المقالاتالتغير المناخيرئيسيةمقالات التغير المناخي

الذكاء الاصطناعي والمناخ.. معادلة جديدة في أزمة الطاقة العالمية (مقال)

د. منال سخري

يشكّل الذكاء الاصطناعي اليوم أحد أكثر التحولات التكنولوجية تأثيرًا في بنية الاقتصاد العالمي وأنظمة الإنتاج والخدمات.

غير أن هذا التحول لا يمكن فصله عن السياق البيئي والمناخي الذي يزداد تعقيدًا، حيث تتسارع آثار التغير المناخي من جهة، ويزداد الطلب العالمي على الطاقة من جهة أخرى.

وبين هذين المسارين، يبرز الذكاء الاصطناعي بوصفه عاملًا مزدوج التأثير: فهو في الوقت نفسه محرّك جديد للاستهلاك الطاقي، وأداة واعدة لإعادة هندسة أنظمة الطاقة وتقليل الانبعاثات.

ويمكن الحديث عن الارتباط بين الذكاء الاصطناعي والتغير المناخي في 4 نقاط رئيسة.

أولًا: التحول الرقمي وتزايد الضغط على المنظومة الطاقية

أدى الانتشار السريع للذكاء الاصطناعي -خصوصًا النماذج التوليدية والأنظمة المعتمدة على التعلم العميق- إلى توسُّع غير مسبوق في مراكز البيانات حول العالم.

هذه البنية الرقمية تعتمد بكثافة على الكهرباء، ليس فقط لتشغيل الخوادم، بل أيضًا لأنظمة التبريد وحفظ البيانات ونقلها.

وتشير بيانات الوكالة الدولية للطاقة إلى أن مراكز البيانات تستهلك حاليًا نحو 1.5% من الكهرباء العالمية، مع توقعات بارتفاع هذا الرقم بشكل ملحوظ خلال السنوات القادمة.

هذا الارتفاع لا يرتبط فقط بتزايد استعمال الإنترنت، بل أيضًا بتوسُّع تطبيقات الذكاء الاصطناعي في القطاعات الاقتصادية والصناعية والخدمية.

ما يميز هذه المرحلة هو أن الطلب على الطاقة لم يعد تقليديًا أو خطيًا، بل أصبح “طلبًا رقميًا متسارعًا”، مرتبطًا بانتشار الخوارزميات الذكية التي تتطلب قدرة حوسبة عالية، خصوصًا في مراحل التدريب التي تُعدّ الأكثر استهلاكًا للطاقة.

أثر مراكز البيانات في أسواق الكهرباء

ثانيًا: البصمة الكربونية للذكاء الاصطناعي

رغم أن الاقتصاد الرقمي يُنظر إليه غالبًا بوصفه أقل تلويثًا من القطاعات التقليدية، فإن البنية التحتية التي يعتمد عليها الذكاء الاصطناعي تكشف عن صورة أكثر تعقيدًا.

فمراكز البيانات، خاصةً تلك التي تشغّل نماذج الذكاء الاصطناعي الضخمة، تعتمد في جزء كبير منها على مصادر طاقة ما تزال مرتبطة بالوقود الأحفوري في العديد من الدول.

وتشير تقديرات الوكالة الدولية للطاقة إلى أن انبعاثات مراكز البيانات قد تشهد ارتفاعًا كبيرًا بحلول عام 2030 إذا لم يُسرَّع التحول نحو الطاقات المتجددة وتُحسَّن كفاءة الأنظمة الرقمية.

هذا يعني أن الذكاء الاصطناعي قد يتحول في حال غياب الحوكمة البيئية إلى عامل ضغط إضافي على الجهود العالمية للحدّ من الانبعاثات.

كما أن البصمة الكربونية للذكاء الاصطناعي لا تقتصر على استهلاك الكهرباء فقط، بل تشمل أيضًا سلسلة القيمة الكاملة، من تصنيع الرقائق الإلكترونية إلى عمليات التبريد واستهلاك المياه، وهو ما يضيف بعدًا بيئيًا أوسع لهذه التكنولوجيا.

نمو الذكاء الاصطناعي

ثالثًا: الذكاء الاصطناعي أداة لإعادة تشكيل أنظمة الطاقة

في المقابل، لا يمكن اختزال الذكاء الاصطناعي في كونه عبئًا بيئيًا، إذ يحمل في داخله إمكانات كبيرة لإعادة تحسين كفاءة أنظمة الطاقة على المستوى العالمي.

فقد أصبح اليوم أداة أساسية في تحسين إدارة الشبكات الكهربائية، والتنبؤ بالطلب، وتقليل الفاقد في النقل والتوزيع.

في قطاع الطاقة المتجددة، يسهم الذكاء الاصطناعي في تحسين دقة التنبؤ بإنتاج الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وهو ما يعزز استقرار الشبكات ويقلل من الحاجة إلى مصادر احتياطية تعمل بالوقود الأحفوري.

كما يُستعمَل في مراقبة أداء الألواح الشمسية وتوربينات الرياح، والتنبؤ بالأعطال قبل وقوعها، مما يرفع من كفاءة التشغيل ويخفض التكاليف.

أمّا في قطاع النفط والغاز، فقد أصبح الذكاء الاصطناعي أداة مهمة لرصد التسربات وتقليل الانبعاثات، خاصةً انبعاثات الميثان، التي تعدّ من أكثر الغازات تأثيرًا بالاحتباس الحراري على المدى القصير.

لكن الإشكال الأساس في العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والمناخ تتمثل فيما يمكن تسميته بـ "المفارقة المناخية"، حيث يؤدي التوسع في استعمال الذكاء الاصطناعي إلى زيادة الطلب على الطاقة والانبعاثات من جهة، بينما يسهم في خفضها من جهة أخرى عبر تحسين الكفاءة التشغيلية.

هذه المفارقة تجعل من الصعب إصدار حكم مطلق على الأثر البيئي للذكاء الاصطناعي، إذ يعتمد الأمر على 3 عوامل حاسمة:

  • مصدر الطاقة المستعمَل في تشغيل البنية الرقمية.
  • كفاءة الخوارزميات.
  • والسياسات التنظيمية التي تحكم هذا القطاع.

فإذا شُغِّلَت مراكز البيانات عبر مصادر متجددة، وطُوِّرَت خوارزميات أكثر كفاءة، يمكن أن يتحول الذكاء الاصطناعي من عامل ضغط إلى أداة فعّالة في خفض الانبعاثات.

أمّا في حال استمرار الاعتماد على الفحم والغاز، فإن الأثر البيئي قد يصبح أكثر سلبية.

تغير المناخ

رابعًا: البعد الجيوسياسي للطاقة الرقمية

لم يعد الذكاء الاصطناعي قضية تقنية أو بيئية فقط، بل أصبح جزءًا من معادلة جيوسياسية جديدة ترتبط بالطاقة.

فالدول التي تمتلك قدرات حوسبة متقدمة وبنية تحتية رقمية قوية، أصبحت تمتلك ميزة استراتيجية في الاقتصاد العالمي.

هذا التحول أدى إلى إعادة توزيع مراكز القوة بين الدول، حيث أصبحت الطاقة الكهربائية والبنية الرقمية عنصرين مترابطين في تحديد موقع الدول في النظام الدولي.

كما أن التنافس على مراكز البيانات بات يعكس تنافسًا غير مباشر على الموارد الطاقية، خاصةً في المناطق التي تعاني من ضغط على الشبكات الكهربائية.

ختامًا، فإن التحديات الحالية تفرض إعادة التفكير في تصميم الذكاء الاصطناعي نفسه، بحيث يصبح أكثر توافقًا مع أهداف الاستدامة المناخية.

ويشمل ذلك تطوير نماذج أقل استهلاكًا للطاقة، وتحسين كفاءة التدريب، واعتماد تقنيات الحوسبة الموزعة التي تقلل من الضغط على المراكز الكبرى.

كما أن دمج الذكاء الاصطناعي في إدارة الطاقة الذكية يمكن أن يسهم في تسريع التحول نحو أنظمة طاقية أكثر مرونة وكفاءة.

وفي هذا السياق، لا يصبح الذكاء الاصطناعي مجرد مستهلك للطاقة، بل يصبح جزءًا من منظومة إدارة الطلب والعرض الطاقي على مستوى عالمي.

إن مستقبل العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والمناخ لن يتحدد فقط بالتطور التكنولوجي، بل أيضًا بالخيارات السياسية والتنظيمية التي ستتخذها الدول في السنوات القادمة.

* د. منال سخري - خبيرة في السياسات البيئية والتنمية المستدامة

* هذا المقال يعبّر عن رأي الكاتب، ولا يعبّر بالضرورة عن رأي منصة الطاقة.

موضوعات متعلقة..

اقرأ أيضًا..

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق