من أنطاليا إلى أديس أبابا.. كيف تعيد أفريقيا رسم دورها في مؤتمرات المناخ؟ (مقال)
منال سخري*

- 600 مليون أفريقي ما زالوا بلا كهرباء، وأكثر من مليار شخص يعتمدون على النار المكشوفة أو المواقد التقليدية في الطهي
- أفريقيا تمتلك 60% من أفضل موارد الطاقة الشمسية في العالم، لكنها لا تتلقى سوى أقل من 3% من الإنفاق العالمي على الطاقة
- تحتاج استثمارات الطاقة في أفريقيا إلى الارتفاع لنحو 240 مليار دولار سنويًا بحلول 2030
- مشروعات الطاقة المتجددة في أفريقيا تواجه تكلفة رأسمال تعادل ضعفين إلى 3 أضعاف نظيرتها في الاقتصادات المتقدمة
لا تحتاج أفريقيا إلى من يتحدث باسمها في مؤتمرات المناخ، بل إلى شراكات تتيح لها أن تبني مستقبلها الطاقي والمناخي بنفسها.
تقف أفريقيا هذا العام على عتبة مرحلة مختلفة في مسار مفاوضات المناخ، فبعد أيام يُفتتح مؤتمر الأطراف الـ31 في أنطاليا التركية، وبعد عام واحد ستستضيف أديس أبابا المؤتمر الـ32.
وبين المدينتين، تملك القارة فرصة نادرة لتنتقل من موقع الطرف الذي يطالب بالتعويض إلى موقع الشريك الذي يقترح الحلول في مؤتمرات المناخ.
ولا يعني هذا التخلي عن مطالب العدالة المناخية، فهي مشروعة ومؤسَّسة، لكنه يعني أن نضع إلى جانبها رؤية إيجابية لما يمكن أن تقدمه أفريقيا للعالم، ولما يحتاج إليه العالم من إفريقيا.
مفارقة القارة الغنية بالشمس
تختزل الأرقام المفارقة الأفريقية ببلاغة، فوفق وكالة الطاقة الدولية، تضم أفريقيا نحو 60% من أفضل موارد الطاقة الشمسية في العالم، ويعيش فيها قرابة خُمس سكان الأرض.
في المقابل، لا تتلقى سوى أقل من 3% من الإنفاق العالمي على الطاقة، ونحو 600 مليون أفريقي ما زالوا بلا كهرباء، وأكثر من مليار شخص يطهون على النار المكشوفة أو المواقد التقليدية.

هذه المفارقة ليست قدرًا، إنها نتيجة عوامل يمكن معالجتها، أهمها تكلفة التمويل، فمشروعات الطاقة المتجددة في أفريقيا تواجه كلفة رأسمال تعادل ضعفي إلى 3 أضعاف نظيرتها في الاقتصادات المتقدمة.
والمعنى بسيط: محطة شمسية في ساحل أفريقيا الغربي قد تكون أغلى تمويلًا من محطة مماثلة في أوروبا، رغم أن الشمس هنا أسخى بكثير.
وتقدّر الوكالة أن الاستثمار السنوي في الطاقة بالقارة يجب أن يتضاعف بحلول 2030 ليبلغ نحو 240 مليار دولار، تذهب ثلاثة أرباعها إلى الطاقة النظيفة، هذا رقم كبير، لكنه في المتناول إذا تغيّرت قواعد اللعبة المالية.
ما الذي يمكن أن تقدّمه قمة المناخ كوب 31؟
تطرح الرئاسة التركية في قمة المناخ كوب 31 هدفًا لرفع حصة الكهرباء في الطلب النهائي على الطاقة إلى 35% بحلول 2035، ولهذا الهدف معنى خاص بالنسبة إلى أفريقيا: فالكهربة هنا ليست مجرد أداة لخفض الانبعاثات، بل شرط للتنمية ذاتها، فالكهرباء تعني مدارس مضاءة، ومستشفيات تحفظ اللقاحات، وورشات صغيرة تخلق فرص العمل.
ولكي يصبح هذا الهدف عالميًا بحق، ينبغي أن يقترن بآليات تخفض كلفة التمويل في الدول النامية: ضمانات من بنوك التنمية متعددة الأطراف، وأدوات للتحوط من مخاطر العملة، وإعادة هيكلة ذكية للديون تربط تخفيف أعبائها بالاستثمار في المناخ.
أمّا في التكيّف، فقد حددت مجموعة المفاوضين الأفارقة أولوياتها بوضوح خلال اجتماعها التحضيري في نيروبي في 8 أكتوبر/تشرين الأول، وهي: تمويل للتكيّف منتظم وقابل للتوسع ويُقدَّم في صورة منح، وصندوق للخسائر والأضرار أيسر وصولًا وأفضل تمويلًا، ودعم لتحويل خطط التكيّف الوطنية إلى مشاريع قابلة للاستثمار.
وأقرّت بيليم العام الماضي هدف مضاعفة تمويل التكيّف 3 مرات بحلول 2035، والخطوة الطبيعية في قمة المناخ كوب 31 بأنطاليا هي تحديد خط أساس واضح له، حتى يتحول الوعد إلى مسار قابل للقياس.
ومن المؤشرات المشجعة أن صندوق الخسائر والأضرار ينظر في أولى مشروعاته، ومنها مشروعان في نيجيريا وكوت ديفوار، صحيح أن موارده الحالية محدودة، لكن انطلاق التمويل الفعلي يمنح الصندوق فرصة لإثبات جدواه وجذب مساهمات أكبر.

انتقال يصنع القيمة في أفريقيا
لخّص رئيس مجموعة المفاوضين الأفارقة الفكرة في عبارة جديرة بالتأمل: يجب أن يخلق الانتقال قيمة في أفريقيا، فالقارة تزخر بالمعادن الحرجة التي يقوم عليها الانتقال الطاقوي العالمي، من الكوبالت إلى الليثيوم والمنغنيز.
والسؤال: هل ستبقى مصدّرة للمواد الخام، أم ستصبح جزءًا من سلاسل القيمة، تعالج وتصنّع وتوظف شبابها؟
هنا يكمن جوهر الانتقال العادل بالنسبة إلى أفريقيا، ليس الأمر حماية الوظائف القائمة فحسب، بل خلق صناعات جديدة: تجميع الألواح الشمسية، وتصنيع البطاريات، وصيانة الشبكات، وتطوير حلول الطهي النظيف.
وآلية الانتقال العادل التي أقرّتها بيليم، والتي يُنتظر من أنطاليا وضع مسار تفعيلها، يمكن أن تدعم هذا التوجه إذا راعت خصوصيات الدول النامية: الحق في التنمية، والقضاء على الفقر، والأمن الغذائي.
ولا بدّ كذلك من الحرص على ألّا تتحول السياسات المناخية إلى حواجز تجارية تضر بالصادرات الأفريقية، فالانتقال الذي يُقصي الجنوب من الأسواق لن يكون عادلًا ولا مستدامًا.
من أنطاليا إلى أديس أبابا: مسار واحد
أرى في تتابع المؤتمرين -قمة المناخ كوب 31 في تركيا، وقمة 32 في أديس أبابا- فرصة لبناء مسار متصل، فما لا يُحسم في أنطاليا يمكن أن يُستكمل في أديس أبابا، شرط أن تستثمر أفريقيا العام الفاصل بينهما جيدًا، وأقترح 3 أولويات:
أولًا: إعداد ملف أفريقي موحّد للاستثمار المناخي، يعرض مشروعات جاهزة للتمويل في الطاقة والتكيّف، بدل الاكتفاء بتقدير الاحتياجات.
ثانيًا: تعزيز الروابط بين الجامعات ومراكز البحث الأفريقية وصنّاع القرار والمفاوضين، كما دعت مجموعة المفاوضين، حتى تستند المواقف الإفريقية إلى بيانات محلية حديثة وموثوقة، فالمعرفة المنتجة في القارة هي أقوى حجة على طاولة التفاوض.
ثالثًا: توظيف الخبرة الأفريقية في التكيّف، من الزراعة المقاومة للجفاف إلى العمارة المتكيفة مع الحرارة، بوصفها مُسهِمة في الحلول العالمية، لا مجرد استجابة محلية.

ختامًا
أفريقيا هي القارة الأكثر شبابًا في العالم، والأغنى بالشمس، والأكثر حاجة إلى الطاقة، وهذه العناصر الثلاثة معًا تجعلها المكان الذي سيتحدد فيه جزء كبير من مستقبل المناخ العالمي.
فإذا نمت أفريقيا على الطاقة النظيفة، ربح العالم كله، وإذا اضطرت إلى النمو على الوقود الأحفوري لغياب البدائل الممولة، خسر الجميع.
لهذا لا ينبغي أن يُنظر إلى دعم أفريقيا بوصفه عملًا خيريًا، بل بوصفه استثمارًا في المصلحة المشتركة، وأنطاليا، ثم أديس أبابا، فرصتان لترجمة هذه القناعة إلى شراكات حقيقية، والقارة جاهزة لأن تكون جزءًا من الحل، إذا مُنحت الأدوات لتكون كذلك.
* د. منال سخري.. خبيرة وباحثة في السياسات البيئية.
* هذا المقال يعبّر عن رأي الكاتبة، ولا يعبّر بالضرورة عن رأي منصة الطاقة.
موضوعات متعلقة..
- كوب 31.. قمة لإنقاذ النظام لا المناخ (مقال)
- بعد حرائق صيف 2026.. ماذا ينتظر غابات العالم؟ (مقال)
- حرائق الغابات تحاصر قطاع الطاقة.. كيف يهدد تغير المناخ مستقبل الكهرباء؟ (مقال)
اقرأ أيضًا..
- بين إرث النفط والتاريخ وتحديات الحاضر.. هنا العراق (ملف خاص)
- أسواق الطاقة خلال حرب إيران.. 6 أشهر تحت وطأة اضطرابات هرمز (ملف خاص)
- حقول النفط والغاز في تركيا.. قطاع صاعد واحتياطيات متنامية (ملف خاص)





