خبيرة مصرية: خفض الانبعاثات يتطلب توطين التكنولوجيا وتعزيز القدرات الوطنية
داليا الهمشري

يمثّل خفض الانبعاثات أحد المحاور الرئيسة في مواجهة تداعيات تغير المناخ، مع توجُّه دول العالم إلى تطوير حلول أكثر كفاءة واستدامة، وتقليل الاعتماد على الأنظمة الإنتاجية كثيفة الاستهلاك للموارد والطاقة.
وترتبط جهود خفض الانبعاثات بصورة متزايدة بقدرة الدول على امتلاك التكنولوجيا وتطويرها بما يتناسب مع احتياجاتها المحلية، إذ لا يقتصر توطين التكنولوجيا على نقل المعدّات أو المعرفة من دولة إلى أخرى، بل يشمل بناء القدرات الوطنية ودعم البحث العلمي.
وفي هذا السياق، أكدت الخبيرة بهيئة المواد النووية المصرية التابعة لوزارة الكهرباء والطاقة المتجددة، الدكتورة نجلاء عبدالقادر، أن نقل التكنولوجيا وتوطينها قد أصبح حتميًا بالنسبة إلى الاقتصاد العالمي، موضحةً أن الأمر يتجاوز كونه عملية تبادل تجاري، ليصبح مسارًا إستراتيجيًا مهمًا.
جاء ذلك خلال ندوة افتراضية بعنوان "نقل التكنولوجيا وتوطينها: المسار العالمي لتقليل الانبعاثات"، تابعتها منصة الطاقة المتخصصة (مقرّها واشنطن)، ضمن فعاليات المبادرة العربية للتكنولوجيا الخضراء والذكاء الاصطناعي، التي تستهدف تسليط الضوء على دور التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في دعم تحول الطاقة.
وتسعى المبادرة إلى رفع الوعي بالحلول المستدامة لمواجهة تغير المناخ، وتعزيز الاستفادة من التقنيات الحديثة في تحقيق أهداف التنمية المستدامة، بالتزامن مع الاستعدادات لقمّة المناخ (كوب 31).
اقتصاد أكثر استدامة
أوضحت الدكتورة نجلاء عبدالقادر أن توطين التكنولوجيا يستهدف ضمان استدامة الثروة على كوكب الأرض والحفاظ على موارد الأجيال القادمة، مشيرةً إلى أن هذه العملية تسهم في إعادة هندسة النظم الإنتاجية وقطاعات الطاقة بما يتوافق مع معايير كفاءة البيئية.
وأضافت أن نقل التكنولوجيا وتوطينها يساعدان الدول على الوفاء بالتزاماتها المناخية وتحقيق تنمية ملموسة، فضلًا عن تعزيز قدرتها على مواجهة الصدمات البيئية المستقبلية، بما يحقق التوازن بين النمو الاقتصادي وحماية الموارد الطبيعية.
وتُمثّل حتمية التوطين أحد ملامح المسار العالمي للتحول نحو اقتصاد أكثر استدامة، إذ يقوم هذا المسار على 3 محاور رئيسة، هي:
- حتمية نقل التكنولوجيا.
- ترابط المنظومة البيئية وتجاوز آثارها للحدود.
- الهجرة البيئية، كونها أحد الآثار المترتبة على الفجوة التقنية.

ترى الدكتورة نجلاء عبدالقادر أن نقل التكنولوجيا يمثّل التزامًا أخلاقيًا إلى جانب كونه ضرورة اقتصادية وبيئية، لافتة إلى أهمية طرح تساؤل بشأن المسؤولية التاريخية عن الانبعاثات الضارة التي تعرَّض لها كوكب الأرض على مدار عقود طويلة.
وأضافت أن الدول المتقدمة شهدت توسعًا صناعيًا كبيرًا، خصوصًا عقب الحربين العالميتين الأولى والثانية، وهو ما صاحَبه تصاعد في الأنشطة الصناعية والانبعاثات التي أثّرت في البيئة، مؤكدةً أهمية النظر إلى هذه المسؤولية التاريخية عند مناقشة قضايا المناخ ونقل التكنولوجيا بين الدول المتقدمة والنامية.
دعم خفض الانبعاثات
تنعكس المبادرات المرتبطة بتوطين التكنولوجيا بصورة مباشرة على القطاعات المختلفة والبيئة، من خلال خفض الانبعاثات وترشيد استهلاك الموارد، بما يسهم في حماية الموارد الوطنية وضمان استدامتها للأجيال المقبلة.
ويمثّل التحول الرقمي وإعادة تأهيل النظم الإنتاجية جزءًا مهمًا من هذه الجهود، ولا يرتبط توطين التكنولوجيا فقط بالجانب البيئي، وإنما يمتد إلى تعزيز الأمن القومي، من خلال الحفاظ على استدامة موارد المياه والغذاء.
تقول الدكتورة نجلاء عبدالقادر، إن عملية توطين التكنولوجيا تواجه عددًا من المعوقات العالمية، يأتي في مقدّمتها احتكار سلاسل الإمداد والمكونات التكنولوجية الحديثة.
وأوضحت أن بعض الدول المتقدمة تسيطر على الموارد والمواد الأساسية المستعملة في الصناعات المرتبطة بخفض الانبعاثات، وتضع شروطًا تحدّ من إتاحتها للدول الأخرى.
وأشارت إلى أن فجوة التمويل الأخضر تُمثّل تحديًا آخر أمام الدول النامية، في ظل ضعف تدفقات التمويل الحكومي الموجهة إليها، لافتةً إلى أن القروض المخصصة للمشروعات البيئية قد ترتبط باشتراطات تمويلية صعبة تفرضها المؤسسات الدولية.
وأضافت أن القيود المرتبطة بالملكية الفكرية والشروط الصارمة للاستثمار التي تفرضها الشركات العالمية الكبرى تؤدي إلى ارتفاع تكلفة التكنولوجيا، وتجعل تطبيقها محليًا أكثر صعوبة، مشيرة إلى أن بعض التقنيات التي تنتقل من الدول الأجنبية إلى الدول النامية لا تكون ملائمة بالقدر الكافي للظروف والبيئات المحلية.
ولفتت إلى أن البيئة التشريعية تمثّل تحديًا إضافيًا، نتيجة عدم مواكبة بعض القوانين المحلية لمتطلبات الاستثمار التكنولوجي طويل الأجل، وهو ما قد يقلل من رغبة المطورين الدوليين في نقل المعرفة والتكنولوجيا.
أهمية التكامل العربي
أكدت الخبيرة بهيئة المواد النووية المصرية أهمية تطبيق آليات للتكامل العربي لمواجهة تحديات توطين التكنولوجيا والتفاوض المناخي، مقترحةً تأسيس صندوق تمويل عربي أخضر بمثابة آلية تمويلية عربية مشتركة تدعم مراكز البحث العلمي والمشروعات الريادية العاملة في توطين الابتكارات المستدامة.
ودعت إلى إنشاء سوق عربية مشتركة للتكنولوجيا، من خلال توحيد المواصفات والمعايير البيئية بين الدول العربية، بما يسهم في خلق سوق واسعة للتعاون التكنولوجي، ويعزز القدرة التفاوضية للدول العربية في التعامل مع الأطراف الأجنبية.
وأشارت إلى أهمية إنشاء شبكة لمراكز الأبحاث العربية تربط بين المؤسسات والجامعات ومراكز البحث العلمي في الدول العربية، بهدف تبادل المعرفة وتطوير حلول مشتركة للتحديات التي تواجه المنطقة، ومنها التصحر وتحلية المياه والطاقة الشمسية.
وأوضحت أن تشابه الظروف المناخية والبيئية في عدد كبير من الدول العربية يجعل التعاون البحثي والتكنولوجي بينها أكثر أهمية، مؤكدةً ضرورة وضع خطة عربية موحدة للتنسيق في قضايا المناخ، بما يسهّل في نقل التكنولوجيا والملكية الفكرية ويوفر تمويلًا عادلًا وشاملًا لتوطين التقنيات البيئية.
العائد الإستراتيجي
تقول الدكتورة نجلاء عبدالقادر، إن توطين التكنولوجيا يحقق عددًا من العوائد الإستراتيجية، في مقدمتها تسريع خفض الانبعاثات وتحقيق المستهدفات المناخية العالمية، من خلال تطوير حلول محلية مستدامة تتناسب مع احتياجات كل دولة.
وأضافت أن امتلاك القدرات والتقنيات المحلية يعزز المرونة الاقتصادية والاستقلال، ويساعد الدول العربية على مواجهة اضطرابات سلاسل الإمداد، من خلال امتلاك مصادر وحلول للطاقة والموارد مصممة وفق احتياجاتها المحلية.
وأوضحت أن توطين تقنيات مواجهة الجفاف والتصحر يمكن أن يسهم -كذلك- في الحفاظ على الاستقرار السكاني والاجتماعي في المناطق الأكثر تعرّضًا لتداعيات التغيرات المناخية، والحدّ من الآثار التي قد تدفع السكان إلى الهجرة من المناطق المتضررة.

وأشارت إلى أن التحول المناخي يمكن أن يتحول من تحدٍّ إلى فرصة اقتصادية من خلال خلق ملايين فرص العمل المرتبطة بالاقتصاد الأخضر، وإعداد جيل جديد من المهندسين والعلماء والفنيين المتخصصين في مجالات التكنولوجيا المستدامة داخل الوطن العربي.
ضرورة الالتزام بالسياسات المناخية
في ختام حديثها، أكدت الدكتورة نجلاء عبدالقادر ضرورة الالتزام بالسياسات والتوصيات الدولية ذات الصلة بالبيئة والمناخ، من خلال تطبيق المعاهدات البيئية وتفعيل البنود الخاصة بنقل التكنولوجيا والشراكة والتنمية المستدامة، بما يدعم جهود خفض الانبعاثات عالميًا.
ودعت إلى إطلاق إستراتيجية عربية موحدة لتعزيز التعاون في مجال توطين التكنولوجيا وخفض الانبعاثات، إلى جانب الاستفادة من التجربة المصرية في هذا المجال وتطويرها بما يتناسب مع احتياجات الدول العربية.
وأكدت أن الاستثمار في جيل المستقبل ودعم البحث العلمي المحلي وتأهيل الكوادر البشرية يمثّل الركيزة الأساسية لقيادة قطاعات الاقتصاد الأخضر، مشددةً على أن بناء القدرات الوطنية هو الطريق لضمان استدامة جهود توطين التكنولوجيا وتحقيق الأهداف البيئية والمناخية.
موضوعات متعلقة..
- البحرين تراهن على الطاقة المتجددة والاقتصاد الدائري لخفض الانبعاثات
- خبير: خفض الانبعاثات في قطاع الزراعة يعززه الذكاء الاصطناعي
- الطاقة المتجددة تدعم خطط كهرباء الإمارات لخفض الانبعاثات 46% بحلول 2035
اقرأ أيضًا..
- متى تحقق سوريا الاكتفاء الذاتي من النفط والغاز؟ تصريح رسمي
- كيف عوّض الاتحاد الأوروبي نقص الغاز المسال القطري؟.. الجزائر ضمن 6 مورّدين
- ملف خاص عن أسواق الغاز المسال العربية والعالمية
- تغطية خاصة للحرب على إيران وتأثيراتها في أسواق الطاقة





