رئيسيةتقارير النفطنفط

حقل دليل في سلطنة عمان.. 4 مراحل قبل التنقيب عن النفط والغاز

أحمد معوض

يشكّل حقل دليل في سلطنة عمان واحدة من قصص الكفاح والنجاح في قطاع النفط والغاز، بما يدعم جهود البلاد لاستغلال مواردها الطبيعية لدعم نموها الاقتصادي.

وتتواصل رحلة استخراج النفط في سلطنة عمان بسواعد وطنية تقود العمليات الهندسية والفنية بنسبة تعمين مرتفعة تلامس 98% في بعض الشركات العاملة بالموقع.

وخلال جولة ميدانية لبرنامج "تبر الصحراء" من داخل حقل دليل – الذي تُقدّر احتياطياته بنحو 200 مليون برميل – تابعتها منصة الطاقة المتخصصة (مقرّها واشنطن)، برزت صورة متكاملة لرحلة طويلة تسبق لحظة تدفّق النفط، تمرّ عبر 4 مراحل دقيقة قبل التنقيب الفعلي.

المسح الزلزالي.. "السونار الأرضي"

تبدأ القصة في حقل دليل في سلطنة عمان بطرح "الأسئلة العميقة" في باطن الأرض، عبر تقنية المسح الزلزالي، التي تشبه في فكرتها جهاز السونار الطبي، إذ تُرسل موجات اهتزازية إلى باطن الأرض عبر معدّات متخصصة، ثم تُلتقط الإشارات المرتدة من طبقات الصخور لتحليلها.

وأوضح مدير دائرة هندسة آبار النفط بوزارة الطاقة والمعادن المهندس ناصر بن عبدالله الشعيلي أن شاحنات ضخمة عبارة عن أجهزة اهتزاز تُعرف بالـ"فايبريتر"، تضغط على سطح الأرض لتوليد ذبذبات محسوبة، في حين تُغرس في أماكن متعددة مستشعرات دقيقة (جيوفونات) لالتقاط الإشارات العائدة.

حقل دليل في سلطنة عمان
من داخل حقل دليل في سلطنة عمان

وتُحوَّل هذه البيانات إلى نماذج ثلاثية الأبعاد لبنية الطبقات تحت السطح، ما يسمح برسم خريطة دقيقة تُقلّل نسبة عدم اليقين قبل الحفر.

وتعدّ عملية المسح الزلزالي مكلفة، وتستغرق أشهرًا، خاصة عندما تمتد المساحة إلى مئات الكيلومترات المربعة، غير أنها تظل أقل تكلفة من الحفر العشوائي، إذ تقلل من عدم اليقين، وتحدد التكوينات التي قد تحتوي على مكامن نفطية.

وتُرسم هذه البيانات بخريطة بنية تحتية لباطن الأرض لتقليل نسبة عدم اليقين قبل البدء في الحفر الفعلي.

التحليل واتخاذ القرار

لا يعتمد قرار حفر بئر جديدة في حقل دليل في سلطنة عمان أو غيره من الحقول على نتائج المسح الزلزالي وحدها، بل يمر بسلسلة طويلة من الدراسات الجيولوجية والمقارنات مع حقول مجاورة منتجة.

وتُحلل المؤشرات السطحية مثل الطيات الجيولوجية الشبيهة بسنام الجمل، وتُقارن النتائج ببيانات تاريخية، بهدف تقليل المخاطر ورفع فرص النجاح.

وفي هذه المرحلة، يتحول الاحتمال العلمي إلى قرار استثماري، تُقدَّر فيه التكاليف والعوائد المحتملة، قبل أن تدور معدّات الحفر لأول مرة في الموقع المختار.

من أعمال المسح في سلطنة عمان
من أعمال المسح في لاستكشاف النفط في سلطنة عمان

الحفر التراكمي.. ناطحات سحاب تحت الأرض

أشار الشعيلي إلى أن حفر البئر لا يجري دفعة واحدة، بل هو عملية هندسية تراكمية تشبه بناء طوابق العقارات.

يُحفَر جزء معين، ثم تُثبَّت أنابيب فولاذية لتغليف الجدران، ويُحقن الإسمنت لضمان العزل بين الطبقات ومنع تسرب السوائل، قبل الانتقال إلى عمق أكبر.

وخلال الحفر، تُجرى قياسات مستمرة للضغط وخصائص الصخور، وتُستعمَل سوائل حفر خاصة –تتكون من خلطات طينية ومواد كيميائية وأملاح– لضبط الضغط داخل البئر بما يفوق ضغط المكمن، حفاظًا على سلامة المعدّات والعاملين.

وفي حال ثبوت وجود مكمن منتج، تُستكمل التجهيزات بتركيب رأس البئر ومعدّات الإنتاج، لتبدأ مرحلة تدفّق النفط عبر الأنابيب إلى مرافق المعالجة، في مشهد يختصر سنوات من التخطيط والعمل.

وأكد أن هذه العمليات تدار بأعلى معايير السلامة لضمان استقرار البئر وتوثيق بياناتها الإستراتيجية، مشيرًا إلى أن نقل أجهزة الحفر من موقع إلى آخر يمثّل عملية لوجستية معقّدة؛ فبعض الحفارات الحديثة يمكن تفكيكها ونقلها خلال ساعات، بينما تتطلب أخرى ترتيبات أكبر ومرافقة أمنية خاصة عند المرور في الطرق العامة.

الاستعدادات اللوجستية والتشغيل

لا تقل اللوجستيات تعقيدًا عن العمليات الفنية في حقل دليل في سلطنة عمان؛ فالمشهد في مواقع الامتياز، ومن بينها حقل دليل في سلطنة عمان، يوحي بحركة لا تتوقف؛ شاحنات، ومعدّات ثقيلة، وكرفانات سكنية، وأنظمة اتصالات، كلّها تعمل بتناغم.

وقال الشعيلي: "نقل أجهزة الحفر من موقع إلى آخر يتطلب تخطيطًا دقيقًا؛ فبعض الحفّارات الحديثة يمكن تفكيكها ونقلها خلال ساعات، بينما تحتاج أخرى إلى ترتيبات أكبر ومرافقة خاصة".

ويُجهَّز الموقع الجديد مسبقًا، مع تحديد نقاط تموضع المعدّات بدقّة، لتُعاد الحفارة إلى وضع التشغيل بكفاءة وسرعة، وتتحول المخيمات الصحراوية إلى “مدن مصغّرة” مكتملة الخدمات، تنتقل وفق خطة العمل.

من أعمال المسح في لاستكشاف النفط في سلطنة عمان
من أعمال المسح في لاستكشاف النفط في سلطنة عمان

وأشار إلى أن المخيمات التي تُقام في قلب الصحراء ليست سوى مدن مصغرة تنتقل بكامل خدماتها من موقع إلى آخر، بحسب خطة العمل.

ورغم أن العملية تبدو تقنية بحتة، فإن بعدها الإنساني حاضر بقوة؛ فالعاملون يودعون أسرهم لأسابيع، ويعودون محمّلين بتجارب جديدة، تاركين وراءهم خطوطًا من الجهد تختلط برمال الصحراء، وتسهم في رفد الاقتصاد الوطني.

وسط هذه المنظومة المتكاملة في رحلة استخراج النفط، تتصدر التكنولوجيا الحديثة مشهد الاستكشاف، في خطوة تُعدّ حجر الأساس قبل الانتقال إلى مرحلة الحفر، بما يضمن استثمارًا رشيدًا للوقت والموارد.

النفط في سلطنة عمان

يشهد قطاع النفط في سلطنة عمان تقدمًا ملحوظًا في نسب التعمين، إذ وصلت بعض الشركات إلى نسب تقارب 98% من الكوادر الوطنية، في حين يقترب متوسط القطاع من 93%، مؤشرًا على استثمار طويل الأمد في التدريب والتأهيل.

ولم تكن سياسة التعمين خطوة متعجلة، بل مسارًا تدريجيًا يراعي حساسية القطاع بوصفه شريانًا رئيسًا للاقتصاد؛ إذ ارتبطت هذه السياسة ببرامج تدريب متخصصة لضمان جاهزية الكفاءات الوطنية لإدارة العمليات بكفاءة عالية.

إلى جانب تنمية الموارد البشرية، يحظى الجانب البيئي باهتمام متزايد، ومن أبرز الإنجازات تحقيق صفر حرق اعتيادي للغاز في بعض الحقول منذ عام 2023، متجاوزين في ذلك متطلبات دولية، في خطوة تعزز الاستدامة وتخفض الانبعاثات.

معايير السلامة والبيئة تُعدّ جزءًا من الثقافة اليومية في مواقع العمل، تبدأ باجتماعات صباحية لتأكيد إجراءات السلامة، وتمتد إلى أنظمة مراقبة دقيقة للانبعاثات والتسربات المحتملة.

وشهد القطاع أيضًا تطورًا في المصطلحات والمفاهيم، إذ انتقلت بعض التسميات الشعبية التي نشأت في بدايات الصناعة –مثل "شجرة الميلاد" لرأس البئر و"رأس الحمار" للمضخة– إلى قواميس تقنية أكثر دقة، مع احتفاظها بجذورها التاريخية.

وهكذا، تستمر حكاية استخراج النفط في الصحراء، بين عمق الأرض واتّساع الأفق، حيث تتقاطع التقنية مع الإنسان، ويُكتب فصل جديد من قصة بدأت قبل نحو قرن، وما زالت تتجدد مع كل بئر تُحفر وكل قطرة تتدفق.

موضوعات متعلقة..

اقرأ أيضًا..

 

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق