أنسيات الطاقةالحرب الإسرائيلية الإيرانيةتقارير النفطرئيسيةملفات خاصةنفط

كيف خفضت الصين الطلب على النفط بعد إغلاق هرمز؟ أنس الحجي يجيب

أحمد بدر

أثبتت الصين خلال أزمة إغلاق مضيق هرمز قدرتها على التأثير المباشر في أسواق الطاقة العالمية، بعدما أسهمت بخطوات غير تقليدية في تقليص فجوة المعروض والطلب، ما خفّف من آثار واحدة من أكبر الأزمات التي واجهت تجارة النفط العالمية.

ويقول مستشار تحرير منصة الطاقة المتخصصة، خبير اقتصادات الطاقة الدكتور أنس الحجي، إن الأسواق فقدت كميات ضخمة من النفط الخام والمنتجات النفطية عقب الأزمة، إلّا أن عوامل متعددة أسهمت في الحدّ من تداعيات النقص الحادّ بالإمدادات.

وأضاف أن الصين أدت الدور الأبرز في إعادة التوازن النسبي إلى السوق العالمية، من خلال خفض وارداتها النفطية بمستويات غير مسبوقة، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على حجم الطلب العالمي خلال الأشهر الأخيرة.

وأشار إلى أن كثيرًا من التحليلات المتداولة تجاهلت طبيعة التغيرات التي طرأت على جانبي العرض والطلب، وركّزت فقط على خسائر الإمدادات، دون النظر إلى التراجع الكبير الذي حدث في الاستهلاك الفعلي.

جاءت تصريحات الحجي خلال حلقة جديدة من برنامجه "أنسيات الطاقة"، قدّمها -عبر مساحات منصة التواصل الاجتماعي "إكس"- بعنوان: "الصين تقلب موازين هرمز وتخفض أسعار النفط.. كيف؟ وما السبب؟ وهل يمكن أن تستمر؟".

الطلب على النفط في الصين

قال أنس الحجي، إن الطلب على النفط في الصين تأثَّر بتداعيات الأزمة، إذ إن الأسواق العالمية خسرت ما بين 17 و18 مليون برميل يوميًا من النفط الخام والمنتجات النفطية نتيجة إغلاق مضيق هرمز، وهو ما أثار مخاوف واسعة بشأن قدرة الدول المستهلكة على تأمين احتياجاتها خلال مدة قصيرة.

وأضاف أن جزءًا مهمًا من النقص عُوِّضَ عبر زيادة استعمال خطوط الأنابيب خارج مضيق هرمز، ولا سيما في السعودية والإمارات، حيث أسهمت القدرات الإضافية في تحويل نحو 4 ملايين برميل يوميًا إلى مسارات بديلة.

وأوضح أن الصين أسهمت بصورة أكبر من أيّ طرف آخر في تخفيف حدة الأزمة، بعدما خفضت وارداتها النفطية بنحو 5.8 مليون برميل يوميًا، مقارنة بالمستويات التي كانت قائمة قبل اندلاع الأزمة.

واردات الصين من النفط

وأشار أنس الحجي إلى أن هذا الخفض الهائل انعكس مباشرة على الطلب العالمي، إذ إنّ تراجع الواردات الصينية بهذه الكميات يعني عمليًا انخفاض الاستهلاك العالمي بالمقدار نفسه تقريبًا، وهو ما ساعد على تقليص الفجوة بين العرض والطلب.

وأكد أن السحب من المخزونات الإستراتيجية في الولايات المتحدة وأوروبا واليابان أضاف نحو 3 ملايين برميل يوميًا إلى السوق، ما وفّر عامل دعم إضافيًا إلى جانب التحويلات النفطية وخفض الطلب.

ولفت إلى أن الصين كانت السبب الرئيس وراء تراجع الضغوط السعرية مقارنة بالمدة الأولى من الأزمة، لأن إسهامها في تقليص الطلب فاق تأثير كثير من الإجراءات الأخرى التي اتخذتها الدول المستهلكة.

أسباب تراجع الواردات الصينية

قال أنس الحجي، إن السبب الأول بين أسباب تراجع الواردات الصينية تَمثَّل في القفزة الكبيرة التي شهدتها أسعار النفط الموجّه للأسواق الآسيوية، إذ ارتفعت بعض الخامات الخليجية بمستويات غير مسبوقة خلال مدة قصيرة.

وأضاف أن المشترين في الصين وجدوا أنفسهم أمام زيادة تجاوزت 100 دولار للبرميل في بعض الشحنات مقارنة بالمستويات السابقة، ما دفع الجهات المستوردة إلى إعادة النظر في خطط الشراء التقليدية.

وأوضح أن كثيرًا من المحللين ركّزوا على أسعار خام غرب تكساس أو برنت، في حين إن الأسعار الفعلية التي واجهها المشترون الآسيويون كانت أعلى بكثير، وهو ما غيّر معادلة الاستيراد والاستهلاك.

سوق ناقلات النفط
ناقلة نفط تتجه إلى رصيف بميناء تشينغداو في الصين - الصورة وكالة الصحافة الفرنسية

ولفت خبير اقتصادات الطاقة إلى أن بعض الخامات المتداولة في آسيا سجلت مستويات تجاوزت 170 دولارًا للبرميل، في حين تحدثت تقارير عن شحنات بيعت بأسعار اقتربت من حاجز 200 دولار خلال ذروة الأزمة.

وأكد أن الصين لم تكن قادرة عمليًا على خفض استهلاكها الفعلي بمقدار 5.8 مليون برميل يوميًا، لأن ذلك كان سيؤثّر بصورة كبيرة في النشاط الاقتصادي والصناعي والنقل داخل البلاد.

وأشار إلى أن ما حدث فعليًا تَمثَّل في خفض الواردات الجديدة مع الاعتماد على أدوات أخرى جرى إعدادها مسبقًا، وهو ما منح بكين مرونة كبيرة في التعامل مع الظروف الاستثنائية التي شهدتها الأسواق.

دور المخزونات الإستراتيجية

تَطرَّق أنس الحجي إلى دور المخزونات الإستراتيجية، قائلًا، إن بكين استعدت منذ سنوات لاحتمالات تعطُّل الإمدادات القادمة من الخليج، لذلك عملت باستمرار على بناء مخزونات ضخمة من النفط والغاز والمواد الأساسية الأخرى القابلة للتخزين.

وأضاف أن الصين كانت من أقل الدول تضررًا من أزمة إغلاق مضيق هرمز وتعطُّل الإمدادات بفضل هذه السياسة، إذ تمكنت من الاستفادة من احتياطيات تراكمت على مدى سنوات طويلة، تحسُّبًا لاضطرابات جيوسياسية محتملة.

ناقلات في مضيق هرمز
ناقلات في مضيق هرمز - الصورة من وكالة بلومبرغ

وأوضح مستشار تحرير منصة الطاقة المتخصصة أن جزءًا من الواردات النفطية سابقًا لم يكن مخصصًا للاستهلاك المباشر، بل كان يذهب إلى منشآت التخزين الإستراتيجية، ما وفّر كميات كبيرة يمكن استعمالها عند الضرورة.

وأشار أنس الحجي إلى أن وقف عمليات التخزين وحده يؤدي إلى تقليص الواردات بصورة ملحوظة، حتى دون المساس بمعدلات الاستهلاك اليومية، وهو ما يفسّر جانبًا مهمًا من التراجع الكبير الذي شهدته السوق.

وأكد أن الصين استفادت من هذه الإستراتيجية بصورة فعالة، إذ تمكنت من تقليص مشترياتها الخارجية مع الحفاظ على نشاطها الاقتصادي والصناعي دون اضطرابات كبيرة أو نقص واسع في الإمدادات.

واختتم تصريحاته بتأكيد أن التجربة الصينية تقدّم مثالًا واضحًا على أهمية التخطيط طويل الأجل في قطاع الطاقة، موضحًا أن بناء المخزونات الإستراتيجية منحَ بكين قدرة استثنائية على مواجهة واحدة من أعقد أزمات النفط الحديثة.

موضوعات متعلقة..

اقرأ أيضًا..

المصدر:

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق