
سيتسلم وزير النفط العراقي الجديد باسم خضير، حقيبة مثقلة بالتحديات الجسيمة والملفات الساخنة التي تتطلب قرارات إستراتيجية فورية، لضمان استقرار تدفقات الطاقة وتأمين الإيرادات المالية للدولة.
وبحسب متابعة منصة الطاقة المتخصصة (مقرها واشنطن) لقطاع الطاقة العراقي، فإن الوزير الجديد سيكون عليه حسم التزامات العراق مع التحالفات الدولية، وإدارة التوازنات الدقيقة بين زيادة القدرة الإنتاجية والالتزام بالحصص المقررة.
ويأتي ذلك، في وقت تمر فيه المنطقة بتوترات جيوسياسية متصاعدة تؤثر مباشرة في أمن الطاقة العالمي وممرات التصدير، لذا تبرز الأهمية الكبرى لاختيار وزير النفط العراقي الجديد في هذا التوقيت، من حيث القدرة على إدارة الملفات الأكثر خطورة.
وسيكون الوزير الجديد -الذي جرى إعلان اسمه اليوم الخميس 14 مايو/أيار 2026- المسؤول الأول عن تنفيذ رؤية الحكومة الرامية إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغاز ووقف هدر الموارد الطبيعية، وهو ما يستدعي شخصية تمتلك خبرة فنية ودبلوماسية عالية للتعامل مع الشركات العالمية والدول المجاورة والمنظمات النفطية الكبرى.
وتتضمن قائمة المهام التي تنتظر الوزير ملفات مؤجلة بسبب وضع حكومة تصريف الأعمال، ما يجعل المدة المقبلة حافلة بالتحركات لإعادة صياغة خريطة الطريق النفطية، بما يخدم المصالح الوطنية العراقية العليا في الأمدين القريب والبعيد.
وسيكون على الوزير الجديد التعامل مع أكثر الملفات الشائكة الحالية والمستقبلية، التي تتمثل في:
- تحديد مصير العراق داخل أوبك وأوبك+.
- استكمال ملف استيراد الغاز المسال.
- إيجاد بدائل للتصدير بعيدًا عن مضيق هرمز.
- التوصل إلى عقد طويل الأمد لتصدير نفط كردستان العراق.
- تجديد عقد تصدير النفط العراقي إلى الأردن.
- زيادة إنتاج النفط إلى 6 ملايين برميل خلال 2026.
- التوقف عن حرق الغاز وتحقيق الاكتفاء الذاتي.
حسم ملف أوبك
يعد حسم ملف أوبك في مقدمة أولويات وزير النفط العراقي الجديد باسم خضير، بل الملف الأكثر إلحاحًا، خاصة مع تصاعد الشائعات حول إمكان انسحاب بغداد من المنظمة، وهي الأقاويل التي تزايدت وتيرتها عقب إعلان الإمارات انسحابها من أوبك في أبريل/نيسان الماضي.
وسيواجه الوزير ضغوطًا لتحديد موقف بلاده بوضوح، سواء التمسك بالمنظمة أو المغادرة، لا سيما أن بغداد لم تصدر بيانات رسمية مؤكدة لموقفها مثلما فعلت الجزائر وروسيا، ما يضع سوق النفط في حالة ترقب شديد لما سيتخذه المسؤول القادم من خطوات فعلية.
وبحسب البيانات، فإن حصة إنتاج العراق المقررة ضمن اتفاق أوبك+ لشهر يونيو/حزيران المقبل تبلغ نحو 4 ملايين و352 ألف برميل يوميًا، وهو رقم يعكس التزامات بغداد الحالية، إذ سيزيد إنتاجها بمقدار 26 ألف برميل يوميًا ليسجل هذا المستوى المستهدف بالاتفاق.

وسيكون على وزير النفط العراقي الجديد الموازنة بين حاجة البلاد إلى زيادة الإيرادات المالية لتمويل الموازنة والالتزام بالخلفيات الفنية لاتفاق خفض الإنتاج، خاصة مع مساعي العراق إلى تعزيز مكانته منتجًا ثانيًا في المنظمة مع الحفاظ على استقرار الأسعار العالمية.
ويتطلب هذا الملف قدرة فائقة على التفاوض داخل أروقة المنظمة، لضمان حصول العراق على حصص إنتاجية عادلة تتناسب مع احتياطاته الضخمة وخططه التوسعية، مع ضرورة تقديم طمأنة للمجتمع الدولي والشركاء في أوبك+ حول الجدية في الوفاء بالتزاماته.
التجهيز لاستيراد الغاز المسال
سيكون على وزير النفط العراقي الجديد استكمال تنفيذ عقد المنصة العائمة للغاز المسال (FSRU) الذي وُقّع مع شركة إكسليريت إنرجي الأميركية، وهي الخطوة التي تستهدف تأمين 15 مليون متر مكعب يوميًا من الغاز لمحطات الكهرباء الوطنية، لضمان استقرار التجهيز خلال الذروة الصيفية.
ويعد هذا المشروع إستراتيجيًا لتقليل الاعتماد على الإمدادات الخارجية، خاصة مع توجه الحكومة لتحقيق استقلال طاقي بحلول عام 2028، إذ توفر المنصة حلًا مرنًا وسريعًا لمعالجة النقص الحاد في الوقود، وفق ما اطلعت عليه منصة الطاقة المتخصصة.
ومن المنتظر أن يشرف وزير النفط العراقي الجديد باسم خضير على استكمال مد الأنابيب اللازمة لربط المنصة بالشبكة الوطنية، إذ يتضمن العمل مد أنبوب بقطر 42 عقدة بمقطعين، الأول من خور الزبير إلى ناظم شط البصرة، والثاني من المحمودية وصولًا إلى محطة كهرباء بسماية.
وتسهم المنصة في توفير مخزون إستراتيجي يمكن استعماله عند الحاجة القصوى، ما يمنح وزارتَي النفط والكهرباء مرونة في إدارة الأزمات، إذ تبلغ القدرة الإجمالية لإعادة تغويز الغاز نحو 500 مليون قدم مكعبة قياسية يوميًا، ما يدعم إنتاج ما يصل إلى 4 آلاف ميغاواط كهرباء.
وسيكون من أولويات الوزير تعزيز التعاون مع الجانب الأميركي والشركات المتخصصة لتطوير البنية التحتية وتدريب الكوادر العراقية على تشغيل هذه التقنيات الحديثة، مع ضمان اختيار الأرصفة البحرية الأنسب لاستقبال ناقلات الغاز المسال التي تتراوح سعتها بين 125 ألفًا و170 ألف متر مكعب لكل شحنة.
بدائل التصدير بعيدًا عن مضيق هرمز
يفرض التوتر الجيوسياسي في المنطقة على وزير النفط العراقي الجديد البحث بجدية عن مسارات بديلة لتصدير النفط الخام بعيدًا عن مضيق هرمز، وعلى رأس هذه البدائل تفعيل خط أنابيب كركوك-جيهان التركي، الذي تبلغ طاقته التصميمية نحو 1.6 مليون برميل يوميًا.
كما يعد مشروع أنبوب "البصرة-حديثة" خيارًا إستراتيجيًا آخر سيكون على الوزير الجديد تنشيطه، لتعزيز مرونة قطاع الطاقة وتقليل الاعتماد على الممرات البحرية الحساسة، وقد ناقشت الحكومة مؤخرًا مستجدات هذا الأنبوب بوصفه جزءًا من رؤية أوسع، لضمان وصول النفط إلى الأسواق العالمية في الحالات الطارئة.
وسيواجه وزير النفط باسم خضير أزمة إعادة إحياء خط أنابيب "كركوك-بانياس" السوري، إذ عادت بغداد مؤخرًا لاستعمال المسارات البرية لنقل زيت الوقود، بما يعكس رغبتها في إيجاد مخارج متعددة للنفط ومنتجاته تضمن استمرارية التدفقات النقدية حتى في أصعب الظروف.
وتشير التوقعات إلى أن تفعيل خط كركوك-جيهان سيسهم في رفع الصادرات عبر تركيا إلى نحو 600 ألف برميل يوميًا فور استكمال الإصلاحات الفنية اللازمة، ما يمثل ضغطًا إيجابيًا على الوزير القادم لسرعة التوصل إلى تفاهمات نهائية مع الجانب التركي وشركات النقل.

وتمثل هذه التحركات ضرورة قصوى للأمن القومي الاقتصادي، إذ إن بقاء غالبية الصادرات العراقية رهينة مضيق هرمز يمثل مخاطرة كبيرة، لذا فإن نجاح الوزير القادم سيُقاس بمدى قدرته على فتح هذه المنافذ وتأمين العقود التشغيلية لها بأسرع وقت ممكن.
عقد تصدير نفط كردستان
ينتظر وزير النفط العراقي الجديد باسم خضير ملفًا شائكًا يتعلق بصادرات نفط كردستان، تحديدًا ما يخص الاتفاق على عقد طويل الأمد لتصدير النفط، فعلى الرغم من استئناف الضخ عبر الأنبوب التركي، فإن الخلافات الفنية والمالية حول تكاليف الإنتاج وآليات التسويق ما تزال تتطلب حلولًا جذرية.
وكانت الصادرات قد شهدت اضطرابًا عقب التوترات الإقليمية، لكن الاتفاقات المؤقتة سمحت ببدء ضخ نحو 250 ألف برميل يوميًا من نفط كركوك عبر الأنبوب، وهو ما يضع الوزير الجديد أمام مسؤولية تحويل هذه التفاهمات اللحظية إلى إطار قانوني وتنظيمي متكامل.
كما سيكون على وزير النفط التنسيق مع سلطات الإقليم لتجاوز "الظروف الاستثنائية" التي أشار إليها المسؤولون في أربيل، وضمان عدم استعمال ملف النفط بوصفه ورقة ضغط سياسي من جانب مسؤولي الإقليم على حكومة بغداد المركزية.

ومن شأن استقرار عمليات التصدير من الشمال أن يسهم بصورة مباشرة في رفع إجمالي صادرات النفط العراقية وزيادة الإيرادات العامة للدولة بانتظام، وفق تقديرات منصة الطاقة المتخصصة، بناء على المتابعة اللحظية لقطاع الطاقة في العراق.
كما تتطلب المرحلة المقبلة شفافية عالية في إدارة الموارد النفطية من كركوك والإقليم، إذ تهدف الحكومة إلى رفع الصادرات تدريجيًا مع استقرار العمليات الفنية، وهو ما يستدعي من الوزير الجديد الإشراف على لجان فنية مشتركة لتدقيق الكميات المنتجة والمصدرة.
وتمثل تسوية هذا الملف اختبارًا حقيقيًا لقدرة الوزير على إدارة التوازنات الداخلية، إذ إن استقرار إنتاج الشمال يعد ركيزة أساسية في إستراتيجية الطاقة الوطنية، ما يتطلب منه تقديم رؤية واضحة حول عقود الخدمة مع الشركات الأجنبية العاملة في الإقليم بما يتماشى مع الدستور وقرارات المحكمة الاتحادية.
النفط العراقي إلى الأردن
يبرز ملف تجديد اتفاقية تصدير النفط إلى الأردن بوصفه أحد الملفات "المجمدة" التي تنتظر وزير النفط العراقي الجديد، إذ توقفت الإمدادات منذ ديسمبر/كانون الأول 2025 بسبب انتهاء العقد السنوي، وعدم قدرة حكومة تصريف الأعمال على توقيع اتفاقات طويلة الأمد، ما جعل الطرفين في حالة ترقب لتشكيل الحكومة الجديدة.
وتبلغ الكميات المنتظرة عند تجديد العقد ما بين 10 و15 ألف برميل يوميًا، وهي كميات تهدف إلى دعم الاقتصاد الأردني وتعزيز التعاون الثنائي، حيث لا تتجاوز الإمدادات الشهرية 450 ألف برميل، ويقع على عاتق الوزير الجديد إعادة صياغة البنود السعرية والفنية.
وسيكون من مهام وزير النفط باسم خضير دراسة الجدوى الاقتصادية لهذا الاتفاق في ظل المتغيرات الحالية، والسعي إلى تطوير هذا التعاون ليشمل مشروعات ربط أوسع، إذ يمثل الأردن منفذًا إستراتيجيًا مهمًا للعراق، وتجديد العقد يرسل إشارات إيجابية حول استقرار السياسة الخارجية النفطية لبغداد.

ويعكس هذا الملف حاجة العراق إلى وزير يمتلك رؤية لتعزيز العلاقات الإقليمية، إذ إن توريد النفط بأسعار تفضيلية أو وفق تفاهمات ثنائية يسهم في خلق تكتل طاقي إقليمي يدعم أمن الطاقة في المنطقة، وهو ما يتطلب من الوزير القادم سرعة التحرك لإنجاز التوقيعات الرسمية.
وتنتظر الشركات الناقلة والجهات المعنية في كلا البلدين الضوء الأخضر من الوزير الجديد لإعادة تسيير صهاريج النفط من البصرة إلى مصفاة البترول الأردنية في الزرقاء، ما يسهم في تنشيط الحركة التجارية واللوجستية على الحدود المشتركة، ويعزز دور العراق بوصفه جهة إمداد موثوقة ومستقرة.
خطة الـ6 ملايين برميل نفط
يواجه وزير النفط العراقي الجديد معضلة تقنية وتمويلية في تنفيذ خطة زيادة الإنتاج إلى 6 ملايين برميل يوميًا خلال العام الجاري 2026، وهي الخطوة التمهيدية للوصول إلى هدف 8 ملايين برميل بحلول نهاية العام المقبل 2027.
وكان العراق قد لامس مستويات قريبة من 5 ملايين و400 ألف برميل في منتصف 2023، لكن الإنتاج تراجع لاحقًا نتيجة عوامل فنية والتزامات خارجية، ما يضع الوزير الجديد أمام مسؤولية إعادة الزخم للحقول النفطية الكبرى في الجنوب والوسط.
كما سيكون على وزير النفط التعامل مع انسحاب بعض الشركات الغربية الكبرى، ومنح دور أكبر لشركات الطاقة الصينية التي تعد طوق نجاة للقطاع، إذ تستحوذ بكين على حصة كبيرة من الصادرات العراقية إلى جانب عدد من دول آسيا.
وتتطلب خطة الوصول إلى 6 ملايين برميل تطويرًا شاملًا لمنظومات التخزين والتصدير في المواني الجنوبية، وهو أمر تحدده قدرة الوزير القادم على تذليل العقبات البيروقراطية التي واجهت الشركات العالمية، وتوفير بيئة استثمارية آمنة ومستقرة تجذب رؤوس الأموال.
كما يتطلب تحقيق هذه الطفرة الإنتاجية التنسيق الوثيق مع شركة تسويق النفط "سومو" لضمان وجود أسواق قادرة على استيعاب هذه الزيادة، مع مراعاة تأثيرات الإنتاج الإضافي في توازن السوق العالمية، بحسب تقديرات منصة الطاقة المتخصصة.

وقف حرق الغاز
يعد ملف وقف حرق الغاز المصاحب أحد أكثر الملفات حساسية أمام وزير النفط العراقي الجديد باسم خضير، إذ حددت الحكومة عام 2028 موعدًا نهائيًا لإنهاء هذه الظاهرة وتحقيق الاكتفاء الذاتي، وهو ما يتطلب استثمارات ضخمة لتحويل الغاز المحروق إلى وقود لتشغيل محطات الكهرباء.
وتسعى بغداد إلى رفع إنتاج الغاز الجاف من 1.8 مليار قدم مكعبة حاليًا إلى مستويات أعلى، تضمن الوصول إلى تصدير 40% من المشتقات النفطية بحلول 2030، وهو طموح سيكون على الوزير الجديد أن يضعه في مقدمة أولوياته لتنفيذ خطة استثمار 74% من الطاقة الغازية المتاحة.
كما سيشرف وزير النفط العراقي الجديد على مشروعات واعدة بالتعاون مع شركات وطنية وعالمية، نجحت مؤخرًا في خفض كميات الغاز المحروق إلى نحو 20% خلال عام 2025، لكن المهمة ما تزال تتطلب جهدًا مضاعفًا للوصول إلى "صفر حرق".
وتعد هذه الخطوة ركيزة أساسية لتحقيق استقرار الشبكة الكهربائية، إذ يهدف العراق للوصول بإنتاج الكهرباء إلى 29 ألف ميغاواط، وهو لن يتحقق دون تأمين إمدادات الغاز المحلية المستقرة، ما يفرض على الوزير الجديد متابعة ميدانية دقيقة لمشروعات استثمار الغاز في حقول البصرة وميسان والناصرية.
ومن شأن نجاح الوزير القادم في غلق ملف حرق الغاز أن يوفر للعراق مئات الملايين من الدولارات شهريًا، ويحوله من مستورد للوقود إلى بلد يحقق توازنًا في ميزانه الطاقي، وهي مهمة تتطلب إرادة سياسية وخبرة فنية لإدارة العقود المبرمة مع الشركات المتخصصة وضمان جودة التنفيذ.
موضوعات متعلقة..
- تخزين النفط العراقي بالخارج.. فرص ضائعة ومليارات مفقودة (مقال)
- تكلفة تصدير زيت الوقود العراقي عبر سوريا (خاص)
اقرأ أيضًا..
- ملف خاص عن أسواق الغاز المسال العربية والعالمية
- تقارير دورية وتغطيات لوحدة أبحاث الطاقة
- تغطية خاصة للحرب على إيران وتأثيراتها في أسواق الطاقة
المصادر:
- زيادة الإنتاج من قبل الدول الـ7 في أوبك+، من الموقع الرسمي لمنظمة الدول المصدرة للنفط
- حلقة "أنسيات الطاقة" عبر منصة التواصل الاجتماعي "إكس"
- بيان المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء العراقي





