبيعية.

نموذج الهيدروجين الأخضر

أشار مهدي إلى أن النظام الحالي للطاقة قائم على تمركز الموارد في أماكن محددة، ما يجعل النفط والغاز مرتبطَين بجغرافيا معقّدة وممرات حسّاسة مثل مضيق هرمز، وهو ما يعرّض الدول المستوردة للتقلبات والضغوط، لافتًا إلى أن الغاز الطبيعي المسال، رغم مرونته، لم يخرج من هذا الإطار.

وأوضح مهدي -خلال تصريحات خاصة إلى منصة الطاقة المتخصصة- أن الهيدروجين يقدّم تحولًا جوهريًا، إذ لا يُستخرج بل يُصنع، ويعتمد على 3 مدخلات رئيسة هي الكهرباء والمياه والتكنولوجيا، وهو ما يفتح الباب أمام نموذج جديد للطاقة قائمًا على القدرة الإنتاجية.

المدير التنفيذي لقطاع الهيدروجين في شركة شارت إندستريز صلاح مهدي

وأضاف أن التحدي الأساس للهيدروجين لا يكمن في إنتاجه، بل في نقله؛ نظرًا لانخفاض كثافته في حالته الغازية، وهو ما يجعل نقله لمسافات طويلة غير مجدٍ اقتصاديًا، مشيرًا إلى أن تسييله يضاعف كثافته بنحو 800 مرة؛ ما يحوّله إلى سلعة عالمية قابلة للنقل والتداول.

كما أشار إلى التقدم التقني الذي شهده القطاع، مبرزًا انخفاض استهلاك الطاقة في عملية التسييل من نحو 20–35 كيلوواط/ساعة لكل كيلوغرام سابقًا إلى ما بين 8 و10 كيلوواط/ساعة حاليًا، بفضل استثمارات الشركات المتخصصة، ما يعكس تراجع العوائق التقنية أمام انتشار الهيدروجين المسال.

من جانبه، أكد عضو مجلس إدارة الجمعية الدولية لطاقة الهيدروجين في الولايات المتحدة، الدكتور حسام الناظر، أن ما يحدث -حاليًا- في ملف الهيدروجين الأخضر عالميًا يمثّل تحولًا تاريخيًا في مفهوم الطاقة وأمن الدول الاقتصادي والإستراتيجي.

بناء منظومات كاملة

أوضح الناظر أن قرار الولايات المتحدة بالإبقاء على تمويل يقارب 5 مليارات دولار لمشروعات مراكز الهيدروجين، رغم مراجعة -أو إيقاف- آلاف المشروعات الأخرى، يعكس بوضوح أن الهيدروجين لم يعد مجرد مشروع بيئي أو خيار مستقبلي، بل أصبح جزءًا من معادلة الأمن القومي والطاقة عالميًا.

وأشار إلى أن العالم لا يتجه فقط إلى إنشاء مصانع لإنتاج الهيدروجين، بل يعمل -أيضًا- على بناء منظومات صناعية واقتصادية متكاملة تشمل الإنتاج والتخزين والنقل والتصدير والصناعات المرتبطة بالطاقة النظيفة، وهو ما يعكس بداية تشكّل اقتصاد عالمي جديد.

وأضاف أن الحروب الحالية، رغم تأثيرها بتكلفة التمويل وسلاسل الإمداد والطاقة والنقل، أسهمت في تسريع توجُّه الدول نحو تنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على الوقود التقليدي، مرجّحًا أن تكون التوترات الجيوسياسية الحالية عامل تسريع لاقتصاد الهيدروجين.

وأكد الناظر -في تصريحاته إلى منصة الطاقة المتخصصة- أن المنافسة العالمية أصبحت واضحة بين الولايات المتحدة وأوروبا والصين ودول الخليج للاستحواذ على موقع متقدم في هذا القطاع، في ظل توقعات بنمو متسارع لسوق الهيدروجين خلال العقد المقبل.

عضو مجلس إدارة الجمعية الدولية لطاقة الهيدروجين في الولايات المتحدة الدكتور حسام الناظر

وفيما يتعلق بمصر، أوضح الناظر أنها تمتلك فرصة إستراتيجية حقيقية بفضل توافر طاقتي الشمس والرياح، وإمكانات تحلية المياه، وموقعها الجغرافي المتميز، إضافة إلى الأهمية الإستراتيجية لقناة السويس بصفتها ممرًا عالميًا للطاقة والتجارة.

وأبرز الناظر أن التحدي الحقيقي لا يكمن في الإمكانات فقط، بل في سرعة التحرك، وتوطين التكنولوجيا، وبناء الصناعات المرتبطة بالهيدروجين الأخضر، وتطوير حلول منخفضة التكلفة للإنتاج والتخزين والنقل.

وشدد على أن العالم يدخل مرحلة جديدة من التحول الطاقي، سيكون للهيدروجين فيها دور محوري بإعادة تشكيل الاقتصاد والصناعة والطاقة خلال الأعوام المقبلة.

موضوعات متعلقة..

اقرأ أيضًا..

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق