لماذا لا ينهي ترمب حرب إيران لخفض أسعار النفط؟ أنس الحجي يجيب
أحمد بدر

تثير تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن انهيار أسعار النفط بعد انتهاء الحرب مع إيران تساؤلات حول قدرة الإدارة الأميركية على خفض تكاليف الطاقة، في وقت تتداخل فيه اضطرابات الإمدادات مع أزمة الديزل والمخزونات الإستراتيجية والتوترات الجيوسياسية.
وفي هذا السياق، قال مستشار تحرير منصة الطاقة المتخصصة (مقرّها واشنطن) خبير اقتصادات الطاقة الدكتور أنس الحجي، إن ربط انخفاض الأسعار بانتهاء الحرب يبدو منطقيًا من حيث المبدأ، لكنه لا يفسّر وحده تعقيدات السوق، ولا يوضح أسباب استمرار الضغوط الحالية.
وأوضح أن ترمب أعلن توقعاته بانخفاض الأسعار بصورة حادة بعد انتهاء الحرب، لكنه طرح تساؤلًا بشأن سبب عدم اتخاذ خطوة إنهاء الحرب إذا كان انخفاض أسعار الطاقة هو الهدف، مشيرًا إلى وجود عوامل أخرى تستحق الفحص.
وأشار إلى أن أسواق النفط والديزل تتأثر بمجموعة من المتغيرات، تشمل توافر الإمدادات وحركة الناقلات والمخزونات ومصافي التكرير، فضلًا عن العقوبات والتطورات العسكرية، ما يجعل التنبؤ بحركة الأسعار أكثر تعقيدًا من مجرد انتهاء الحرب.
جاءت تصريحات الدكتور أنس الحجي خلال حلقة جديدة من برنامجه الأسبوعي "أنسيّات الطاقة"، الذي يقدّمه على مساحات منصة التواصل الاجتماعي "إكس"، بعنوان: "النفط والغاز بين أمن الطاقة والبنية التحتية والتقنية والطلب المتزايد".
ترمب وأسعار النفط بعد انتهاء الحرب
قال أنس الحجي إن ترمب أطلق تعبير "انهيار الأسعار" عند الحديث عن مستقبل الطاقة بعد انتهاء الحرب مع إيران، معتبرًا أن هذا الاستنتاج العام لا يقدّم تفسيرًا كافيًا للعوامل التي تتحكم في السوق خلال المرحلة الحالية.
وأوضح أن انتهاء الحرب قد يؤدي إلى تراجع علاوة المخاطر الجيوسياسية التي تدخل في تسعير النفط، لكن حجم الانخفاض المحتمل يظل مرتبطًا بتطورات الإمدادات والطلب والمخزونات، ومدى استعادة حركة التجارة مستوياتها الطبيعية.
وأشار إلى أن ترمب لا يستطيع التحكم مباشرة في جميع هذه المتغيرات، لأن أسعار الوقود تتأثر كذلك بإنتاج الدول الأخرى، وقدرة المصافي على توفير المنتجات، وتكاليف النقل، فضلًا عن العقوبات والاضطرابات التي تطول منشآت الطاقة.
وأضاف أن تصريحات الرئيس الأميركي بشأن خفض الأسعار يجب تقييمها في ضوء التطورات الفعلية في السوق، وليس الاكتفاء بالوعود السياسية، لأن انخفاض أسعار الخام لا يضمن بالضرورة انخفاض البنزين والديزل بالمعدل نفسه.

وتساءل أنس الحجي عن أسباب توقف الهجمات على السفن لفترة ثم عودتها، مشيرًا إلى أن توقيت تلك التطورات ومواقعها يثيران أسئلة بشأن طبيعة المشهد العسكري، لكنه لم يقدم أدلة حاسمة تسمح بالجزم بتفسير محدد.
ولفت إلى أن ترمب يواجه تحديًا يتجاوز التصريحات المتعلقة بأسعار الطاقة، إذ إن استمرار الاضطرابات البحرية أو تجددها قد يُعطّل تدفقات النفط، حتى إذا ظهرت مؤشرات مؤقتة على تحسّن حركة الملاحة والإمدادات.
وأكد أن السوق تحتاج إلى وضوح أكبر بشأن مستقبل الحرب وحركة الناقلات، لأن حالة عدم اليقين تدفع المتعاملين إلى إعادة تقييم المخاطر، وقد تُبقي الأسعار مرتفعة نسبيًا حتى مع عودة بعض الإمدادات إلى الأسواق.
ويرى الحجي أن ترمب لن يتمكّن من ضمان انخفاض مستدام للأسعار بمجرد إعلان انتهاء الحرب، ما لم تترافق التهدئة مع تحسّن فعلي في الإمدادات وتراجع المخاطر التي تواجه طرق النقل ومصافي التكرير والأسواق العالمية.
أزمة الديزل والمخزونات الإستراتيجية
تطرّق أنس الحجي إلى قرار مجموعة الـ7 بالإفراج عن نحو 100 مليون برميل من المخزونات الإستراتيجية، موضحًا أن هذه الكميات تشمل النفط الخام والمنتجات النفطية، ومنها الديزل، بهدف تخفيف الضغوط على أسواق الطاقة.
وأشار إلى أن ترمب اتهم شركات أميركية بالتواطؤ لرفع أسعار البنزين والديزل، وطلب من وزارة العدل التحقيق في هذه المزاعم، في حين يرى الحجي أن نقص الإمدادات يمثّل تفسيرًا أساسيًا للأزمة بدلًا من افتراض وجود تواطؤ.
وأوضح أن اضطرابات مضيق هرمز بدأت التأثير في الأسواق منذ أشهر، لكن الارتفاع الحاد في أسعار الديزل جاء لاحقًا، مع خسارة كميات من الإمدادات الروسية التي كانت تصل مباشرة أو عبر دول أخرى.
وأضاف أن تراجع الإمدادات الروسية شمل نحو 800 ألف برميل، وفق الأرقام التي أوردها خلال الحلقة، فضلًا عن نقص الخام الروسي المستعمل في إنتاج الديزل بمصافي دول أخرى، ما زاد الضغوط على السوق.

ولفت أنس الحجي إلى أن ترمب انتقل من انتقاد شركات الطاقة الأميركية إلى تحميل الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مسؤولية جزء من أزمة الديزل، بسبب الهجمات الأوكرانية على منشآت ومصافي النفط الروسية.
وقال إن زيلينسكي أعلن، بعد تصريحات أميركية انتقدت الهجمات، استهداف مصفاة روسية كبيرة، وهو ما قرأه الحجي باعتباره ردًا سياسيًا على الانتقادات، مشيرًا إلى أن واشنطن سبق أن دعّمت استهداف منشآت نفطية روسية.
وأوضح أن ترمب وجّه لاحقًا انتقادات إلى ألمانيا وفرنسا، مطالبًا بالإفراج عن كميات كبيرة من الديزل والمخزونات النفطية، في محاولة لتخفيف الضغوط على أسعار الوقود، بحسب ما عرضه الحجي في البرنامج.
وأكد أن الإفراج عن المخزونات الإستراتيجية قد يخفّف نقص الإمدادات مؤقتًا، لكنه لا يعوّض بالضرورة استمرار تعطُّل الإنتاج أو التكرير، لأن هذه الاحتياطيات محدودة وتحتاج الدول إلى الاحتفاظ بجزء منها لمواجهة الطوارئ المستقبلية.
هل يؤدي الإفراج عن المخزونات إلى انهيار الأسعار؟
أوضح أنس الحجي أن ترمب يواجه معضلة في التعامل مع أسعار الطاقة، لأن ضخ كميات من المخزونات الإستراتيجية قد يساعد في تهدئة السوق مؤقتًا، لكنه لا يضمن انخفاضًا مستدامًا إذا استمرت أسباب نقص الديزل والنفط.
وأشار إلى أن توقعات الأسعار تتطلّب التمييز بين الخام والمنتجات المكررة، فالديزل يتأثر بتوافر طاقة التكرير ومصادر الخام الملائمة، فضلًا عن الطلب الصناعي والنقل، ولذلك قد يواصل الارتفاع حتى مع تحسّن بعض مؤشرات النفط الخام.
وأضاف أن ترمب طالب الدول الأوروبية بالإفراج عن كميات كبيرة من الديزل، في حين أشار الحجي إلى أن توقيت استعمال الاحتياطيات وتوزيع الأعباء بين الدول يمثّلان جزءًا مهمًا من الخلاف بشأن إدارة الأزمة.
وبيّن أن أي زيادة مؤقتة في المعروض يمكن أن تضغط على الأسعار، لكن الأثر النهائي يعتمد على حجم الكميات المطروحة وسرعة وصولها إلى المستهلكين، مقارنة بحجم النقص في السوق العالمية.

وتساءل أنس الحجي عن كيفية تعامل الدول مع المخزونات الإستراتيجية خلال الأزمة، مشيرًا إلى ضرورة التحقق من الكميات التي أُفرج عنها، ومواعيد ضخها، ومدى تأثيرها في أسواق النفط والديزل، بدلًا من الاكتفاء بالإعلانات السياسية.
وأكد أن ترمب قد يواجه صعوبة في تحقيق انخفاض سريع في أسعار الوقود إذا ظلّت الإمدادات الروسية محدودة، واستمرت الاضطرابات البحرية، ولم تستطع المصافي زيادة إنتاج الديزل بالقدر الكافي لتلبية الطلب.
وأشار إلى أن استمرار نقص المنتجات النفطية قد يُبقي الضغوط على المستهلكين والقطاعات الصناعية والنقل، حتى إذا تراجعت أسعار الخام نسبيًا، لأن أسعار الوقود النهائية تتأثر أيضًا بتكاليف التكرير والتوزيع وهوامش السوق.
وخلص الحجي إلى أن ترمب يحتاج، إذا أراد خفض أسعار الطاقة بصورة مستدامة، إلى التعامل مع الأسباب الفعلية لنقص الإمدادات، وليس الاكتفاء بتحميل الشركات أو الدول الأخرى المسؤولية، لأن السوق تتأثر بعوامل متشابكة تتجاوز القرار السياسي الأميركي.
نرشّح لكم..
- ملف خاص عن مستجدات أسواق الغاز المسال العربية والعالمية
- ملف خاص عن الطاقة الشمسية في الدول العربية
- ملف خاص عن المناجم في الدول العربية
- شركة بتروكيماويات سعودية توزع 13.8 مليون دولار أرباحًا عن النصف الأول 2026
- حقول النفط والغاز في المغرب.. كنز من الاحتياطيات وتطوير غائب (ملف خاص)
- صادرات النفط الإيرانية تستعد لمواجهة عقوبات ترمب الاقتصادية.. ما الخطوة القادمة؟ (مقال)
المصدر:





