طاقة متجددةتقارير الطاقة المتجددةتقارير الهيدروجينرئيسيةهيدروجين

خبير: الغاز الحيوي بوابة واعدة لإنتاج الهيدروجين الأخضر من المخلفات

داليا الهمشري

يشهد الغاز الحيوي اهتمامًا عالميًا متزايدًا كونه أحد أبرز مصادر الطاقة المتجددة التي تجمع بين إدارة المخلفات العضوية وإنتاج وقود منخفض الانبعاثات، فضلًا عن دوره في دعم جهود إزالة الكربون في قطاعات متعددة.

ولا تقتصر أهمية "البيوغاز" على استعماله المباشر بوصفه مصدرًا للطاقة، بل يمتد دوره إلى إنتاج الهيدروجين الأخضر، إذ أثبتت الدراسات الحديثة أن هذا النهج يمثل خيارًا اقتصاديًا وبيئيًا واعدًا، ولا سيما في المناطق التي تتوافر فيها كميات كبيرة من المخلفات الزراعية والحيوانية.

ويُنتج الغاز الحيوي (البيوغاز) من التحلل اللاهوائي للمخلفات العضوية مثل روث الحيوانات، ومخلفات المحاصيل الزراعية، وبقايا الأغذية، وحمأة محطات الصرف الصحي.

وأوضح إخصائي الكتلة الحيوية بجمعية عين البيئة المصرية المهندس محمد سعيد أن الغاز الحيوي لم يعد مجرد وسيلة للتخلص الآمن من المخلفات العضوية، بل أحد الحلول المتكاملة التي تجمع بين إنتاج الطاقة النظيفة، وإدارة المخلفات، وخفض الانبعاثات الكربونية.

وأضاف سعيد -في تصريحات إلى منصة الطاقة المتخصصة (مقرها واشنطن)- أن التوسع في مشروعات الغاز الحيوي يسهم في تعزيز أمن الطاقة ودعم التنمية المستدامة، مؤكدًا أن هذه المشروعات تحقق عائدًا اقتصاديًا وبيئيًا في الوقت نفسه، من خلال تحويل المخلفات إلى موارد ذات قيمة مضافة بدلًا من كونها مصدرًا للتلوث.

تحويل الغاز الحيوي إلى هيدروجين

أوضح المهندس محمد سعيد أن عددًا متزايدًا من المشروعات حول العالم يتجه إلى الاستفادة من الغاز الحيوي في إنتاج الهيدروجين الأخضر، عبر استغلال غاز الميثان الموجود في البيوغاز وتحويله إلى هيدروجين يمكن استعماله في تطبيقات الطاقة المختلفة.

وأضاف أن العملية تبدأ بتنقية البيوغاز من الشوائب، مثل ثاني أكسيد الكربون وكبريتيد الهيدروجين وبخار الماء، ثم يخضع الميثان لعملية إصلاح (Reforming)  باستعمال البخار أو الهواء عند درجات حرارة مرتفعة لإنتاج الهيدروجين، قبل أن يمر بمرحلة تنقية نهائية للحصول على هيدروجين عالي النقاء.

ويتكون البيوغاز عادةً من 50 إلى 70% من غاز الميثان، و30 إلى 50% من ثاني أكسيد الكربون، إلى جانب كميات محدودة من كبريتيد الهيدروجين وبخار الماء والسيليوكسانات وبعض الشوائب الأخرى، ونظرًا إلى أن هذه المكونات قد تؤثر في كفاءة المعدات والمحفزات، تُعد مرحلة التنقية الخطوة الأولى والأساسية قبل بدء عملية إنتاج الهيدروجين.

مشروع بيو-إتش 2 لإنتاج الهيدروجين من الغاز الحيوي في أسبانيا
مشروع بيو-إتش 2 لإنتاج الهيدروجين من الغاز الحيوي في إسبانيا

وتشمل عملية التنقية إزالة كبريتيد الهيدروجين باستعمال مرشحات تعتمد على أكسيد الحديد أو الكربون المنشط أو الغسل الكيميائي، ثم التخلص من بخار الماء بالتجفيف، مع إزالة الملوثات الأخرى التي قد تتسبب في تآكل المعدات أو تسمم المحفزات.

وفي بعض التطبيقات يُرفع تركيز الميثان بإزالة جزء من ثاني أكسيد الكربون لإنتاج البيوميثان، في حين تعتمد تقنيات أحدث على استعمال البيوغاز مباشرة دون الحاجة إلى إزالة ثاني أكسيد الكربون بالكامل، ما يسهم في خفض استهلاك الطاقة وتقليل تكاليف التشغيل.

وبعد الانتهاء من التنقية، تبدأ المرحلة الرئيسة لإنتاج الهيدروجين، وهي إصلاح الميثان، وتُعد تقنية الإصلاح بالبخار الأكثر انتشارًا، إذ يتفاعل الميثان مع بخار الماء داخل مفاعل يعمل عند درجات حرارة تتراوح بين 700 و1000 درجة مئوية في وجود محفزات تعتمد غالبًا على النيكل.

وينتج عن العملية خليط من الهيدروجين وأول أكسيد الكربون، ثم يخضع لتفاعل تحويل غاز الماء (Water-Gas Shift)، الذي يحول أول أكسيد الكربون إلى كميات إضافية من الهيدروجين وثاني أكسيد الكربون، بما يعزز كفاءة الإنتاج ويرفع كمية الهيدروجين الناتجة.

وإلى جانب الإصلاح بالبخار، توجد تقنية الأكسدة الجزئية (Partial Oxidation - POX)، التي تعتمد على تفاعل الميثان مع كمية محدودة من الأكسجين عند درجات حرارة مرتفعة، وتمتاز بسرعة التفاعل وانخفاض احتياجاتها من الطاقة، لكنها تنتج كميات أقل من الهيدروجين.

كما برزت تقنية الإصلاح الذاتي (Autothermal Reforming - ATR)، التي تجمع بين الإصلاح بالبخار والأكسدة الجزئية داخل مفاعل واحد، لتحقيق توازن بين كفاءة الإنتاج واستهلاك الطاقة، وقد أثبتت التجارب الصناعية قدرتها على تحقيق معدلات مرتفعة لإنتاج الهيدروجين.

وبعد انتهاء التفاعلات الكيميائية، يخضع الغاز الناتج لمرحلة تنقية نهائية للحصول على هيدروجين عالي النقاء يتجاوز 99.9%، باستعمال تقنية الامتزاز المتأرجح بالضغط (PSA) أو الأغشية المتخصصة، مع فصل ثاني أكسيد الكربون وبقية الغازات، ليصبح جاهزًا للاستعمال في خلايا الوقود، والصناعات الكيميائية، وتوليد الكهرباء.

مشروعات عالمية

توفر هذه التقنية فوائد بيئية مهمة، إذ تعتمد على المخلفات العضوية بوصفها مصدرًا متجددًا بدلًا من الغاز الطبيعي، كما تمنع انبعاث غاز الميثان إلى الغلاف الجوي، وهو أحد أكثر غازات الاحتباس الحراري تأثيرًا.

ويمكن كذلك دمجها مع تقنيات احتجاز الكربون وتخزينه، بما يتيح خفض الانبعاثات إلى مستويات منخفضة للغاية، وقد يجعل بعض الأنظمة تحقق انبعاثات سالبة في بعض الحالات.

وأشار المهندس محمد سعيد -في تصريحاته إلى منصة الطاقة المتخصصة- إلى أن تحويل الغاز الحيوي إلى الهيدروجين لم يعد مجرد فكرة بحثية، بل أصبح محورًا لعدد متزايد من المشروعات التجريبية والصناعية في أوروبا، التي تسعى إلى تطوير تقنيات أكثر كفاءة وأقل تكلفة لإنتاج الهيدروجين منخفض الانبعاثات من المخلفات العضوية.

وأوضح أن من أبرز المبادرات مشروع تحويل البيوميثان إلى الهيدروجين (Biomethane to Hydrogen) في السويد، الذي يركز على تحويل البيوميثان المستخرج من البيوغاز إلى هيدروجين متجدد لتزويد قطاعي النقل والصناعة بوقود نظيف، بما يدعم خطط البلاد للتحول إلى اقتصاد منخفض الكربون.

وأضاف أن ألمانيا تنفذ مشروع إزالة كبريتيد الهيدروجين (H2Sulfide)، الذي يعمل على تطوير تقنيات متقدمة لتنقية الغاز الحيوي وإزالة كبريتيد الهيدروجين قبل تحويله إلى الهيدروجين، بهدف تحسين كفاءة وحدات الإنتاج وإطالة العمر التشغيلي للمعدات.

مشروع إنيرجي بالانس لإنتاج الهيدروجين الأخضر من الغاز الحيوي في النمسا (الصور من موقع الشركة)
مشروع إنيرجي بالانس لإنتاج الهيدروجين الأخضر من الغاز الحيوي في النمسا - الصورة من موقع الشركة

وأشار إلى أن هولندا تقود مشروع الهيدروجين من البيوغاز (HyBi)، الذي يركز على إنتاج الهيدروجين مباشرة من الوقود الحيوي دون الحاجة إلى إزالة ثاني أكسيد الكربون بالكامل، وهو ما يسهم في تقليل استهلاك الطاقة وخفض تكاليف التشغيل مقارنة بالطرق التقليدية.

وتابع أن النمسا تشارك من خلال مشروع إنيرجي بالانس (Energiebalance)، الذي يهدف إلى دمج إنتاج الغاز الحيوي والهيدروجين داخل منظومات الطاقة المحلية، بما يعزز الاستفادة من المخلفات العضوية ويرفع كفاءة استعمال الطاقة المتجددة.

ولفت إلى أن مركز أبحاث ليندي (Linde Research Center) في المملكة المتحدة يواصل تطوير تقنيات إصلاح الغاز الحيوي وتنقية الهيدروجين، مع التركيز على تحسين أداء المحفزات، وتقليل استهلاك الطاقة، ورفع كفاءة الوحدات الصناعية لإنتاج الهيدروجين.

وأضاف أن إسبانيا تنفذ مشروع بيو-إتش 2 (Bio-H2) ، الذي يختبر إنتاج الهيدروجين من البيوغاز في محطات تجريبية، مع التركيز على توظيف المخلفات الزراعية والبلدية لإنتاج وقود منخفض الانبعاثات يمكن استعماله في الصناعة والنقل.

وأشار إلى مشروع هاي بايلوت (HyPilot) في فرنسا، الذي يستهدف إثبات الجدوى الفنية والاقتصادية لإنتاج الهيدروجين من البيوغاز على نطاق شبه تجاري، تمهيدًا للتوسع في التطبيقات الصناعية خلال الأعوام المقبلة.

وأكد المهندس محمد سعيد أن تنوع هذه المشروعات يعكس تزايد الاهتمام العالمي بتحويل الغاز الحيوي إلى الهيدروجين، مشيرًا إلى أن نجاح التجارب الحالية يمهد الطريق أمام التوسع التجاري لهذه التقنية، خاصة مع تنامي الاستثمارات في الاقتصاد الدائري وإدارة المخلفات.

موضوعات متعلقة..

اقرأ أيضًا..

 

 

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق