كيف يسهم الذكاء الاصطناعي الأخضر في خفض فاتورة الطاقة والانبعاثات؟
داليا الهمشري
يبرز الذكاء الاصطناعي الأخضر بوصفه أحد الاتجاهات الحديثة في خطط الاستدامة، بالتزامن مع التوسع المتسارع في استعمال التقنيات الرقمية بمختلف القطاعات، وما يرافق ذلك من ارتفاع في استهلاك الكهرباء اللازمة لتشغيل مراكز البيانات والبنية التحتية الرقمية.
ومع تنامي هذا الاتجاه، تتزايد الحاجة إلى تطوير تقنيات أكثر كفاءة وأقل تأثيرًا في البيئة للحد من البصمة الكربونية للتحول الرقمي ودعم أهداف الاستدامة.
وفي هذا السياق، ناقشت ندوة بعنوان "هندسة الاستدامة البيئية والذكاء الاصطناعي الأخضر.. رؤية إستراتيجية للحوكمة الرقمية ومسارات العمل نحو COP31"، أهمية الانتقال من النموذج التقليدي للذكاء الاصطناعي إلى نموذج أكثر كفاءة في استهلاك الطاقة والموارد.
وجاءت الندوة الافتراضية -التي تابعتها منصة الطاقة المتخصصة (مقرها واشنطن)- ضمن فعاليات المبادرة العربية للتكنولوجيا الخضراء والذكاء الاصطناعي 2026، التي تنظمها جمعية عين البيئة المصرية بالتعاون مع جهاز شؤون البيئة المصري، بمشاركة خبراء من عدد من الدول العربية.
وتأتي أهمية هذا الطرح في ضوء استعدادات المجتمع الدولي لمؤتمر كوب 31، الذي تستضيفه مدينة أنطاليا التركية في نوفمبر/تشرين الثاني 2026، وسط تركيز متزايد على تحويل الالتزامات المناخية إلى إجراءات عملية قابلة للقياس والتنفيذ.
حماية البيئة
أكدت الخبيرة والباحثة في الاستدامة البيئية والتحول الأخضر والرقمي الدكتورة آلاء عرفات أبشر أن حماية البيئة ليست مسؤولية جهة واحدة، وإنما هي شراكة إستراتيجية تبدأ من كل قرار وكل ممارسة تشغيلية واعية.
وأوضحت أن التحول الرقمي والاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي يفرضان تحديًا جديدًا أمام جهود الاستدامة، إذ تحتاج النماذج الذكية المعقدة إلى قدرات حوسبية ضخمة، وهو ما ينعكس على استهلاك الكهرباء والبنية التحتية الرقمية والبصمة الكربونية.

وفي المقابل، تتيح التطورات التقنية فرصة لإعادة صياغة العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والبيئة، من خلال تطوير أنظمة لا تركز فقط على سرعة الأداء ودقة النتائج، وإنما تضع كفاءة الطاقة وتقليل استهلاك الموارد والأثر البيئي ضمن معايير التصميم والتشغيل.
ومن هنا يبرز مفهوم الذكاء الاصطناعي الأخضر (Green AI)، بوصفه توجهًا يستهدف تطوير استعمال أنظمة ذكاء اصطناعي تراعي كفاءة الطاقة والاستدامة البيئية منذ مراحل التصميم وحتى التشغيل.
الذكاء الاصطناعي الأخضر
عرضت الخبيرة الكويتية الدكتورة آلاء أبشر مقارنة بين مفهوم الذكاء الاصطناعي الأخضر (Green AI) والذكاء الاصطناعي الأحمر (Red AI)، موضحة أن الفارق الأساسي لا يتعلق فقط بمستوى أداء النماذج، وإنما بالمعايير التي يُقاس بها هذا الأداء.
وأشارت إلى أن الذكاء الاصطناعي الأحمر يعتمد على تحقيق أعلى أداء ممكن، حتى إذا تطلّب ذلك زيادة كبيرة في القدرات الحوسبية والتكلفة واستهلاك الطاقة، بينما يسعى الذكاء الاصطناعي الأخضر إلى تحقيق توازن بين قوة الأداء وكفاءة استهلاك الموارد.
وبحسب الطرح الذي قدمته المحاضرة، فإن الذكاء الاصطناعي الأخضر يعيد تعريف مفهوم الكفاءة، حيث لا تكون دقة النموذج أو سرعة الوصول إلى النتائج هي المؤشرات الوحيدة للنجاح، وإنما تضاف إليها مؤشرات مثل استهلاك الطاقة، ووقت التشغيل، والبصمة الكربونية.
وفي المقابل، تركز المقاربة التقليدية بصورة أكبر على دقة النتائج والأداء الحسابي، مع عدم إعطاء استهلاك الطاقة والأثر البيئي الأهمية نفسها.
زيادة الطلب على الكهرباء
تطرقت الدكتورة آلاء أبشر إلى التأثيرات البيئية المتزايدة للبنية التحتية اللازمة لتشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي، وفي مقدمتها مراكز البيانات والأجهزة الإلكترونية.
وأشارت إلى أن التوسع في البنية التحتية الرقمية يفرض ضغوطًا على الموارد، بالتزامن مع زيادة الطلب على الكهرباء وتراكم المخلفات الإلكترونية الناتجة عن الأجهزة والمعدات المستعملة في المنظومة الرقمية.
وتكشف هذه التطورات عن مفارقة مهمة؛ فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أداة قوية لتحسين كفاءة الطاقة وإدارة الموارد، لكنه في الوقت نفسه قد يتحول إلى مصدر إضافي للضغط على البيئة إذا لم تُراع كفاءة الطاقة والاستدامة عند تصميم أنظمته وتشغيلها.
ودعت المحاضرة إلى تبني مفهوم الحوسبة الواعية بيئيًا، الذي يقوم على إعادة النظر في طريقة تصميم وتشغيل البنية التحتية الرقمية، واختيار الخوارزميات والنماذج الأكثر كفاءة، بدلًا من التعامل مع استهلاك الطاقة بمثابة تكلفة جانبية للتحول الرقمي.
وتتضمن هذه الرؤية اختيار نماذج مناسبة لحجم المهمة المطلوبة، وتحسين الخوارزميات، وتقليل العمليات الحسابية غير الضرورية، فضلًا عن الاستفادة من مصادر الطاقة المتجددة في تشغيل مراكز البيانات.
وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة في ظل التوسع العالمي في مراكز البيانات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وما يرافقه من زيادة في الطلب على الكهرباء والمياه والبنية التحتية.
هندسة الاستدامة
طرحت خبيرة الاستدامة الكويتية الدكتورة آلاء أبشر مفهوم "هندسة الاستدامة" بصفته إطارًا يتجاوز التعامل مع البيئة كونها مرحلة لاحقة من دورة المشروع، فبدلًا من تطوير التكنولوجيا أولًا ثم محاولة تقليل آثارها البيئية، تقوم هندسة الاستدامة على إدماج الاعتبارات البيئية في عملية التصميم منذ البداية.
وينطبق ذلك على أنظمة الذكاء الاصطناعي، إذ يصبح السؤال ليس فقط: هل النموذج دقيق؟ وإنما أيضًا: كم يستهلك من الطاقة؟ وما حجم بصمته الكربونية؟ وهل توجد طريقة لتحقيق النتيجة نفسها باستعمال موارد أقل؟
وهنا تبرز أهمية إعادة هندسة الخوارزميات وتطوير نماذج أكثر كفاءة، إلى جانب الاعتماد على الطاقة المتجددة في تشغيل البنية التحتية الرقمية.

ولم تقتصر الندوة على التركيز على الجانب التقني، وإنما ربطت بين الذكاء الاصطناعي والاستدامة من خلال مفهوم حوكمة التحول الرقمي.
وأوضحت أن التحول الرقمي المستدام يحتاج إلى معايير واضحة لقياس الأداء البيئي، وآليات لمتابعة استهلاك الطاقة والموارد، فضلًا عن إدماج الاعتبارات البيئية في القرارات المؤسسية والاستثمارية.
ومن هذا المنطلق، تصبح الحوكمة الرقمية أداة لضمان ألا يؤدي التوسع في استعمال التقنية إلى زيادة الأعباء البيئية، وإنما إلى تحقيق مكاسب قابلة للقياس في الكفاءة والاستدامة.
معالجة التحديات البيئية
أكدت الدكتورة آلاء أبشر أن الذكاء الاصطناعي الأخضر يمكنه أن يؤدي دورًا مهمًا في معالجة عدد من التحديات البيئية، من خلال تحسين كفاءة استهلاك الطاقة، والتنبؤ بالطلب على الكهرباء، وإدارة الشبكات، ودعم دمج مصادر الطاقة المتجددة، فضلًا عن تحسين إدارة المياه والمخلفات والنقل والمدن الذكية.
وخلصت المحاضرة إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من مجرد الحديث عن التحول الرقمي والأخضر إلى بناء نماذج عملية قابلة للقياس.
ورأت خبيرة الاستدامة الكويتية أن التحدي الأساسي يتمثل في الانتقال من الذكاء الاصطناعي الذي يحقق أعلى أداء بأي تكلفة إلى ذكاء اصطناعي يحقق الأداء والكفاءة والاستدامة في الوقت نفسه، بما يجعل التقنية أداة لتقليل الأثر البيئي بدلًا من أن تصبح مصدرًا جديدًا له.
موضوعات متعلقة..
- هل يعيد الذكاء الاصطناعي رسم إستراتيجيات قطاع الطاقة؟ خبير يجيب
- كيف تستعد شبكات الكهرباء في أفريقيا لطفرة الذكاء الاصطناعي؟.. السعودية نموذجًا
- دور الذكاء الاصطناعي في دعم الطاقة المتجددة.. دراسة تقارن بين مصر والصين
اقرأ أيضًا..
- أكبر 10 محطات كهرباء في العالم.. دولة عربية بالقائمة
- ملف خاص عن أسواق الغاز المسال العربية والعالمية
- تقارير دورية وتغطيات لوحدة أبحاث الطاقة





