المقالاترئيسيةروسيا وأوكرانياسلايدر الرئيسيةمقالات النفطملفات خاصةنفط

استهداف مصافي التكرير الروسية يخلق أزمة وقود محلية.. كيف تتأثر الصادرات؟ (مقال)

أومود شوكري* - ترجمة: نوار صبح

اقرأ في هذا المقال

  • البنية التحتية للطاقة في روسيا أصبحت ساحة معركة إستراتيجية في حرب طويلة الأمد
  • صادرات المحروقات الموثوقة كانت تُشكّل ركيزة أساسية لنفوذ موسكو في أوروبا وخارجها
  • بيانات الرصد تُظهر تقلبات في صادرات روسيا من المنتجات النفطية المنقولة بحرًا
  • عندما تتضرر قدرة مصافي التكرير الروسية تفقد موسكو استقرار الإمدادات المحلية

تسببت هجمات الطائرات الأوكرانية المسيرة على مصافي التكرير الروسية، مؤخرًا، في أزمة وقود محلية، ومع نهاية يونيو/حزيران 2026، تواجه روسيا واحدة من أخطر أزمات نقص البنزين والديزل منذ سنوات.

فقد أدت هجمات الطائرات الأوكرانية المسيّرة على مصافي التكرير الروسية، ومرافق التخزين، والمواني، والبنية التحتية للتصدير إلى تقليص قدرة التكرير المحلية، ما تسبَّب في تقنين الاستهلاك، وطوابير طويلة، وارتفاع الأسعار، وحتى اللجوء إلى خطط نادرة لاستيراد البنزين بحرًا.

وتشير التقارير إلى أن القيود أو النقص قد أثّرت في أكثر من 50 من أصل 83 مؤسسة اتحادية روسية، بما في ذلك وسط روسيا، والمناطق النائية في القطب الشمالي وسيبيريا، وشبه جزيرة القرم المحتلة.

وتعكس هذه الأزمة أكثر من مجرد اضطراب لوجستي، فقد أدت الغارات الأوكرانية -التي اشتدت في أواخر عام 2025 واستمرت حتى عام 2026- في بعض الأحيان إلى تعطيل ما يُقدّر بنحو 15-30% من قدرة مصافي التكرير الروسية الأساسية، في حين انخفض إنتاج البنزين إلى ما دون مستويات عام 2025.

تمديد حظر تصدير البنزين

مع انخفاض معدلات الشحن في موانٍ مثل توابسي وتامان، مددت موسكو حظر تصدير البنزين، ودرست فرض قيود إضافية على صادرات الديزل ووقود الطائرات بعد استهداف مصافي التكرير الروسية.

ويكشف هذا النقص عن مواطن ضعف هيكلية في نموذج الدولة النفطية الروسية، ويُظهر كيف أصبحت البنية التحتية للطاقة ساحة معركة إستراتيجية في حرب طويلة الأمد.

تصاعد الدخان الأسود من مصفاة موسكو النفطية
تصاعد الدخان الأسود من مصفاة موسكو النفطية – الصورة من وكالة الصحافة الفرنسية

الآثار الجيوسياسية

تُظهر أزمة نقص الوقود فعالية الحملة الأوكرانية غير المتكافئة ضد البنية التحتية للطاقة في روسيا.

فمن خلال استهداف مصافي التكرير الروسية -وهي منشآت معقّدة يصعب إصلاحها، وتعتمد في كثير من الأحيان على التكنولوجيا الغربية- نقلت كييف تكاليف الحرب إلى المناطق النائية الروسية، وتحدّت رواية موسكو عن الصمود والسيطرة.

وأجبرت الهجمات روسيا على تحويل أصول الدفاع الجوي والقوى العاملة وموارد الإصلاح نحو حماية البنية التحتية للطاقة، ما أدى إلى استنزاف القدرات العسكرية والأمنية.

وعلى الصعيد الدولي، تؤثّر هذه الاضطرابات في سياسات سوق الطاقة.

فرغم الجهود الغربية المتزايدة لعرقلة التصدير، تواصل روسيا تصدير النفط الخام عبر أسطولها غير الرسمي، إلّا أن انخفاض قدرة التكرير يحدّ من قدرتها على توريد المنتجات البترولية ذات القيمة الأعلى.

وقد يُسهم هذا في زيادة شحّ أسواق الوقود المكرر، لا سيما عند اقترانه بمخاطر جيوسياسية أخرى، بما في ذلك عدم الاستقرار في الشرق الأوسط.

من ناحية ثانية، وفّر تحوّل روسيا نحو المشترين الآسيويين بعض الراحة، لكن القيود المادية ومخاوف الجودة والاختناقات اللوجستية تحدّ من الفوائد.

وتُضعف الأزمة استعمال روسيا طويل الأمد للطاقة بصفة أداة في سياستها الخارجية، فقد كانت صادرات المحروقات الموثوقة تُشكّل ركيزة أساسية لنفوذ موسكو في أوروبا وخارجها.

وقد يؤدي استمرار ضعف البنية التحتية إلى تشجيع الخصوم، وتوتُّر الشراكات مع الصين والهند، ومنح المشترين نفوذًا أكبر للمطالبة بخصومات أو شروط أفضل.

وتعكس الأزمة تغير المعايير في الصراعات الحديثة، حيث تُستهدف البنية التحتية للطاقة بشكل متزايد لتقويض إيرادات الخصم التي تدعم الحرب وقدراته اللوجستية.

على الصعيد الداخلي، قد يؤدي عجز الكرملين عن حماية المواطنين بشكل كامل من تبعات الحرب إلى تآكل ثقة الجمهور تدريجيًا، حتى وإن حدّ القمع والدعاية من التداعيات السياسية المباشرة.

وقد يؤدي النقص المستمر إلى تفاقم الإحباط الإقليمي وتعقيد الحوكمة في النظام السياسي الروسي شديد المركزية.

مدى تأثر صادرات الوقود

ما تزال روسيا مُصدِّرًا رئيسا للنفط الخام، لكن صادراتها من المنتجات المكررة في مصافي التكرير الروسية تواجه ضغوطًا متزايدة.

وقد أدى حظر تصدير البنزين، المُمدَّد حتى صيف 2026، والقيود المُحتملة على صادرات الديزل ووقود الطائرات، إلى إعطاء الأولوية للإمدادات المحلية، ولكنه قلَّل من الإيرادات وأضعف مكانة روسيا في السوق.

وتُظهر بيانات الرصد تقلبات في صادرات روسيا من المنتجات النفطية المنقولة بحرًا، مع انخفاضات حادة في المواني المُتأثرة بالهجمات الأوكرانية.

وتشير التقارير إلى انخفاض كبير في شحنات ميناء توابسي على أساس سنوي، في حين سجّل ميناء تامان انخفاضات ملحوظة.

وعلى الرغم من أن إيرادات الوقود الأحفوري الإجمالية ظلت مُستقرة في بعض الأشهر بسبب تأثيرات الأسعار، فإن هوامش التكرير وأحجام الصادرات قد تضررت.

في أبريل/نيسان ومايو/أيار 2026، تذبذبت إيرادات النفط الخام، في حين استمرت صادرات المنتجات النفطية بمواجهة الضغوط على الرغم من الانتعاشات العرضية.

من جهة أخرى، فإن حقيقة أن روسيا تُفكِّر في استيراد البنزين مع استمرارها في تصدير النفط الخام تُسلِّط الضوء على قصور أعمق في نموذج الطاقة لديها.

وقد صُمِّمت إستراتيجية التصدير الروسية، التي تتمحور حول التكرير، لتحقيق إيرادات أعلى من المنتجات البترولية ذات القيمة المُضافة.

وعندما تتضرر قدرة مصافي التكرير الروسية، تفقد موسكو استقرار الإمدادات المحلية، وتخسر جزءًا من إيرادات الصادرات النفطية المكررة.

ويُقلل هذا من مرونة روسيا في الأسواق العالمية، ويُتيح فرصًا للمنافسين، بمن فيهم منتجو تحالف أوبك+ ومصدرو النفط الصخري الأميركي، لسدّ فجوات العرض.

وقد زادت مخاطر أسطول الظل، بما في ذلك احتجاز السفن ومشكلات التأمين وإنفاذ العقوبات، من تعقيد عمليات التصدير.

ومع مرور الوقت، قد تُسهم الخسائر المستمرة في قطاع التكرير بانخفاض هيكلي في إمكانات التصدير الروسية، لا سيما أن بعض وثائق التخطيط الروسية تتوقع انخفاض أحجام صادرات النفط حتى عام 2029.

محطة وقود تابعة لشركة تابعة لشركة روسنفط الروسية
محطة وقود تابعة لشركة تابعة لشركة روسنفط الروسية – الصورة من وكالة أنباء موسكو

التداعيات على الأمن القومي

يؤثّر نقص الوقود مباشرةً في الأمن القومي الروسي، نظرًا لأن الحروب الحديثة تعتمد بشكل كبير على الوقود.

ويمكن أن تؤدي القيود المفروضة على البنزين والديزل إلى تعطيل أساطيل المركبات، والدعم الجوي، وقوافل الإمداد، وشبكات الخدمات اللوجستية، لا سيما في الأراضي المحتلة، حيث تكون المستودعات وطرق النقل عرضة للهجوم.

وتوفر الاحتياطيات الإستراتيجية والأولويات العسكرية بعض الحماية، لكن التنافس بين الاحتياجات المدنية والدفاعية يضع ضغطًا متزايدًا على النظام، خصوصًا في المناطق الهشة مثل شبه جزيرة القرم.

وتُرهق الأزمة منظومة الدفاع الجوي الروسية، فحماية المصافي والمستودعات والمواني وخطوط الأنابيب تتطلب موارد كان من الممكن استعمالها بالقرب من الجبهة أو للدفاع عن بنى تحتية حيوية أخرى.

وتؤدي تأخيرات الإصلاح إلى تفاقم هذه المخاطر، خصوصًا أن العقوبات تقيّد الوصول إلى قطع الغيار المتخصصة والتكنولوجيا والخبرات اللازمة لإصلاح مصافي التكرير الروسية المتضررة.

وعلى الصعيد الاقتصادي، تُسهم الأزمة في التضخم، وأعباء الدعم، والضغوط المالية، وكلّها تؤثّر بشكل غير مباشر في الإنفاق الدفاعي.

وقد يؤدي السخط الشعبي إزاء نقص الوقود وارتفاع أسعاره إلى زيادة الاهتمام بالأمن الداخلي، ما يحوّل موارد إضافية عن المجهود الحربي.

وفي حال استمرار الحرب لمدة طويلة، قد تتفاقم هذه الضغوط لتزيد من القيود المفروضة على القوى العاملة والصناعة واللوجستيات، ما يُجبر على اتخاذ خيارات إستراتيجية أكثر صعوبة.

إيرادات النفط والغاز

ما تزال إيرادات النفط والغاز تُشكّل ركيزة أساسية في موازنة الدولة الروسية، حيث تُموّل جزءًا كبيرًا من النفقات العسكرية والاجتماعية، على الرغم من الادعاءات الرسمية بتنويع مصادر الدخل.

وتشير التقديرات إلى أن إيرادات الطاقة شكّلت ما يقارب 30-40% من إيرادات الحكومة في السنوات الأخيرة، مع العلم أن هذه النسبة تتفاوت تبعًا لأسعار النفط وحجم الصادرات والضرائب وظروف سعر الصرف.

وقد أسهمت اضطرابات مصافي التكرير الروسي في تقلُّب الإيرادات والضغوط المالية.

في أوائل عام 2026، انخفضت إيرادات ضرائب النفط في بعض الفترات، في حين تعرّضت آلية دعم الوقود المحلية ونظام رسوم التصدير في روسيا لضغوط نتيجة انخفاض إنتاجية التكرير.

ويعتمد تخطيط الموازنة بشكل كبير على أسعار خام الأورال المفترضة.

وعندما تنخفض الأسعار أو الكميات عن المتوقع، تتّسع العجوزات، وتتعرض الاحتياطيات لضغوط، وتواجه الحكومة مفاضلات صعبة بين الإنفاق العسكري والالتزامات الاجتماعية والاستقرار الاقتصادي.

وتُعدّ خسائر مصافي التكرير الروسية مُضرّة لأن المنتجات المكررة عادةً ما تُدرّ هوامش ربح وقيمة ضريبية أعلى من صادرات النفط الخام.

وفي الوقت نفسه، يؤدي انخفاض الإمدادات المحلية إلى زيادة تكلفة الدعم المخصص لتحقيق استقرار الأسعار ومنع الاضطرابات العامة.

وبالإضافة إلى الإنفاق المرتبط بالحرب، يُضيّق هذا الوضع الحيز المالي، وقد يؤدي إلى زيادة الضرائب، أو زيادة الاقتراض، أو خفض الإنفاق في قطاعات أخرى.

وتشير التوقعات طويلة الأجل إلى أن روسيا قد تُقلل تدريجيًا اعتمادها على إيرادات الطاقة، لكن الأزمة الحالية تُظهر مدى صعوبة هذا التغيير في ظل ظروف الحرب.

ناقلة النفط بيلا 1
ناقلة النفط بيلا 1 – الصورة من وكالة الصحافة الفرنسية

التوقعات

على المدى القريب، من المرجح أن تعتمد روسيا على الواردات من شركاء مثل بيلاروسيا، وشراء البنزين المنقول بحرًا، والتقنين، وحظر التصدير، والاحتياطيات الإستراتيجية.

رغم ذلك، تبقى هذه الأدوات محدودة في حال استمرار الإضرابات الأوكرانية وتأخر الإصلاحات.

ويتوقع المحللون تفاقم النقص خلال ذروة الطلب الصيفي، واحتمال استمراره حتى عام 2027.

لذا، فإن الأزمة تتجاوز كونها اضطرابًا مؤقتًا، فهي تكشف عن نقاط ضعف جوهرية في اقتصاد الحرب الروسية ونموذجه الأمني ​​المعتمد على الطاقة.

وقد حققت الهجمات الأوكرانية أثرًا إستراتيجيا كبيرًا باستهدافها البنية التحتية التي تدعم إيرادات الدولة والخدمات اللوجستية العسكرية.

وبالنسبة للكرملين، بات تحقيق التوازن بين الاستقرار الداخلي، والمتطلبات العسكرية، والتزامات التصدير، والاستياء الشعبي أمرًا بالغ الصعوبة.

الخلاصة

تكشف أزمة نقص الوقود في روسيا عن تداخل نقاط الضعف العسكرية والاقتصادية والجيوسياسية.

فما بدأ كهجمات أوكرانية مُستهدفة المستودعات وبنية التصدير التحتية، ومصافي التكرير الروسية، تحوّل إلى تحدٍّ بنيوي لدولة نفطية تعمل تحت وطأة العقوبات وضغوط الحرب.

وُتظهر الأزمة أن مكانة روسيا بصفتها مُصدِّرًا رئيسًا للطاقة لا تضمن أمنها الغذائي المحلي عندما تتعرض قدرة التكرير وشبكات الإمداد وسلاسل التوريد للإصلاح لاضطرابات مستمرة.

وتُبيّن الأزمة كيف أصبحت البنية التحتية للطاقة ساحة معركة رئيسة في الحروب الحديثة.

فمن خلال استهداف مرافق الوقود ومصافي التكرير الروسية، استهدفت أوكرانيا الأسس اللوجستية والمالية للمجهود الحربي الروسي دون الحاجة إلى مُضاهاة القدرات العسكرية التقليدية لموسكو.

وقد تُخفف الواردات الطارئة وحظر التصدير والتقنين والدعم من حدة النقص الفوري، لكنها لا تُعالج المشكلة الأعمق: فنموذج الطاقة الروسي مُقيَّد بشكل متزايد بالحرب والعقوبات وهشاشة البنية التحتية وتراجع الوصول إلى التكنولوجيا المتقدمة.

بالنسبة للكرملين، يتطلب حل الأزمة أكثر من مجرد رسائل عامة أو ضوابط مؤقتة على السوق.

وسيتوقف الأمر على قدرة روسيا على الدفاع عن البنية التحتية الحيوية للطاقة وإصلاحها، وتحقيق استقرار الإمدادات المحلية، والحفاظ على تدفقات الصادرات، واستيعاب التكاليف المالية المترتبة على الانقطاعات المطولة.

وإذا استمرت الهجمات واختناقات الإصلاح، فقد يصبح نقص الوقود سمة متكررة للاقتصاد الحربي الروسي بدلًا من كونه حالة طوارئ قصيرة الأجل.

وبهذا المعنى، فإن أزمة الوقود في عام 2026 ليست مجرد مشكلة في محطات الوقود، بل هي مؤشر تحذيري على هشاشة إستراتيجية أعمق داخل النظام النفطي الروسي.

* الدكتور أومود شوكري، الخبير الإستراتيجي في مجال الطاقة، الزميل الزائر الأول في جامعة جورج ميسون الأميركية، مؤلف كتاب "دبلوماسية الطاقة الأميركية في حوض بحر قزوين: الاتجاهات المتغيرة منذ عام 2001".

* هذا المقال يمثّل رأي الكاتب، ولا يعبّر بالضرورة عن رأي منصة الطاقة.

موضوعات متعلقة..

اقرأ أيضًا..

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق