المقالاترئيسيةروسيا وأوكرانياسلايدر الرئيسيةغازمقالات الغازمقالات النفطنفط

صادرات النفط والغاز الروسية.. قدرة كبيرة على النقل وفق شروط المستوردين (مقال)

فيلينا تشاكاروفا* – ترجمة: نوار صبح

اقرأ في هذا المقال

  • إيرادات النفط والغاز في يوليو/تموز الماضي بلغت أعلى مستوى لها في 12 شهرًا
  • الحكومة الروسية خفضت توقعاتها لإنتاج النفط لما تبقى من العقد
  • أغسطس/آب المنصرم كان الشهر الأعنف بالنسبة للهجمات على مصافي التكرير الروسية
  • تمديد حظر تصدير البنزين حتى نهاية يناير/كانون الثاني 2027

تميزت صادرات النفط والغاز الروسية، في الآونة الأخيرة، بقدرة كبيرة على النقل وفق شروط المستوردين، ما يقلل من إيرادات الموازنة الفيدرالية.

وشهدت الأيام الأخيرة من أغسطس/آب المنصرم وبداية سبتمبر/أيلول الجاري سلسلة من الأخبار المتعلقة بالطاقة الروسية، التي تبدو للوهلة الأولى متناقضة، فقد دخلت ناقلة نفط جديدة من الفئة العابرة للجليد الخدمة، وحملت أول شحنة لها من محطة نفطية خاضعة للعقوبات في القطب الشمالي.

وتقلصت الخصومات على النفط الخام الروسي في جميع المؤشرات، لدرجة أن المشترين الهنود دفعوا علاوة سعرية لمدة وجيزة، وبلغت إيرادات النفط والغاز في يوليو/تموز الماضي أعلى مستوى لها في 12 شهرًا.

في المقابل، خفضت الحكومة الروسية توقعاتها لإنتاج النفط لما تبقى من العقد، وانخفضت عمليات التكرير إلى أدنى مستوى لها في عقدين، وتجاوز العجز الفيدرالي 6.4 تريليون روبل (74 مليارًا و99 مليون دولار) بعد 7 أشهر فقط من بداية العام.

*(الروبل الروسي = 0.012 دولارًا أميركيًا).

القيد المفروض على ناقلات الغاز

وصلت ناقلة الغاز المسال "كونستانتين بوسيت"، المصنفة ضمن الفئة العابرة للجليد، إلى محطة أوتريني في شبه جزيرة غيدان في 30 أغسطس/آب المنصرم، حيث جرى تحميلها، وغادرت في اليوم نفسه بعد زيادة غاطسها إلى 12.2 مترًا.

وانقطع الاتصال بالسفينة منذ ذلك الحين، ولم تُعلن عن وجهتها، لكنها حددت تاريخ 12 سبتمبر/أيلول الجاري بوصفها موعدًا محتملًا.

ويُرجح أن يكون مسارها غربًا، إلى وحدة التخزين العائمة "سام" في قرية أورا-غوبا بالقرب من مدينة مورمانسك، إذ تُنقل الشحنات إلى ناقلات تقليدية.

وهذا الأمر يتجاوز مجرد رحلة واحدة، وتُعد الناقلة "كونستانتين بوسيت" ثاني سفينة من سلسلة "زفيزدا" التي بُنيت لمشروع "أركتيك إل إن جي 2"، بعد "أليكسي كوسيجيغن"، التي دخلت الخدمة في ديسمبر/كانون الأول 2025 بعد تجارب بحرية وغازية مطولة.

واجتازت السفينة الثانية سلسلة التجارب نفسها بسرعة أكبر بكثير.

ناقلة الغاز المسال أليكسي كوسيغين العابرة للجليد
ناقلة الغاز المسال أليكسي كوسيغين العابرة للجليد - الصورة من سوفكومفلوت

من جانبها، تعاقدت شركة زفيزدا على بناء 15 ناقلة إجمالًا، وجرى إطلاق الناقلة بيوتر ستوليبين وهي تخضع حاليًا لتجارب الإرساء، وأعلنت وزارة الصناعة والتجارة أنه من المتوقع الانتهاء من بناء ناقلتين بحلول نهاية عام 2026.

وفي إطار منفصل، أفادت التقارير بأن شركة نوفاتك تتفاوض مع شركتي ميتسوي أو إس كي لاينز وهانوا أوشن بشأن 6 ناقلات غاز كورية الصنع متوقفة عن العمل، مع خيار شراء 4 ناقلات أخرى.

على مدى عامين، كان الافتراض السائد في العواصم الغربية هو أن العقوبات المفروضة على بناء السفن وعلى السفن نفسها ستُبقي مشروع "أركتيك إل إن جي 2" متوقفًا إلى حد كبير.

لكن هذا الافتراض بدأ بالتلاشي، فلم يكن القيد الأساسي هو المحطة، بل كان توفر الهياكل، وروسيا تعمل على حل مشكلة توفر الهياكل محليًا، ببطء وبتكلفة باهظة، ولكن في اتجاه واحد لا غير.

القيد ينتقل من الأسطول إلى المشتري

مع دخول طريق البحر الشمالي موسم الملاحة بالكامل، استقر نمط الشحن على عاملين متغيرين.

وتتجه ناقلات الغاز المسال المصنفة ضمن الفئة العابرة للجليد شرقًا إلى وحدة التخزين كورياك في خليج بيشيفينسكايا في كامتشاتكا، إذ تُنقل الشحنات إلى سفن تقليدية لتسليمها إلى الصين، أو تبحر مباشرة إلى الصين، مثلما تفعل سفينة كريستوف دي مارجيري حاليًا وهي تقترب من ميناء بيههاي في الجنوب.

وتنتهي جميع الشحنات الخاضعة للعقوبات في تلك المحطة الواحدة، ولم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كانت روسيا قادرة على نقل هذه الكميات، بل ما إذا كانت الصين قادرة على استيعابها.

وتُعد هذه مشكلة مختلفة هيكليًا، وهي الأسوأ بالنسبة لموسكو.

وتُعد قيود الأسطول مشكلة رأسمالية ذات حل معروف وجدول زمني محدد، أما قيود المشتري الواحد والمحطة الواحدة فهي مشكلة تسعير لا تملك روسيا حلًا لها.

وإن تركيز جميع شحنات الغاز المسال الخاضعة للعقوبات عبر نقطة استلام واحدة في غوانغشي يخلق نقطة اختناق واضحة، ويمنح الطرف المقابل رؤية كاملة لقدرة التسليم الروسية.

وكل ناقلة إضافية من الفئة العابرة للجليد تدخل الخدمة دون توسع مماثل في عمليات إعادة التغويز في الصين واستهلاكه في المراحل اللاحقة، يزيد من الخصم، لا الإيرادات.

وهذا هو النمط الذي يتكرر الآن في قطاع الطاقة الروسي بأكمله، إذ لم تقطع العقوبات تدفقات الطاقة، بل أعادت تنظيمها في وضع يحدد فيه عميل واحد الشروط.

نقل الغاز عبر خطوط الأنابيب مسألة سعرية.. لا سياسية

التقى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نظيره الصيني شي جين بينغ في قمة منظمة شنغهاي للتعاون في مدينة بيشكيك في 31 أغسطس/آب المنصرم، وهو الاجتماع الثاني لهذا العام، والمحاولة السادسة منذ فبراير/شباط 2022، بشأن ملف خط الأنابيب، للحصول على موافقة الصين على خط أنابيب "باور أوف سيبيريا  2".

ويُعدّ سجل هذه المحاولات دليلًا واضحًا، فبعد الزيارة قبل الأخيرة أعلنت موسكو الموافقة على خط أنابيب بسعة 50 مليار متر مكعب، وتوقيع مذكرة تفاهم ملزمة قانونًا، وأنّ الشحنات إلى الصين سترتفع إلى نحو 100 مليار متر مكعب سنويًا.

إلا أن بكين لم تؤكد أيًا من ذلك، ولم يرد ذكر خط أنابيب "باور أوف سيبيريا  2" في أي من الوثائق الثنائية الـ42 الموقعة خلال تلك الزيارة.

ووفقًا لتقارير منسوبة إلى مصادر صحيفة وول ستريت جورنال، تضغط الصين للحصول على سعر قريب من السعر المحلي الروسي، أي نحو 50 دولارًا لكل ألف متر مكعب، أي ما يقارب خُمس سعر خط أنابيب "باور أوف سيبيريا 1".

ناقلة الغاز المسال فيليكي نوفغورود الروسية
ناقلة الغاز المسال فيليكي نوفغورود الروسية - الصورة من بلومبرغ

من جانبهم، طلب المسؤولون الصينيون من الوفد الروسي في مايو/أيار الماضي عدم إثارة الموضوع مجددًا إلى حين استعداد موسكو للتحرك وفق الشروط.

ولا تُعد هذه مفاوضات بشأن خط أنابيب، بل هي مفاوضات بشأن ما إذا كانت روسيا ستدعم واردات الغاز الصينية لمدة 30 عامًا مقابل بديل تصديري غربي لم يعد بإمكانها الحصول عليه من أي مكان آخر.

وتدرك بكين أن بدائل شركة غازبروم الروسية (Gazprom) قد استُنفدت، ولذا تُسعّر خدماتها وفقًا لذلك، ولم يعد التفاوت داخل محور "الصين وروسيا" خفيًا.

مطالب بكين

يضيف البيان الروسي الصادر من قمة بيشكيك تفصيلًا جديرًا بالدراسة.

ووُقّعت مذكرة النوايا التي تغطي خط الأنابيب بينروسيا والصين وجزء خط العبور سويوز فوستوك عبر منغوليا قبل عام بالضبط، لمدة 30 عامًا، وبكمية 50 مليار متر مكعب سنويًا، ولمسافة تقارب 6700 كيلومتر من حقول غرب سيبيريا إلى الحدود الصينية.

وكان من المتوقع إبرام عقد توريد تجاري في مايو/أيار الماضي، إلا أنه لم يتحقق.

ويصف مدير صندوق تنمية الطاقة سيرغي بيكين الإطار السياسي بأنه سليم، والعقبة بأنها تجارية، إذ تريد الصين سعرًا أفضل من سعر خط أنابيب "باور أوف سيبيريا 1"، وتريد شروطًا قانونية تميز بين الكميات المضمونة وغير المضمونة.

ويأتي ذلك حتى لا تواجه أي غرامات في حال انخفاض الاستهلاك المحلي مع تزايد أهمية أهداف خفض الانبعاثات الكربونية.

أما المطلب الثاني فهو الأكثر أهمية، إذ يمكن تقسيم السعر، لكن لا يمكن تقاسم خيار الشراء.

فالعقد الذي يسمح للمشتري بالانسحاب من الكميات دون غرامة يحوّل التزامًا سياديًا بالبنية التحتية لمدة 30 عامًا إلى خيار شراء يملكه العميل.

وستتحمل روسيا التكلفة الرأسمالية الكاملة لـ6700 كيلومتر من الأنابيب في ظل طلب لا تستطيع ضمانه، ولهذا السبب لم تُبرم الصفقة، ولذلك يمكن أن تبقى المذكرة السياسية سارية المفعول رسميًا إلى أجل غير مسمى دون تنفيذ أي جزء من المشروع.

قطاع تكرير النفط في روسيا

على الرغم من إعادة التفاوض على هيكل التصدير، فإنه كان يجري تفكيك قاعدة التكرير المحلية.

وكان أغسطس/آب المنصرم الشهر الأعنف بالنسبة للهجمات على مصافي التكرير الروسية منذ بدء الحرب، إذ سُجّل ما لا يقل عن 21 هجمة، وتضررت 4 من أكبر 10 محطات في البلاد.

وتركزت الأضرار على وحدات التقطير الأولية، والوحدات الحفزية، ومعدات الضاغط، وجميعها تعتمد على الاستيراد ويصعب استبدالها في ظل العقوبات.

وتقدر شركة إنيرجي أسبكتس إنتاج شهر أغسطس/آب المنصرم بما يزيد قليلًا على 3.8 مليون برميل يوميًا، أي ما يقرب من 28 إلى 31% أقل من نطاق الصيف الطبيعي الذي يتراوح بين 5.3 و5.5 مليون برميل وأدنى مستوى منذ عقدين.

وأوقفت 16 مصفاة عملياتها كليًا أو جزئيًا، ما أدى إلى إخراج أكثر من 45 مليون طن من قدرتها السنوية من تداول البورصة.

وانخفض إنتاج البنزين في الأسابيع الـ3 الأولى من أغسطس/آب المنصرم بنحو 20% على أساس سنوي والديزل بأكثر من 23%، مع انخفاض إمدادات الديزل المحلية المحمية بقيود التصدير بنسبة 3% فقط.

ويُعد الرد بالتقنين الجزء الذي يحمل ثقلًا سياسيًا، وجرى تمديد حظر تصدير البنزين حتى نهاية يناير/كانون الثاني 2027.

وأدخلت مصفاتا كالوغا وليبيتسك عمليات الشراء الفردية والزوجية، وشددت أورينبورغ الحدود بعد إغلاق مصفاة أورسك لمدة تصل إلى 6 أشهر، واستعادت سيفاستوبول إعادة التزود بالوقود باستعمال رمز الاستجابة السريعة.

وأصبحت الآن طوابير من 30 إلى 50 سيارة في محطات موسكو أمرًا روتينيًا، ويشير الفارق بين سلاسل البيع بالتجزئة التي تقل عن 80 روبل للتر الواحد والمحطات المستقلة عند 100 روبل أو أكثر إلى أن السعر الرسمي لم يعد يخلي السوق.

وتتوقع شركة إنرجي أسبكتس حدوث انتعاش جزئي إلى 4.2 مليون برميل يوميًا في سبتمبر/أيلول الجاري، بشرط عدم حدوث المزيد من الأضرار.

مضخة نفط خارج مدينة ألميتيفسك في جمهورية تتارستان الروسية
مضخة نفط خارج مدينة ألميتيفسك في جمهورية تتارستان الروسية - الصورة من رويترز

التوقعات الاقتصادية الكلية للحكومة

في الأول من سبتمبر/أيلول الجاري، أكدت مسودة التوقعات الاقتصادية الكلية للحكومة هذا المسار بأرقامها الخاصة.

وجرى تخفيض تقديرات إنتاج النفط للمدة من 2026 إلى 2029 بمقدار يتراوح بين 16 و20 مليون طن، مقارنةً بتوقعات شهر مايو/أيار الماضي.

ويُتوقع الآن أن يبلغ الإنتاج هذا العام 494.2 مليون طن، بانخفاض قدره 17.2 مليون طن عن عام 2025، وهو مستوى قريب من أدنى مستوى له منذ 17 عامًا، على أن يتعافى ليصل إلى 500 مليون طن في عام 2027 و505 ملايين طن في عامي 2028 و2029.

وتُعد جميع هذه المستويات أقل من 511.4 مليون طن التي أُنتجت في عام 2025.

كما يُعدّ توزيع الصادرات مؤشرًا واضحًا، وعدلت توقعات صادرات النفط الخام لعام 2026 بالزيادة إلى 244.7 مليون طن مقارنةً بـ230.8 مليون طن في العام الماضي، قبل أن تنخفض إلى 232.5 مليون طن في عام 2027 و216.6 مليون طن في عامي 2028 و2029.

في المقابل، انخفضت صادرات المنتجات المكررة بصورة حادة إلى 98.5 مليون طن هذا العام، بانخفاض قدره 27.3 مليون طن على أساس سنوي، و24.1 مليون طن عن تقديرات شهر مايو/أيار الماضي.

ويشير البنك المركزي إلى أن القدرة على إعادة توجيه فائض النفط الخام للتصدير محدودة بدورها بقدرة النقل والمواني.

وبغض النظر عن الجوانب المحاسبية، تتضح الآلية جليًا، روسيا تصدّر نفطًا خامًا لم تعد قادرة على تكريره، وتنتقل هوامش التكرير، والقيمة المضافة، والوظائف، والقاعدة المالية المرتبطة بتلك الهوامش إلى مصافي التكرير في الهند والصين وتركيا.

وهكذا، تُدفع موسكو إلى أسفل سلسلة القيمة نحو موقع مُصدِّر الموارد الخام الذي سعت جاهدةً للتخلص منه على مدى 20 عامًا.

فيلينا تشاكاروفا متخصصة في الشؤون السياسية بالدول المنتجة للطاقة.

*هذا المقال يمثّل رأي الكاتبة، ولا يعبّر بالضرورة عن رأي منصة الطاقة.

موضوعات متعلقة..

اقرأ أيضًا..

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق