الربط الكهربائي الخليجي.. خط الدفاع ضد ذروة الصيف وتوسعات ضخمة مرتقبة
وحدة أبحاث الطاقة - أحمد عمار

- السعودية تُمثّل المحرك التقني والعمود الفقري للشبكة الخليجية
- الكويت تُعدّ مركز الانطلاق الإستراتيجي وأكبر مشروعات التوسعة
- سلطنة عمان تشهد توسعة نوعية تنقلها للربط المباشر مع الشبكة
- العراق يراهن على الربط الخليجي ضمن حلول تجاوز فجوة الكهرباء
يمثّل الربط الكهربائي الخليجي قصة نجاح في التكامل الاقتصادي، تُبرز كيف يمكن للتعاون الإقليمي أن يؤسس لمنظومة صلبة قادرة على مواجهة تحديات الطاقة، لا سيما في أوقات الذروة خلال فصل الصيف.
وتمتد مسيرة الخليج العربي في هذا المجال لأكثر من 4 عقود من التخطيط والرؤية الإستراتيجية، تُوِّجت بواقع تشغيلي حي ومستقر منذ نحو عقدين من الزمن، بحسب رصد تاريخي أجرته وحدة أبحاث الطاقة (مقرّها واشنطن).
وعلى امتداد شبكة جغرافية يقارب طولها 1400 كيلومتر -تُطوِّق المنطقة من دولة الكويت شمالًا حتى سلطنة عمان جنوبًا- نجح المشروع في تعزيز موثوقية الشبكات الخليجية واستقرارها ودعمها في الحالات الطارئة.
ولم ينعكس هذا النجاح فنّيًا فحسب، بل ترجمته الأرقام إلى وفر اقتصادي ملموس عبر خفض تكاليف الإنتاج، واستهلاك الوقود، وتحجيم الاستثمارات الرأسمالية المطلوبة.
السعودية.. العقل التقني للربط الكهربائي الخليجي
شكّلت السعودية حجر الزاوية في تحويل حلم الربط الكهربائي الخليجي إلى واقع؛ فبعد أن أقرّ قادة دول مجلس التعاون في قمة الكويت (ديسمبر/كانون الأول 1997) تنفيذ المرحلة الأولى من المشروع، شهد عام 2001 تأسيس هيئة الربط الكهربائي.
واحتضنت مدينة الدمام مقرّها الرئيس، في حين شهدت العاصمة الرياض الاجتماع الأول للجمعية التأسيسية.
ومع انطلاق الأعمال الإنشائية للمرحلة الأولى عام 2004، التي تُوّجت بالتشغيل الرسمي في ديسمبر/كانون الأول 2009 ليربط السعودية والكويت والبحرين وقطر، برز الدور الجغرافي والتقني للمملكة بصفتها المحور الرئيس لربط شمال المنظومة بجنوبها، وفقًا لما يلي:
- محطة الفاضلي: تُمثّل هذه المحطة ذات جهد 400 كيلوفولت، نقطة التقاء حيوية لنقل وتوزيع الكهرباء في أنحاء المنطقة، كما تضم في مجمعها محطة التيار المستمر عالي الجهد (HVDC).
ونجحت المحطة تقنيًا في دمج شبكة الربط الكهربائي الخليجي التي تعمل بتردد 50 هرتز مع شبكة السعودية العاملة بتردد 60 هرتز، ما أتاح تبادل الكهرباء بسلاسة وأمان بين ترددات مختلفة.
- محطة غونان: محطة تحويل بجهد 400 كيلوفولت، وتؤدي دورًا محوريًا في الحفاظ على استقرار الشبكة، ومنها ينطلق الكابل البحري الحيوي باتجاه البحرين.
- محطة سلوى: محطة تحويل ذات جهد 400 كيلوفولت، وتُمثّل صمام أمان إستراتيجي لإدارة تدفقات الكهرباء ودعم موثوقية الشبكة المترابطة بالاتجاه الشرقي نحو دولة قطر.

الكويت.. منصة الانطلاق وأكبر مشروعات التوسعة
تُمثّل الكويت بداية الربط الفعلي لشبكة الربط الكهربائي الخليجي، التي انطلق تشغيلها في ديسمبر/كانون الأول 2009 عبر محطة الزور، وهي نقطة الاتصال الإستراتيجية بجهد 275 كيلوفولت، لتعزيز مرونة الشبكة الكويتية وموثوقيتها.
كما تضم الكويت أول وأكبر مشروعات التوسعة في تاريخ هيئة الربط الكهربائي، الذي دخل حيز التشغيل الفعلي في يوليو/تموز 2025، بتكلفة 260 مليون دولار، ساعد في تمويلها الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية.
وأسهمت مشروعات التوسعة في رفع سعة نقل الكهرباء مع الشبكة الكويتية إلى نحو 3 غيغاواط،، وجاءت وفقًا لما يلي:
- محطة الوفرة: أُنشئت بجهد 400 كيلوفولت داخل الأراضي الكويتية، ومزودة بأحدث الأنظمة الرقمية العالمية، مثل أجهزة المراقبة والتحليل والتنبؤ بالخلل (DMS)، وأنظمة التحكم الرقمية (DCS).
- الشرايين البرية: مُدَّت خطوط هوائية مزدوجة الدائرة لربط محطة الوفرة بمحطة الفاضلي في السعودية، مع إعادة توجيه المسارات القديمة التي كانت تصل الفاضلي بمحطة الزور، لتصبّ مباشرة في هذا المسار الثنائي الجديد (الفاضلي - الوفرة).
ولم تقتصر التوسعة على مدّ الخطوط، بل شملت أعمالًا مكثفة شمال محطة الفاضلي داخل السعودية، تضمنت إضافة 3 وحدات (Dia) لاستيعاب 6 خطوط جديدة، وترقية أنظمة الحماية والتحكم والاتصالات.

وشهد المشروع تدشين عهد جديد للأمن السيبراني عبر تركيب أنظمة حماية متطورة في المحطات -تُعَمَّم على بقية شبكة الهيئة-، بالتوازي مع مشروع تطوير محطة تحويل الذبذبة.
وقد وُضِعت هذه التوسعة التاريخية تحت أول اختبار ميداني حقيقي مع اندلاع موجة الحر الحالية في صيف 2026 واقتراب درجات الحرارة من 50 مئوية؛ إذ نجحت الكويت في عبور ذروة الأحمال الاستثنائية باستيراد نحو 1.76 غيغاواط عبر شبكة الربط الكهربائي الخليجي.
وبرهن هذا التدفق القياسي على الأهمية الإستراتيجية لرفع كفاءة الشبكة؛ إذ كان الحدّ الأقصى لاستيراد الكويت قبل هذه التوسعة لا يتجاوز 1.2 غيغاواط، وفق ما رصدته وحدة أبحاث الطاقة.
البحرين وقطر.. الجناح الشرقي والربط البحري
ضمن المرحلة الأولى للربط الخليجي، يشكّل اتصال البحرين وقطر بالشبكة نموذجًا متكاملًا في توزيع الأحمال وتأمين الإمدادات عبر مسارات جغرافية بين الخطوط البرية والكابلات البحرية.
وتُمثّل البحرين المحطة البحرية الوحيدة في الخط الرئيس لمنظومة الربط الكهربائي الخليجي، إذ ترتبط شبكتها الوطنية بمحطة الجسرة الفرعية بجهد 220 كيلوفولت عبر كابلين بحريين يمتدان بطول 50 كيلومترًا تحت مياه الخليج العربي ليصلان بمحطة غونان في السعودية.
وفي المقابل، ترتبط الشبكة القطرية بالمنظومة من خلال محطة تحويل رئيسة تعمل بجهد 400 كيلوفولت، ما يوفر رابطًا بريًا تدعمه وتديره من الجانب الآخر محطة سلوى في السعودية.
الإمارات.. استثمارات لتعزيز سعة النقل الإقليمي
تعدّ الإمارات حلقة وصل عبر محطة السلع، التي دخلت التشغيل الفعلي في أبريل/نيسان 2011 بجهد 400 كيلوفولت.
كما تشهد أحد أضخم مشروعات التوسعة والتطوير في مسيرة الهيئة مستقبلًا، الذي وُقِّعَت عقود تنفيذه بتكلفة 752 مليون درهم إماراتي (205 ملايين دولار)، وسيسهم في رفع سعة النقل الكهربائي مع الإمارات من 2.4 غيغاواط إلى 3.5 غيغاواط.
وبدأ دخول التوسعة حيز التنفيذ الفعلي مع نهاية 2025، ومن المتوقع اكتماله بحلول الربع الأخير من عام 2027، عبر 3 محاور رئيسة:
- شريان (السلع - سلوى) الجديد: يتضمن المشروع إنشاء خط هوائي مزدوج الدائرة بجهد 400 كيلوفولت يمتد لمسافة 96 كيلومترًا، ليربط مباشرة بين محطة السلع في الإمارات ومحطة سلوى في السعودية.
- تحديث البنية التحتية والمحطات: إجراء توسعات وتطويرات شاملة في 3 محطات رئيسة تابعة للهيئة، وهي: (غونان، وسلوى، والسلع)، عبر إضافة قواطع ومفاعلات كهربائية متطورة بجهد 400 كيلوفولت، إلى جانب ترقية أنظمة الحماية والتحكم والاتصالات.
- محطة البينونة: يتضمن مشروع التوسعة إنشاء محطة نقل جديدة عملاقة بجهد 400 كيلوفولت بمنطقة البينونة في الإمارات، لتكون منصة انطلاق للربط المباشر والفائق مع سلطنة عمان.
الربط الكهربائي مع سلطنة عمان
امتدادًا للطفرة الاستثمارية المشتركة، تقود سلطنة عمان أحد أكبر مشروعات التوسعة التاريخية في مسيرة الهيئة عبر مشروع الربط الكهربائي المباشر.
ودُعِم مشروع التوسعة بخطوة تمويلية في 12 سبتمبر/أيلول 2025 عبر توقيع اتفاقية تمويل مرحلي بقيمة 500 مليون دولار مع بنك صُحار الدولي العُماني، وسط تقديرات بدخول المشروع الخدمة رسميًا بحلول نهاية عام 2027.
وترتبط عُمان -حاليًا- بمنظومة الربط الكهربائي الخليجي عبر شبكة الإمارات بجهد 220 كيلوفولت، وبسعة نقل محدودة تبلغ 400 ميغاواط.
لذلك يتيح مشروع التوسعة الجديد قفزة هائلة في سعة نقل الكهرباء لتصل إلى 1.6 غيغاواط (4 أمثال السعة الحالية)، كما يمثّل حجر زاوية لدعم دمج مشروعات الطاقة المتجددة في الشبكات الخليجية.
وتتضمن التوسعة الجديدة:
- خط بري عملاق: إنشاء خط كهربائي هوائي مزدوج الدائرة بجهد يصل إلى 400 كيلوفولت، يمتد على مسافة 530 كيلومترًا ليربط مباشرة بين محطة السلع في الإمارات ومحطة عبري الجديدة المقرر إنشاؤها داخل سلطنة عمان.
- محطات النقل والتقنيات المتقدمة: يتضمن المشروع إنشاء محطتي نقل رئيستين بجهد 400 كيلوفولت في كل من "عبري" في سلطنة عمان، و"البينونة" في الإمارات، مع إجراء توسعة شاملة لمحطة السلع القائمة.

العراق.. شريان عابر للحدود تحت رحمة المتغيرات الجيوسياسية
لم يعد طموح هيئة الربط الكهربائي الخليجي محصورًا داخل جغرافية دول مجلس التعاون الـ6، بل امتدّ شمالًا ليمثّل أول خطوة إستراتيجية نحو بناء سوق كهرباء إقليمية وعربية موحدة عبر مشروع الربط مع العراق، تفتح الباب أمام الربط مع تركيا وأوروبا مستقبلًا.
ويهدف المشروع في مرحلته الأولى إلى تزويد شبكة جنوب العراق وتحديدًا محافظة البصرة بنحو 500 إلى 600 ميغاواط من الكهرباء عبر مدّ خطوط هوائية مزدوجة الدائرة بجهد 400 كيلوفولت، وتمتد بطول 295 كيلومترًا من محطة الوفرة في الكويت إلى محطة الفاو في جنوب العراق.
وتتوقع هيئة الربط الكهربائي الخليجي أن يحقق مشروع الربط مع العراق وفورات اقتصادية تتراوح بين 300 و400 مليون دولار سنويًا.
كما تشير تقديرات الهيئة إلى أن هذا الربط سيمنح العراق قدرة تنافسية لاستيراد نحو 3.94 تيراواط/ساعة سنويًا من دول مجلس التعاون الخليجي بأسعار اقتصادية تُسهم في خفض تكلفة الإنتاج المحلي وتدعم استقرار الشبكة الوطنية.
ومع ذلك، وتأكيدًا لما حصلت عليه منصة الطاقة المتخصصة من معلومات حصرية، فقد دخل هذا المشروع الإستراتيجي نفق التأجيلات الاضطرارية جراء التوترات الجيوسياسية والعسكرية الراهنة في المنطقة.
وأبلغت هيئة الربط الخليجية بغداد رسميًا بتأجيل موعد التشغيل الذي كان مقررًا في أبريل/نيسان الماضي إلى نهاية أغسطس/آب 2026 حدًا أدنى، وسط مؤشرات قوية تُرجّح تمديد التأجيل إلى نهاية العام أو مطلع عام 2027، نتيجة ارتباط الملف بمدى استقرار الأوضاع المتعلقة بالحرب الإيرانية.
أرقام تُبرز أهمية الربط الكهربائي الخليجي
لا تقف هيئة الربط الكهربائي الخليجي عند حدود البنية التحتية، بل تبرز بصفتها منظمًا لسوق كهربائية متنامية وديناميكية؛ إذ كشفت أحدث البيانات المتاحة عن قفزة في كمية الكهرباء المتبادلة لتصل إلى 1.8 تيراواط/ساعة خلال 2024.
وشهد أغسطس/آب 2024 وحده تبادلًا بلغ 521 غيغاواط/ساعة، وهو ما يُظهر مرونة النظام التشغيلي وتوفير الشبكة دعمًا مكّن دول الخليج من مواجهة موجات الحر القياسية.
وأمّنت هذه الكفاءة التشغيلية لدول المجلس وفورات اقتصادية تتراوح بين 200 و300 مليون دولار سنويًا، لتقفز الوفورات التراكمية منذ بدء تشغيل الشبكة لأكثر من 3.6 مليار دولار، وهو رقم يعكس الجدوى الاستثمارية مقارنة بتكاليفه البالغة 1.5 مليار دولار منذ تأسيسه.
ولا يتوقف الطموح عند أمن الطاقة التقليدي، إذ باتت الشبكة الخليجية المترابطة ركيزة أساسية لدعم مستهدفات الاستدامة؛ إذ سجلت حاليًا زيادة في نسبة الطاقة المتجددة، لتصل إلى 17%، مع مستهدفات الوصول إلى 50% بحلول عام 2050.
موضوعات متعلقة..
- الكويت تستورد رقمًا قياسيًا من الكهرباء الخليجية
- الربط الكهربائي الخليجي.. شبكة ضخمة تحل أزمة العراق وتأمل في التصدير لأوروبا
- حصري - إبلاغ العراق بتأجيل الربط الكهربائي مع الخليج
اقرأ أيضًا..
- أكبر مصنع هيدروجين أخضر في السعودية.. 3 مراحل وقرار مهم قريبًا
- صادرات الجزائر من الغاز المسال ترتفع 48% لأعلى مستوى في 7 أشهر
- أكبر 10 دول أفريقية في سعة الطاقة الشمسية.. سيطرة عربية
- حقل البرمة.. حكاية أول اكتشاف نفطي في تونس
المصدر:




