خبراء: سوق الحفر البحري تتعافى تدريجيًا بقيادة الشرق الأوسط وأفريقيا
داليا الهمشري

تشهد سوق الحفر البحري خلال العام الحالي (2026) بداية تعافٍ تدريجي، مع تحسن الطلب على الحفارات، في وقت تتجه فيه أسعار الإيجار اليومية إلى الاستقرار مع احتمالات ارتفاعها، خاصة الحفارات عالية المواصفات.
وناقشت ندوة افتراضية -حضرتها منصة الطاقة المتخصصة (مقرها واشنطن)- تطورات سوق الحفر خلال عام 2026، واتجاهات الطلب والعرض، إلى جانب مستقبل أسطول الحفارات، مع التركيز على منطقة الشرق الأوسط ودول مجلس التعاون الخليجي، فضلًا عن آفاق الطلب في أفريقيا.
وتوقعت الندوة أن تتحسن سوق الحفر البحري تدريجيًا، بدعم من قوة الطلب في الشرق الأوسط وأفريقيا، في وقت يحد فيه تقلص المعروض وشيخوخة أسطول الحفارات من قدرة السوق على تلبية الطلب المتزايد.
وشاركت في الندوة مديرة منصة ريغ لوجيكس (RigLogix) المتخصصة في بيانات وتحليلات سوق الحفارات التابعة لمجموعة ويستوود العالمية للطاقة تيريزا ويلكي، ومديرة أبحاث الأميركتين في المنصة سينام إدرالين.
الشرق الأوسط يتصدر الطلب
قالت تيريزا ويلكي إن الشرق الأوسط يواصل تصدر الطلب العالمي على حفارات الرفع الذاتي (Jackup)، رغم التباطؤ الذي شهدته السوق خلال المدة الأخيرة.
وأوضحت أن النشاط في المناطق الأخرى كان متفاوتًا، مع ظهور نمو انتقائي في الطلب خارج الشرق الأوسط، مشيرة إلى أن التراجع الأخير في نشاط السوق لا يعكس ضعفًا جوهريًا في الطلب، وإنما يرتبط بصورة أكبر بتأخر ترسية عدد من العقود.
وأضافت أن مجموعة من المناقصات الكبرى التي طرحتها شركة أرامكو السعودية، إلى جانب مشغلين آخرين في دول مجلس التعاون الخليجي، ما تزال بانتظار الحسم.
وقالت، إن السؤال الأهم بالنسبة إلى سوق الحفارات في المرحلة المقبلة يتمثل في سرعة تحول هذه الفرص إلى عقود فعلية، ولا سيما مع استمرار متابعة تطورات الأوضاع الجيوسياسية في المنطقة.

استمرار خطط تطوير الحقول
أكدت ويلكي أن النشاط في دول الخليج يمثل أحد أهم المحركات لسوق حفارات الرفع الذاتي، في ظل استمرار خطط تطوير الحقول والحفاظ على طاقات إنتاج النفط والغاز.
ولا تعاني سوق الحفر البحري غياب الطلب بقدر ما تواجه فجوة زمنية بين طرح المناقصات وترسية العقود، وهو ما يجعل توقيت إغلاق المناقصات الخليجية عاملًا مؤثرًا في معدلات استعمال الحفارات وأسعار الإيجار اليومية.
ولفتت ويلكي إلى أن عودة هذه المناقصات إلى مسارها الطبيعي سيدعم مستويات التشغيل، ولا سيما الحفارات الحديثة ذات المواصفات الجيدة.
وبالنسبة إلى الحفارات العائمة، أوضحت أن قطاع الحفارات شبه الغاطسة (Semisubmersibles) يشهد بدوره تحسنًا في النشاط.
وقالت إن ترسية العقود كانت قوية خلال عامي 2022 و2023، قبل أن تتراجع بصورة حادة في 2024، إلا أن السوق بدأت التعافي في 2025، واستمر هذا الاتجاه خلال 2026.
وأشارت إلى أن حجم العقود المضافة إلى قائمة الأعمال المتراكمة خلال عام 2026 تجاوز بالفعل إجمالي ما أضيف طوال 2025، على الرغم من أن العام الحالي لم ينتهِ بعد.
لكنها لفتت إلى أن التعافي ما يزال متركزًا جغرافيًا في أسواق محددة، وعلى رأسها البيئات القاسية في بحر الشمال.
سوق الحفر البحري في أفريقيا
أوضحت مديرة منصة ريغ لوجيكس (RigLogix) تيريزا ويلكي أن الصورة تبدو أكثر قوة بالنسبة إلى سفن الحفر (Drillships)، التي أصبحت حاليًا أقوى قطاعات الحفارات من حيث الطلب ومعدلات الاستعمال.
وقالت إن الربع الثاني من عام 2026 سجل أقوى مستوى لترسية عقود سفن الحفر منذ الربع الأول من عام 2023، مع توقعات باستمرار نمو قائمة الأعمال المتراكمة نتيجة تمديد العقود وترسية عقود جديدة.
وتبرز أفريقيا بوصفها إحدى أهم المناطق المرشحة لدعم الطلب خلال المرحلة المقبلة، إذ توجد مجموعة قوية من فرص الحفر في دول غرب أفريقيا، إلى جانب فرص أخرى في شرق القارة السمراء.
وأوضحت ويلكي أن البرازيل وغرب أفريقيا وخليج المكسيك الأميركي تشكل ما وصفته بـ"المثلث الذهبي" للطلب على سفن الحفر، متوقعة أن تظل هذه المناطق مراكز رئيسة للنشاط خلال المستقبل المنظور.
وتكتسب غرب أفريقيا أهمية خاصة مع وجود مجموعة من مشروعات التطوير البحرية والنفط والغاز في المياه العميقة، ما يدعم الحاجة إلى سفن حفر حديثة وعالية المواصفات.
وأشارت ويلكي إلى أن البرازيل أسهمت بصورة كبيرة في دعم سوق الحفارات العائمة خلال عام 2026، خصوصًا من خلال إستراتيجية شركة بتروبراس القائمة على تمديد العقود ودمجها، إلى جانب ترسية عقود إضافية.
وتظهر قوة سوق سفن الحفر في معدلات الاستعمال المتعاقد عليه، التي تصل حاليًا إلى نحو 92% للوحدات من الجيل السابع، ونحو 94% للوحدات من الجيل السادس.
أبرز فرص النمو
من جانبها، قالت مديرة أبحاث الأميركتين في منصة ريغ لوجيكس (RigLogix) سينام إدرالين إن سوق الحفر البحري تشهد حالة من التعافي حاليًا، مدفوعة بصورة خاصة بقوة الطلب في أميركا الجنوبية، إلى جانب الآفاق الواعدة لنمو النشاط قبالة سواحل غرب أفريقيا.
وأوضحت أن الطلب العالمي على الحفارات يرتبط بصورة متزايدة بأمن الطاقة والاستقلالية في مجال الطاقة، فضلًا عن التوقعات باستمرار نمو الطلب العالمي على الطاقة.
وأضافت أن المخاوف بشأن توافر الحفارات المناسبة وتوقيت الحصول عليها، إلى جانب ارتفاع أسعار الإيجار اليومية مع تشدد السوق، تدفع المشغلين إلى التحرك مبكرًا لتأمين طاقات الحفر البحري.
في الوقت نفسه، تواجه صناعة الحفر البحري تحديًا متزايدًا يتمثل في تقلص المعروض، نتيجة إحالة حفارات قديمة إلى التقاعد وعدم وجود موجة قوية من البناء الجديد.
وقالت إدرالين إن أكبر موجة من إحالات الحفارات إلى التقاعد حدثت بين عامي 2014 و2022، خلال مدة طويلة من ضعف السوق، إلا أن عمليات الإخراج من الخدمة عادت إلى الارتفاع خلال 2024 و2025.
وأوضحت أن الحفارات تُحال حاليًا إلى التقاعد عند أعمار أكبر مقارنة بالماضي، بسبب محدودية عمليات البناء الجديدة وضعف الرغبة في استبدال الوحدات القديمة بحفارات جديدة.
وأضافت أن قرار التقاعد لا يعتمد على عمر الحفارة فقط، وإنما يرتبط أيضًا بمواعيد الفحوصات الدورية الخاصة، وحجم الطلب، وأسعار الإيجار اليومية، والاستثمارات المطلوبة للحفاظ على الجدوى التجارية للوحدة.
نقص الحفارات الجديدة
حذرت مديرة أبحاث الأميركتين في منصة ريغ لوجيكس سينام إدرالين من أن استمرار محدودية بناء الحفارات الجديدة سيؤدي إلى ارتفاع متوسط عمر الأسطول البحري بصورة ملحوظة خلال العقد المقبل.
وبحسب تقديراتها، سيصل متوسط عمر أسطول حفارات الرفع الذاتي النشطة إلى نحو 33 عامًا بحلول 2036، بينما يبلغ متوسط عمر الحفارات شبه الغاطسة نحو 31 عامًا، مقارنة بنحو 23 عامًا لسفن الحفر.
وأرجعت ذلك بصورة رئيسة إلى النقص الكبير في بناء حفارات جديدة، مشيرة إلى أن عدد الوحدات قيد الإنشاء أو العالقة في أحواض بناء السفن محدود للغاية، كما أن عددًا قليلًا منها فقط يمتلك عقودًا مؤكدة قبل التسليم.
وقالت إن 3 حفارات جديدة فقط قيد الإنشاء حاليًا لديها عقود عمل مؤكدة عند التسليم، من بينها حفارتان من حفارات الرفع الذاتي التابعة لشركة أرو دريلينغ (Arrow Drilling)، ضمن برنامج أرامكو السعودية طويل الأجل لبناء 20 حفارة جديدة.

من جهتها، قالت إدرالين إن قطاع الحفارات شبه الغاطسة المخصصة للبيئات القاسية أصبح عمليًا محجوزًا بالكامل حتى عام 2027.
في المقابل، تواصل الوحدات المخصصة للمياه الأقل تحديًا مواجهة صعوبة في تأمين حجم كافٍ من الأعمال المتراكمة، ما يضغط على قدرتها على البقاء ضمن الأسطول النشط.
وأشارت إلى وجود اهتمام بإضافة حفارات شبه غاطسة جديدة مخصصة للبيئات القاسية إلى الأسطول النشط، إلى جانب إمكان إعادة تشغيل بعض الوحدات المتوقفة عن العمل وتسليم عدد من الحفارات الجديدة العالقة في أحواض البناء.
أسعار إيجار الحفارات
توقعت إدرالين أن تتجه أسعار الإيجار اليومية للحفارات إلى الارتفاع مع تراجع توافر الوحدات، إلا أن الزيادة ستظل محدودة بفعل انضباط المشغلين في الإنفاق الرأسمالي والتشغيلي.
وأوضحت أن استمرار قصر مدد العقود في دورة السوق الحالية سيجبر شركات الحفر على تأمين عقود جديدة بوتيرة أسرع، في حين قد يؤدي ارتفاع الأسعار بصورة حادة إلى تأجيل بعض العقود.
وبالنسبة إلى حفارات الرفع الذاتي، ترى إدرالين أن القطاع ما يزال يواجه حالة من عدم اليقين نتيجة التطورات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.
ومع ذلك، فإن استمرار طرح المناقصات في دول الخليج، ولا سيما السعودية، قد يوفر دعمًا قويًا للطلب إذا تحولت الفرص الحالية إلى عقود مؤكدة.
وفي هذا السياق، تظل منطقة الشرق الأوسط ودول مجلس التعاون الخليجي من أهم الأسواق التي يمكن أن تحدد اتجاهات سوق حفارات الرفع الذاتي خلال المدة المقبلة.
أمن الطاقة
أكدت إدرالين أن أمن الطاقة وزيادة الطلب العالمي أصبحا من العوامل الرئيسة في قرارات شركات النفط والغاز المتعلقة بالحفر.
وأشارت إلى أن هذه العوامل تدعم تجدد الاتجاه نحو زيادة نشاط الحفر البحري الاستكشافي، على الرغم من أن أسعار النفط والغاز المرتفعة ليست العامل الأساسي في زيادة الطلب طويل الأجل على الحفارات، لكنها أسهمت في دعم بعض قرارات تطوير البنية التحتية على المدى القصير.
وتتصدر سفن الحفر مسار التعافي، بدعم من قوة الطلب في أميركا الجنوبية والآفاق الواعدة في غرب أفريقيا، بينما يظل المعروض من الحفارات شبه الغاطسة المخصصة للبيئات القاسية محدودًا للغاية حتى عام 2027.
وفي المقابل، تواجه الحفارات شبه الغاطسة المخصصة للمياه الأقل تحديًا ضغوطًا أكبر لتأمين عقود لاحقة، في حين يظل سوق حفارات الرفع الذاتي مرتبطًا بدرجة كبيرة بتطورات الطلب في الشرق الأوسط ودول الخليج.
وبحسب توقعات منصة ريغ لوجيكس لعام 2027، من المنتظر أن يبلغ معدل استعمال حفارات الرفع الذاتي نحو 92%، والحفارات شبه الغاطسة 88%، بينما تصل النسبة إلى 94% لسفن الحفر.
وتشير هذه التوقعات إلى أن سوق الحفر البحري تدخل مرحلة جديدة، يكون فيها تقلص المعروض وشيخوخة الأسطول، إلى جانب قوة الطلب في الشرق الأوسط وأفريقيا وأميركا الجنوبية، عوامل رئيسة في تحديد اتجاهات السوق وأسعار الإيجار خلال الأعوام المقبلة.
موضوعات متعلقة..
- مصر والسعودية بالقائمة.. شركات الحفر البحري تحرز تقدمًا في 4 دول
- استمرار حرب إيران يضر بمنصات الحفر البحرية.. ما دور منطقة الخليج؟ (تقرير)
- منصات الحفر البحرية في الشرق الأوسط "نقطة ضعف" تبرزها الحرب
اقرأ أيضًا..
- حصري - أميركا تضغط على العراق لوقف استيراد الغاز الإيراني
- السيناريو الأسوأ لأزمة الديزل العالمية ومضيق هرمز.. قراءة بالأرقام (تقرير)
- ملف خاص عن أسواق الغاز المسال العربية والعالمية
- تغطية خاصة للحرب على إيران وتأثيراتها في أسواق الطاقة





