التقاريرتقارير الكهرباءرئيسيةكهرباء

كيف يقلل الذكاء الاصطناعي مدد انقطاع الكهرباء؟ (تقرير)

نوار صبح

اقرأ في هذا المقال

  • تدفقات الطاقة تعمل الآن تحت وطأة مخاطر مادية ورقمية متواصلة
  • البنية التحتية للطاقة تتعرض لاستهداف متزايد عبر عدّة مسارات في آن واحد
  • الهجمات السيبرانية على شركات الطاقة تضاعفت 3 مرات خلال السنوات الـ4 الماضية
  • تحليلات التنبؤ المدعومة بالذكاء الاصطناعي تُستعمل الآن لاستباق تحولات الطلب

يُمكن لاستعمال الذكاء الاصطناعي أن يتحول من أداة تحسين الأداء إلى ركيزة أساسية لأمن الطاقة، فقد أكدت الأزمة المستمرة في الشرق الأوسط أن تدفقات الطاقة تعمل الآن تحت وطأة مخاطر مادية ورقمية متواصلة.

في المقابل، فإن الهجمات على خطوط الملاحة في البحر الأحمر والتوترات في مضيق هرمز ليست حوادث معزولة، بل هي نقاط توتر هيكلية تنتقل فورًا عبر أسواق النفط والغاز والكهرباء وغيرها من السلع الأساسية المترابطة، وفقًا لتقرير اطّلعت عليه منصة الطاقة المتخصصة.

وفي الوقت نفسه، يتطور الاضطراب من مادي إلى سيبراني-مادي، إذ أصبحت البنية التحتية للطاقة الآن مجالًا متنازعًا عليه، حيث يتقاطع الاختراق الرقمي والمعلومات المضللة والهجمات الآلية مع المخاطر المادية.

من ثم، لم يعد أمن الطاقة مرتبطًا بالاحتياطيات أو العقود أو البنية التحتية بقدر ما أصبح مرتبطًا بسرعة الكشف وذكاء النظام وقدرة الاستجابة الفورية.

استعمال الذكاء الاصطناعي

يمكن القول، إن استعمال الذكاء الاصطناعي يمثّل تقنية متعددة الأغراض تضاهي الكهرباء في أهميتها الهيكلية، وفي بيئة تتّسم بالاضطرابات المستمرة، يتحدد أمن الطاقة بشكل متزايد بوساطة الذكاء الاصطناعي.

من ناحية ثانية، لم تعد أنظمة الكهرباء عرضة لأعطال متتابعة، بل لهجمات منسّقة ومتعددة المستويات، حسب تقرير نشرته منصة إنرجي كونكتس.

خطوط نقل الكهرباء في منطقة لويس سنتر بولاية أوهايو الأميركية
خطوط نقل الكهرباء في منطقة لويس سنتر بولاية أوهايو الأميركية – الصورة من واشنطن بوست

نقاط الاختناق والتداعيات العالمية: مضيق هرمز

ما تزال بعض نقاط الاختناق المادية تُشكّل ركيزة أساسية لاستقرار الطاقة العالمي، ولا يوجد ما هو أكثر أهمية من مضيق هرمز.

ويمرّ عبر هذا الممر الضيق ما يقارب 25% من تجارة النفط العالمية المنقولة بحرًا، إلى جانب كميات كبيرة من الغاز المسال وغيره من السلع الإستراتيجية.

ويُؤدي هذا التركيز الجغرافي إلى هشاشة هيكلية تتفاقم في ظل الضغوط الجيوسياسية.

وتُظهر التوترات الأخيرة في الشرق الأوسط كيف أنه حتى الاضطرابات المحدودة في حركة الشحن تُؤدي إلى تداعيات عالمية فورية.

بدورها، تتفاعل أسواق الغاز الأوروبية بشكل فوري تقريبًا من خلال تسعير بورصة تي تي إف الهولندية (TTF)، في حين يواجه المستوردون الآسيويون، خصوصًا اليابان وكوريا الجنوبية والصين، ارتفاعًا في أسعار الغاز المسال الفورية وعلاوات الشحن.

إن هذه التأثيرات ليست تدريجية، بل هي استجابات سريعة على مستوى النظام، ما يعكس الترابط الوثيق بين أسواق الطاقة.

ويُعدّ حجم المخاطر مُحددًا بدقّة، وقد أدت هجمات عام 2019 على منشأة بقيق التابعة لشركة أرامكو السعودية (Saudi Aramco) إلى خفض الإنتاج بنحو 5.7 مليون برميل يوميًا، أي ما يقارب 5% من الإمدادات العالمية، بحسب متابعة منصة الطاقة المتخصصة.

وتسبَّب هذا بارتفاع حادّ في الأسعار بنسبة تقارب 20% خلال جلسة تداول واحدة، وهو أحد أكبر الارتفاعات اليومية في أسواق الطاقة الحديثة.

ولا يقتصر الدرس المستفاد على تكاليف انكشاف نظام الطاقة، بل يشمل محدودية قدرة النظام على التكيف، وهنا تبرز أهمية استعمال الذكاء الاصطناعي في هذه الفجوة بين لحظة الاضطراب ولحظة الاستجابة.

ناقلة غاز مسال في ميناء فوتسو باليابان
ناقلة غاز مسال في ميناء فوتسو باليابان – الصورة من نيكاي آسيا

التهديد السيبراني-المادي: الحرب الهجينة واستهداف البنية التحتية

تتعرض البنية التحتية للطاقة لاستهداف متزايد عبر عدّة مسارات في آن واحد، بما في ذلك الاختراقات السيبرانية لأنظمة التكنولوجيا التشغيلية، والتصيد الاحتيالي المدعوم بالذكاء الاصطناعي، والتخريب المادي لخطوط الأنابيب والمحطات وأصول الشبكة.

ويُعدّ هذا التحول ملموسًا، فقد تضاعفت الهجمات السيبرانية على شركات الطاقة 3 مرات خلال السنوات الـ4 الماضية، مدفوعة جزئيًا بالذكاء الاصطناعي الذي زاد من نطاق الهجمات ودقّتها.

وقد كشف هذا التوجه عن هشاشة أنظمة التحكم الصناعية، حيث أصبحت شبكات التحكم الإشرافي وجمع البيانات (SCADA) وبيانات المستشعرات عرضة للتلاعب من خلال حقن بيانات قياس عن بُعد خاطئة أو اختراق واجهات المشغّلين.

تشير الحوادث الأخيرة وتقييمات التهديدات إلى تزايد التعرض للاضطرابات المتزامنة عبر الطبقات الرقمية والمادية.

وقد أدى التوسع في التحول الرقمي للبنية التحتية للطاقة إلى توسيع نطاق الهجمات، ما زاد من المخاطر التي تواجه أنظمة تكنولوجيا المعلومات والأنظمة التشغيلية على حدّ سواء.

إزاء ذلك، تُحذّر مؤسسات مثل وكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية الأميركية والمعهد الوطني للمعايير والتكنولوجيا من أن المهاجمين قادرون على تغيير عمليات التحكم وتضليل أنظمة المراقبة من خلال التلاعب بالبيانات،

وتُحذّر وكالة الاتحاد الأوروبي للأمن السيبراني من أن التصيد الاحتيالي والهندسة الاجتماعية هما أبرز مخاطر نقاط الدخول.

ويترتب على ذلك آثار هيكلية: فلم تعد أنظمة الكهرباء عرضة لأعطال متسلسلة، بل لهجمات منسقة ومتعددة الطبقات.

الذكاء الاصطناعي درعًا للمرونة التنبؤية

تعتمد نماذج أمن الطاقة التقليدية بطبيعتها على ردّ الفعل، حيث تركّز على استعادة النظام بعد انقطاع التيار. يُحوّل استعمال الذكاء الاصطناعي هذا النموذج نحو المرونة التنبؤية، ما يُتيح الكشف المبكر عن أيّ خلل في سلوك الشبكة، أو إشارات السوق، أو الاختراقات الإلكترونية قبل أن تتفاقم إلى أعطال شاملة في النظام.

بدورها، تستطيع نماذج التعلّم الآلي، المُدرّبة على بيانات التشغيل التاريخية، تحديد الانحرافات في موازنة الأحمال وأداء النظام في غضون أجزاء من الثانية، ما يُقلل أوقات الاستجابة التي كانت تستغرق ساعات.

تُشير الأدلة من مُشغّلي الشبكات إلى استعمال أن الذكاء الاصطناعي يُمكنه تقليل مدة انقطاع التيار الكهربائي بنسبة 30-50% مع تحسين استعمال البنية التحتية الحالية للشبكة.

ويُمثّل هذا تحولًا هيكليًا من الاستجابة للأعطال إلى الوقاية منها، حيث لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد طبقة لتحسين الكفاءة، بل آلية أساسية لاحتواء المخاطر.

ذراع تزويد الوقود الآلي لدى شركة بترول أبوظبي الوطنية أدنوك
ذراع تزويد الوقود الآلي لدى شركة بترول أبوظبي الوطنية أدنوك – الصورة من رويترز

الذكاء الاصطناعي المستقل وتحييد التهديدات في الوقت الفعلي

يمثّل استعمال الذكاء الاصطناعي المستقل المرحلة التالية في مرونة أنظمة الطاقة.

وعلى عكس الأنظمة التقليدية التي تعتمد على التدخل البشري، يعمل الذكاء الاصطناعي المستقل ضمن قيود محددة مسبقًا، ما يتيح الكشف واتخاذ القرارات والاستجابة في الوقت الفعلي.

عمليًا، يسمح هذا للأنظمة بعزل نقاط الشبكة المتضررة، وإعادة توجيه تدفقات الكهرباء أو الغاز، وإيقاف تشغيل المكونات المعرضة للخطر استباقيًا قبل حدوث أعطال متتالية.

وتشير الأدلة المستقاة من بيئات الشبكة المحاكاة إلى أن التحكم وإعادة التوجيه المدعوم بالذكاء الاصطناعي يُحسّنان بشكل كبير من احتواء الأعطال من خلال تسريع وقت الكشف والاستجابة، والحدّ من انتشار الاضطرابات المحلية.

وهذا يُحوّل البنية التحتية للكهرباء نحو نظام تشغيل ديناميكي ذاتي التكيف، حيث تتمّ فيه أتمتة الاستقرار والتعافي.

وفي سياق الحرب الهجينة، يُعد هذا الاستقلال بالغ الأهمية، إذ لم تعد المرونة مجرد وظيفة للتعافي، بل أصبحت قدرة مُدمجة تتكيف باستمرار مع تطور التهديدات.

التوائم الرقمية: محاكاة الاضطرابات قبل وقوعها

تبرز التوائم الرقمية عنصرًا أساسًا في مرونة أنظمة الطاقة.

ومن خلال محاكاة البنية التحتية المادية في الوقت الفعلي، تُمكّن هذه التوائم المشغّلين من محاكاة وتحليل سيناريوهات الاضطرابات قبل حدوثها، وذلك باستعمال بيانات تشغيلية مُحدّثة باستمرار من أصول مثل المصافي وخطوط الأنابيب ومحطات الغاز المسال وشبكات الكهرباء.

وقد طبّقت شركات -مثل شل (Shell) وإكوينور (Equinor)- التوائم الرقمية على مستوى الأصول، محققةً مكاسب ملموسة في الكفاءة وتقليلًا في فترات التوقف الاستثنائية.

وعلى مستوى النظام، توفر هذه التوائم نماذج سيناريوهات فقدان البنية التحتية والهجمات الإلكترونية واضطرابات الإمداد ذات الدوافع الجيوسياسية.

وفي ظل عدم استقرار السوق، يُتيح ذلك للمشغّلين الأوروبيين والآسيويين محاكاة إعادة توجيه الغاز المسال، واختبار قدرة الإمداد على تحمل الصدمات، وتعديل إستراتيجيات التشغيل مسبقًا.

وأدى ذلك إلى تحول من إدارة الأزمات التفاعلية إلى تصميم الأنظمة الاستباقي، حيث تُحدد نماذج الاضطرابات والتخفيف من آثارها قبل وقوعها.

اللامركزية: الحدّ من الضعف النظامي

تتّسم أنظمة الكهرباء التقليدية بمركزية عالية، وتعتمد على توليد واسع النطاق وشبكات نقل طويلة.

وعلى الرغم من كفاءته، فإن هذا الهيكل يركّز المخاطر في العقد الحرجة، حيث يمكن أن تتسلسل الاضطرابات عبر الأنظمة بأكملها.

ويُسهم استعمال الذكاء الاصطناعي في تمكين التحول نحو أنظمة الكهرباء اللامركزية المبنية على موارد الطاقة الموزعة، والشبكات الصغيرة الذكية، وأنظمة التوازن المحلية.

ويؤدي ذلك إلى تقليل الاعتماد على نقاط الفشل الفردية وتعزيز مرونة النظام عمومًا.

ومن ثم، يعمل الذكاء الاصطناعي بصفته طبقة تنسيق، حيث يوازن باستمرار بين العرض والطلب، ويحسِّن التخزين، ويدير تدفقات الأحمال في الوقت الفعلي.

والنتيجة هي التحول البنيوي من الأنظمة الهرمية الصارمة إلى الشبكات التكيفية الأكثر قدرة على استيعاب الصدمات المادية والجيوسياسية.

التكنولوجيا عامل استقرار لأسواق الطاقة

إلى جانب البنية التحتية، بات استعمال الذكاء الاصطناعي قوةً دافعةً لاستقرار أسواق الطاقة.

ومع ازدياد تعقيد الأنظمة العالمية وتقلبها، بات التنبؤ الدقيق وتحسين الخدمات اللوجستية أكثر أهميةً من أيّ وقت مضى.

وتُستعمَل الآن تحليلات التنبؤ المدعومة بالذكاء الاصطناعي لاستباق تحولات الطلب، وتحسين مسارات شحن الغاز المسال، وتحسين إشارات الأسعار عبر الأسواق المترابطة.

وخلال أوقات التقلبات، تُقلل هذه الأدوات من أخطاء التنبؤ وتُحسّن عملية اتخاذ القرارات لشركات المرافق والمستهلكين الصناعيين.

وهذا يُعزز اليقين في التخطيط ويُقلل من تقلبات الأسعار وتكاليف التحوط والمخاطر عبر سلاسل التوريد.

وفي عالم تنتقل فيه الصدمات الجيوسياسية بسرعة عبر الأسواق، يُصبح الاستقرار القائم على البيانات ركيزةً أساسيةً لأمن الطاقة.

الذكاء الاصطناعي في الموارد: تعظيم الاستفادة من الإمدادات الحالية

يُعيد استعمال الذكاء الاصطناعي تشكيل مسارات العرض من خلال تحسين استعمال أصول الطاقة الحالية. وبدلًا من التركيز على توسيع القدرة الإنتاجية، يعزز هذا النهج الكفاءة من خلال الصيانة التنبؤية، وتحسين عمليات الحفر، ونماذج المكامن، ما يزيد الإنتاج ويقلل وقت التوقف.

وعلى نطاق واسع، تُترجم هذه المكاسب التدريجية إلى تحسينات كبيرة في جانب العرض، لا سيما في الأسواق ذات الموارد المحدودة.

وتُجسّد منصات مثل إنرجي إيه آي ENERGYai لدى شركة أدنوك الإماراتية (ADNOC) -وهي حل ذكاء اصطناعي مُفعّل لتحسين عملية اتخاذ القرارات والكفاءة التشغيلية- هذا النهج من خلال دمج التنبؤ بالطلب مع تحسين عمليات التنقيب والإنتاج لتعظيم أداء الأصول واستغلال الموارد.

موضوعات متعلقة..

اقرأ أيضًا..

المصدر:

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق