صادرات النفط والغاز الروسية تتعافى والإيرادات تتراجع.. ما الأسباب؟ (مقال)
فيلينا تشاكاروفا* – ترجمة: نوار صبح

- في سبتمبر/أيلول المنصرم صدّرت روسيا 4.088 مليون برميل من النفط يوميًا عن طريق البحر
- صادرات الغاز المسال ارتفعت 35% على أساس سنوي إلى 3.36 مليون طن
- الصادرات المتجهة إلى مواني غير معلنة ارتفعت لتصل إلى 709 آلاف برميل يوميًا
- روسيا باتت تصدّر كميات أكبر من النفط وكميات أقل من المنتجات ذات القيمة المضافة
على الرغم من أن صادرات النفط والغاز الروسية تتعافى، فإن الإيرادات تتراجع، وفقًا للبيانات الصادرة في الأيام الأولى من شهر أكتوبر/تشرين الأول الجاري، ويعود ذلك إلى عدة أسباب.
وتتعارض قراءة البيانات هذه مع كلتا القصتين اللتين تُرويان عادة عن الطاقة الروسية، القصة الغربية ترى أن العقوبات تعمل على إغلاق الصنبور بصورة مطردة، والقصة الروسية تحكي أن التحول إلى آسيا أدى إلى جعل البلاد في مأمن.
والأرقام ترفض كلا الأمرين، ففي سبتمبر/أيلول المنصرم شحنت روسيا 4.088 مليون برميل من النفط يوميًا عن طريق البحر، أي بزيادة 8% عن أغسطس/آب الماضي و3% عن العام السابق.
وأغلق سعر خام الأورال الشهر فوق 92 دولارًا للبرميل، أي ضعف مستواه تقريبًا قبل بدء الحرب مع إيران في 28 فبراير/شباط الماضي، وارتفعت صادرات الغاز المسال 35% على أساس سنوي إلى 3.36 مليون طن.
إيرادات صادرات النفط والغاز الروسية
جمعت الموازنة الفيدرالية إيرادات من صادرات النفط والغاز الروسية أقل بنسبة 17% خلال المدة من يناير/كانون الثاني إلى سبتمبر/أيلول الماضيين مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025.
وقد خفضت الهند -الركيزة الثانية لنموذج التصدير بعد عام 2022- استهلاكها بأكثر من النصف في شهر واحد.
بدورها، اختارت المملكة العربية السعودية الأسبوع نفسه لتقديم أعمق تخفيض لها في الأسعار إلى آسيا منذ يونيو/حزيران 2020.
وأمام واشنطن حتى 18 أكتوبر/تشرين الأول لتقرر ما إذا كانت ستفرض تعرفات جمركية تصل إلى 100% على أكبر مشتري الطاقة الروسية.
صادرات النفط الروسي
تُظهر بيانات تتبع الناقلات الصادرة عن شركة "إس آند بي غلوبال" انخفاضًا في صادرات النفط الروسي المنقولة بحرًا إلى الهند، لتصل إلى 816 ألف برميل يوميًا في سبتمبر/أيلول المنصرم، وهو ما يمثل تراجعًا بنسبة 59% مقارنة بشهر أغسطس/آب الماضي، وبنسبة 51% مقارنة بشهر سبتمبر/أيلول من العام السابق.
وفي المقابل، سارت الصادرات المتجهة إلى الصين في اتجاه معاكس، إذ ارتفعت بنسبة 22% على أساس شهري وبنسبة 27% على أساس سنوي لتصل إلى 1.415 مليون برميل يوميًا.
وعلى الرغم من أن الخلاصة التقليدية تشير إلى أن الصين حلّت محل الهند، فإن لغة الأرقام تقول غير ذلك، فالتراجع في الواردات الهندية -وفقًا لتلك النسب- يقارب 1.2 مليون برميل يوميًا، في حين تبلغ الزيادة بالواردات الصينية نحو ربع مليون برميل فقط، أي إن الصين استوعبت قرابة خُمس الكمية التي تخلت عنها الهند.
واتجهت بقية الكمية إلى وجهات لا تفصح عنها البيانات؛ إذ ارتفعت الصادرات المتجهة إلى مواني غير معلنة لتصل إلى 709 آلاف برميل يوميًا، صعودًا من 24 ألف برميل في أغسطس/آب الماضي وصفر برميل قبل عام.
وفي الوقت نفسه، انخفضت الكميات المتجهة إلى عمليات النقل من سفينة إلى أخرى في الشرق الأقصى بنسبة 43% على أساس شهري، لتصل إلى 142 ألف برميل يوميًا.

وانتقل الغموض إلى مرحلة سابقة في سلسلة التوريد، من منطقة النقل البحري إلى الوجهة المعلنة نفسها، فالأسطول الذي كان يخفي سابقًا منشأ الشحنة بات يخفي الآن وجهته النهائية، وهو تصرف منطقي استجابةً لقانون يعاقب المشتري لا البائع.
ويفسر ذلك القانون توقيت هذه التطورات، ففي 18 سبتمبر/أيلول المنصرم وقّع الرئيس ترمب تشريعًا يفرض رسومًا جمركية تصل إلى 100% على السلع القادمة من أكبر 5 دول مستوردة للنفط أو الغاز الروسي، إلى جانب فرض عقوبات على سفن أسطول الظل.
وقد صرحت نيودلهي بأنها ستراقب الوضع وتضمن تلبية احتياجاتها من الطاقة، في حين أعلنت وزارة التجارة الصينية في 19 سبتمبر/أيلول المنصرم معارضتها العقوبات الأحادية والثانوية التي تفتقر إلى أساس في القانون الدولي.
وعلى الرغم من التشابه الدبلوماسي بين البيانين، فإنهما يعكسان توجهات تجارية متناقضة تمامًا، فقد تراجعت شركات التكرير الهندية، وعززت نظيراتها الصينية نشاطها.
وهذا النمط ليس جديدًا بل له سابقة، ففي أغسطس/آب 2025، وحين طالت جولة سابقة من الرسوم الجمركية الأميركية الهند، اشترت شركات التكرير الصينية ما بين 10 و15 شحنة من خام الأورال لتسليمها في فصل الخريف، في حين أحجم المشترون الهنود عن الشراء.
وما تغير الآن فهو النطاق والاستمرارية، إذ كانت شركات التكرير الهندية تتوقع انخفاضًا في كميات الخام الروسي المتاحة هذا الخريف، وذلك بسبب تراجع الصادرات الروسية واشتداد المنافسة الصينية.
وتكتشف تلك القوة المتوسطة -التي حوّلت خام الأورال المتاح بأسعار مخفضة إلى أصل إستراتيجي بعد عام 2022- حدود سياسة "تعدد التحالفات"، فهي سياسة فعالة ما لم يفرض أحد القطبين ثمنًا لها، وبالنسبة لموسكو تتمثل النتيجة في "التركز".
وتأسست علاقة "التنين والدب" (الصين وروسيا) على المنفعة الإستراتيجية المتبادلة، لكنها تتحول في مجال النفط إلى علاقة قائمة على التبعية.
مفارقة السعر: مكاسب استثنائية لا تصل إلى الخزانة
للوهلة الأولى، بدا شهر سبتمبر/أيلول المنصرم شهرًا جيدًا لبيع النفط، فقد قدّرت منصة "بلاتس" سعر خام الأورال -على أساس التسليم على ظهر الناقلة في ميناء بريمورسك- عند 91.85 دولارًا للبرميل في 2 أكتوبر/تشرين الأول الجاري.
وكان هذا الخام قد لامس مستوى 113.89 دولارًا في أبريل/نيسان الماضي، مسجلًا أعلى مستوياته منذ عام 2013، فالبرميل الذي كان يُباع بنحو 45 دولارًا قبل الحرب مع إيران، أصبح يُباع الآن بضعف ذلك السعر.
وفي الوقت نفسه، فإن التقديرات ذاتها تكشف عن المشكلة، إذ كان سعر خام "الأورال" يقل بمقدار 35.11 دولارًا عن سعر خام "برنت المؤرخ".
وبلغ متوسط الخصم في سبتمبر/أيلول المنصرم 29.55 دولارًا، مقارنة بمتوسط 5 سنوات بلغ 20.79 دولارًا، وفي ظل تداول الخام المرجعي (برنت) عند مستويات تتجاوز 100 دولار بكثير، فإن روسيا تتنازل عن نحو 9 دولارات إضافية في كل برميل مقارنة بمتوسطها المعتاد على مدى 5 سنوات.
وتُعزى هذه الفجوة إلى تكلفة مخاطر العقوبات، وشح الناقلات، وتقلص قائمة المشترين، وتذهب هذه المبالغ إلى التجار وملاك السفن وشركات التكرير في آسيا، لا إلى الدولة الروسية.

وتؤكد أرقام الموازنة هذا التسرب في الإيرادات، فقد انخفضت إيرادات النفط والغاز خلال المدة من يناير/كانون الثاني إلى سبتمبر/أيلول الماضيين بنسبة 17% لتصل إلى 5.47 تريليون روبل (65 مليارًا و640 مليون دولار)، نزولًا من 6.61 تريليون روبل في العام السابق.
وتضافرت 3 عوامل لتحقيق هذه النتيجة، انخفاض معدلات الإنتاج والصادرات على مدار العام، وارتفاع قيمة الروبل مقابل الدولار بنسبة 9% في المتوسط خلال المدة من يناير/كانون الثاني إلى أغسطس/آب الماضيين (ما يقلص قيمة كل دولار مكتسب عند تحويله للعملة المحلية).
وأخيرًا، الارتفاع الطفيف في السعر المستعمل لحساب الضرائب -من 59.12 دولارًا إلى 66.70 دولارًا للبرميل- وهو ما يمثل جزءًا يسيرًا من التحركات السعرية في السوق.
ومن المتوقع الآن أن يبلغ العجز 3% من الناتج المحلي الإجمالي، أي ما يقرب من ضعف النسبة المخطط لها في البداية.
*(الروبل الروسي = 0.012 دولارًا أميركيًا)
وتكشف الأنماط الشهرية عن دلالات مماثلة، فقد بلغت الإيرادات في سبتمبر/أيلول المنصرم 452.4 مليار روبل، وهو رقم يفوق قليلًا إيرادات شهر أغسطس/آب الماضي البالغة 424.0 مليار روبل، لكنه بالكاد يعادل نصف ذروة الإيرادات المسجلة في أبريل/نيسان الماضي والبالغة 855.6 مليار روبل.
وما تزال وزارة المالية الروسية تتوقع تحقيق فائض في الإيرادات خلال شهر أكتوبر/تشرين الأول الجاري يكفي لشراء عملات أجنبية وذهب بقيمة 279.42 مليار روبل، وتقترح خفض السعر المرجعي المعتمد لـ"صندوق الرفاه الوطني" إلى 50 دولارًا للبرميل بدءًا من العام المقبل.
ويُعد هذا المقترح أوضح إشارة يمكن استخلاصها من البيانات؛ إذ تضع موسكو خطط موازنتها على أساس انتهاء "علاوة الأزمة" السعرية وليس استمرارها.
استهداف مصافي النفط الروسية
يتمثل العامل الرابع في الجانب المادي الملموس، فقد غيّرت الحملة الأوكرانية التي تستهدف مصافي النفط طبيعة صادرات النفط والغاز الروسية.
والآلية المرجحة لذلك بسيطة، فعندما تتعرض مصفاة ما للقصف تُحوَّل كميات النفط التي كان من المفترض تكريرها هناك إلى المواني للتصدير مباشرة.
وهذا يفسر سبب ارتفاع شحنات النفط في شهر سبتمبر/أيلول المنصرم، مقابل انخفاض الصادرات المنقولة بحرًا من المنتجات النفطية بنسبة 11% على أساس شهري و42% على أساس سنوي، لتصل إلى 1.075 مليون برميل يوميًا.
وباتت روسيا تصدّر كميات أكبر من النفط وكميات أقل من المنتجات ذات القيمة المضافة.

وتظهر آثار الضغط بوضوح في السوق المحلية، فقد مددت موسكو الحظر الشامل الذي تفرضه على صادرات الديزل من قِبَل المنتجين حتى نهاية شهر أكتوبر/تشرين الأول الجاري، في حين يستمر الحظر المفروض على غير المنتجين -وكذلك الحظر على جميع صادرات البنزين- حتى نهاية يناير/كانون الثاني 2027.
من ناحيتها، تربط وكالة "رويترز" بين الهجمات على مصافي النفط ونقص الوقود في الأقاليم الروسية.
وانعكست التكلفة المالية لذلك في حسابات شهر سبتمبر/أيلول المنصرم؛ إذ سددت الموازنة العامة لشركات النفط مبلغ 305.5 مليار روبل بموجب آلية "مخمد أسعار الوقود" (آلية الدعم)، وهو المبلغ الأكبر خلال العام، ويرجع ذلك على ما يبدو إلى أن الدعم بات يشمل الوقود المستورد إلى جانب الوقود المنتج محليًا.
ويُعد دعم دولة نفطية كبرى واردات الوقود مؤشرًا دقيقًا على تآكل قدرتها على الصمود.
فيلينا تشاكاروفا متخصصة في الشؤون السياسية بالدول المنتجة للطاقة.
*هذا المقال يمثّل رأي الكاتبة، ولا يعبّر بالضرورة عن رأي منصة الطاقة.
موضوعات متعلقة..
- صادرات النفط والغاز الروسية إلى آسيا مستمرة.. ما تأثير الممرات البحرية الإستراتيجية؟ (مقال)
- صادرات النفط والغاز الروسية.. قدرة كبيرة على النقل وفق شروط المستوردين (مقال)
- صادرات النفط والغاز الروسية.. حرب إيران طوق نجاة يضمن استمرار التدفقات (مقال)
نرشح لكم..





