خط أنابيب كركوك-جيهان.. توسعة مقترحة لزيادة صادرات النفط العراقي إلى تركيا (مقال)
أومود شوكري* - ترجمة: نوار صبح

- من شأن ممر البصرة-كركوك-جيهان أن يعزز مكانة تركيا في تجارة الطاقة الإقليمية
- اعتماد بغداد على محطات التصدير الجنوبية يعرّض إيراداتها النفطية للاضطرابات في الخليج ومضيق هرمز
- الحكومة العراقية الاتحادية سعت إلى تعزيز سيطرتها على صادرات النفط وعقوده وإيراداته
- توسعة تصدير النفط العراقي إلى تركيا قد تقلل من نفوذ حكومة إقليم كردستان
يترقب خط أنابيب كركوك-جيهان توسعة مقترحة لزيادة صادرات النفط العراقي إلى تركيا متخطيًا البنية التحتية القائمة لخطوط الأنابيب في إقليم كردستان؛ ما قد يثير خلافات جديدة بين حكومة الإقليم والحكومة الاتحادية.
ويمثل اقتراح تركيا المعلن عنه لتوسعة هذا الخط أنابيب جنوبًا من كركوك إلى البصرة، بسعة متوقعة تصل إلى 1.5 مليون برميل يوميًا، أكثر من مجرد فكرة أخرى لخط أنابيب إقليمي.
وفي حال تحقق المشروع، فإنه سيُعيد تشكيل علاقات الطاقة بين العراق وتركيا، ويؤثر في إستراتيجية بغداد التصديرية، ويعزز طموح أنقرة في أن تصبح ممرًا محوريًا للطاقة بين الشرق الأوسط والأسواق العالمية.
ويُعد الاقتراح حساسًا سياسيًا؛ نظرًا لما يتركه من غموض، فقلّة اهتمامه بالبنية التحتية الحالية لخطوط الأنابيب في إقليم كردستان تُثير تساؤلات مهمة حول دور أربيل المستقبلي، وسياسات الطاقة بين الحكومة الاتحادية والإقليمية، والسيطرة على طرق تصدير النفط في شمال العراق.
مزايا توسعة خط أنابيب كركوك-جيهان
لطالما مثّل خط أنابيب كركوك-جيهان طريق التصدير الرئيس للعراق شمالًا، رابطًا حقول الشمال بميناء جيهان التركي على البحر الأبيض المتوسط، إلا أن أعمال التخريب ونقص الاستثمار والنزاعات السياسية حدّت من استعماله مرارًا وتكرارًا.
ويهدف المقترح التركي الجديد لربط البصرة بكركوك ومنها إلى جيهان إلى توسيع هذا الطريق ليصبح ممرًا أوسع يمتد من الشمال إلى الجنوب؛ ما يمنح بغداد مرونة أكبر في التصدير، ويقلل الاعتماد على محطات الخليج، ويدعم جهود العراق الأوسع نطاقًا لبناء شبكة خطوط أنابيب وطنية متكاملة.

بالنسبة لتركيا، يتماشى مشروع توسعة خط أنابيب كركوك-جيهان مع هدف إستراتيجي طويل الأمد: تحويل الموقع الجغرافي إلى نفوذ. وتسعى أنقرة إلى أن تكون أكثر من مجرد مستهلك للطاقة، بل مركز عبور يربط المنتجين في العراق والخليج والقوقاز وآسيا الوسطى بالأسواق الأوروبية والمتوسطية.
ومن شأن ممر البصرة-كركوك-جيهان ذي السعة العالية أن يعزز مكانة تركيا في تجارة الطاقة الإقليمية، وأن يعزز ذلك القيمة الإستراتيجية لجيهان، ويدرّ إيرادات عبور، ويمنح أنقرة نفوذًا أكبر في علاقتها مع بغداد.
وسيدعم الممر جهود تركيا الأوسع نطاقًا لتقديم نفسها ممرًّا حيويًّا للطاقة والخدمات اللوجستية.
بالنسبة للعراق، يمثل مقترح توسعة خط أنابيب كركوك-جيهان شريان حياة إستراتيجيًا محتملًا، فما زالت بغداد تعتمد اعتمادًا كبيرًا على محطات التصدير الجنوبية؛ ما يجعل إيراداتها النفطية عرضة للاضطرابات في الخليج العربي ومضيق هرمز.
من ناحية ثانية، لن يحل المسار الشمالي عبر تركيا محل الخليج العربي، ولكنه سيوفر للعراق خيارًا إضافيًا خلال الأزمات.
وقد يُعمَّق هذا التعاون العراقي التركي في مجال الطاقة بما يتجاوز الإطار القديم لعبور خطوط الأنابيب. ويمكن أن يشمل اتفاق جديد صادرات النفط، والاستثمار في البنية التحتية، والكهرباء، والبتروكيماويات، والتجارة بشكل أوسع.
وبهذا المعنى، قد يصبح مقترح خط الأنابيب جزءًا من إعادة ضبط شاملة للعلاقات بين بغداد وأنقرة.
إستراتيجية بغداد التصديرية: التنويع والمركزية
يُعدّ التنويع هدف بغداد الرئيس، إذ يعتمد اقتصاد العراق بشكل كبير على إيرادات النفط، وأي اضطراب في الصادرات يؤثر بشكل مباشر في موازنة الدولة.
ومن شأن إنشاء خط أنابيب من البصرة إلى جيهان أن يمنح العراق مرونة أكبر ويقلل اعتماده على منطقة تصدير واحدة.
في الوقت نفسه، يدعم المشروع مساعي بغداد نحو المركزية، ولطالما سعت الحكومة الاتحادية إلى تعزيز سيطرتها على صادرات النفط وعقوده وإيراداته.
ومن شأن خط أنابيب اتحادي يربط البصرة وكركوك وتركيا أن يعزز سلطة بغداد على البنية التحتية الوطنية للطاقة.
ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة في سياق نزاعات بغداد مع حكومة إقليم كردستان.
ولسنوات، منح خط أنابيب أربيل المستقل إلى تركيا نفوذًا اقتصاديًا وسياسيًا لها.
ويمكن لممر اتحادي جديد أن يقلل من هذا النفوذ من خلال منح بغداد مسارًا لا يعتمد بشكل كبير على البنية التحتية التي تسيطر عليها حكومة إقليم كردستان.
بالتالي، يحقق هذا المقترح غرضين في آن واحد: فهو يساعد العراق في تنويع مصادره الخارجية، بينما يسمح لبغداد بتعزيز سيطرتها الداخلية، وهذا المزيج يفسر الأهمية السياسية الكبيرة للمشروع.
طموح أنقرة لتكون ممرًّا إقليميًا للطاقة
سعت تركيا على مدى سنوات إلى ترسيخ مكانتها بصفتها ممرًّا إقليميًا للطاقة، ويتيح لها موقعها الجغرافي الوصول إلى مناطق متعددة منتجة للطاقة، لكن الموقع الجغرافي وحده لا يكفي.
وتحتاج أنقرة إلى بنية تحتية، واتفاقيات طويلة الأجل، وكميات إمداد موثوقة لتحويل هذا الموقع إلى قوة إستراتيجية حقيقية.
ومن شأن مشروع خط أنابيب كركوك-البصرة أن يُقرّب تركيا من تحقيق هذا الهدف.
ومن خلال ربط النفط الخام العراقي الجنوبي بجيهان، تستطيع تركيا توسيع دورها في نقل النفط في الشرق الأوسط؛ ما يُعزز قدرتها التفاوضية مع كلٍّ من المنتجين والمستهلكين.
يتماشى هذا المشروع مع خطة تركيا الأوسع نطاقًا للربط الإقليمي، فقد روّجت أنقرة لخطوط التجارة والنقل التي تربط ميناء الفاو العراقي والمحافظات الجنوبية بتركيا وأوروبا.
ومن شأن ممر نفطي رئيس أن يُكمّل هذه الخطط ويُعزّز صورة تركيا بصفتها جسرًا بين أسواق الخليج والعراق وأوروبا.
بالنسبة لأنقرة، لا تُعدّ خطوط الأنابيب مجرد بنية تحتية تجارية، بل أدوات للدبلوماسية والنفوذ والمكانة الإقليمية.
ومن شأن نجاح خط أنابيب البصرة-جيهان أن يمنح تركيا أداة أخرى في إستراتيجيتها الجيوسياسية الأوسع.

الإغفال الجوهري!
إن أبرز ما يميز مقترح توسعة خط أنابيب كركوك-جيهان تجاهله التام للبنية التحتية القائمة لخطوط الأنابيب في إقليم كردستان.
وتمتلك حكومة إقليم كردستان حاليًا شبكة خطوط أنابيب تربط حقولها بالحدود التركية، ومكّنت هذه البنية التحتية أربيل لسنوات من تصدير النفط بشكل مستقل، وتعزيز استقلالها، وجذب المستثمرين، واكتساب نفوذ في المفاوضات مع بغداد.
وفي حال همّش المسار الاتحادي الجديد من البصرة إلى كركوك ومنها إلى تركيا هذه الشبكة، فقد يُقلّص ذلك بشكل كبير دور حكومة إقليم كردستان في منظومة تصدير النفط العراقية، ويُضعف قاعدتها المالية، ويُرجّح كفة الميزان لصالح بغداد.
وتتجاوز هذه القضية البنية التحتية، فهي تعكس النزاع العراقي غير المحسوم بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان حول الجهة المخولة بإدارة صادرات النفط، وتوقيع العقود، والتحكم في الإيرادات.
وتنظر بغداد إلى سياسة الطاقة بصفتها مسألة اتحادية، بينما دافعت أربيل طويلًا عن حقها في إدارة النفط من الحقول الخاضعة لسيطرتها.
ويُضيف تحوّل تركيا الواضح من الاعتماد على أربيل إلى السعي نحو اتفاقية أوسع وأكثر وضوحًا من الناحية القانونية مع بغداد، ضغطًا إضافيًا على حكومة إقليم كردستان.
إضافة إلى ذلك، فإن استبعاد إقليم كردستان بالكامل سيكون محفوفًا بالمخاطر؛ نظرًا لجغرافية شمال العراق، وظروفه الأمنية، وبنيته التحتية القائمة.
ودون تسوية سياسية بين بغداد وأربيل وأنقرة، قد يُؤدي المشروع إلى تفاقم التوترات بدلًا من إيجاد إستراتيجية تصدير وطنية موحدة.
النتائج والمخاطر المحتملة
يُعد السيناريو المتفائل واضحًا، إذ يُمكن لممر البصرة-كركوك-جيهان أن يُوفر للعراق طريقًا تصديريًا بديلًا رئيسًا، ويُعزز إيراداته، ويُقلل اعتماده على مواني الخليج، ويُعمق التعاون الإستراتيجي مع تركيا.
ويُمكن لهذا الممر أن يُساعد العراق في بناء بنية تحتية نفطية وطنية أكثر تكاملًا.
أما بالنسبة لتركيا، فتشمل الفوائد إيرادات العبور، ونفوذًا إقليميًا أكبر، ودورًا أقوى بصفتها ممرًّا للطاقة.
وبالنسبة لبغداد، يُمكن للمشروع أن يدعم تنويع الصادرات والسيطرة الاتحادية على تدفقات النفط.
في المقابل، فإن المخاطر جسيمة، فالمشروع يتطلب تمويلًا ضخمًا، وإعادة تأهيل تقنية، وضمانات أمنية، والتزامًا سياسيًا طويل الأمد.
وتمر أجزاء من الطريق عبر مناطق مُتأثرة بعدم الاستقرار، وتنازع السلطة، وتضرر البنية التحتية. ويبقى الخطر السياسي الأكبر العلاقة بين بغداد وأربيل.
وفي حال نُظر إلى المشروع على أنه يتجاوز حكومة إقليم كردستان أو يُضعفها، فقد يُؤدي ذلك إلى تفاقم التوترات الاتحادية الإقليمية.
وهذا بدوره قد يُؤخر التنفيذ، ويُثني المستثمرين، ويُعقد المفاوضات مع تركيا. وهناك مخاطر إقليمية أوسع نطاقًا.
وقد تؤثر التوترات المتعلقة بإيران وسوريا والجماعات الكردية المسلحة وأمن الخليج في جدوى المشروع. وكما هو الحال مع العديد من مقترحات خطوط الأنابيب الإقليمية، قد تكون الفكرة جذابة إستراتيجيًا، لكن تنفيذها صعب.

الخلاصة:
إن مشروع تركيا لتوسعة خط أنابيب النفط من كركوك إلى البصرة ليس مجرد مشروع بنية تحتية، بل هو مقترح إستراتيجي يمس جوهر مستقبل الصادرات العراقية، وطموحات تركيا الإقليمية، والصراع المستمر على السيطرة على النفط العراقي.
بالنسبة لبغداد، يوفر المشروع سبيلًا نحو التنويع وتعزيز السيطرة الاتحادية. أما بالنسبة لأنقرة، فهو يدعم طموحها في أن تصبح ممرًّا إقليميًّا رئيسًا للطاقة.
في المقابل، يثير المشروع المقترح بالنسبة لأربيل تساؤلات صعبة حول ما إذا كان إقليم كردستان سيظل محوريًا في منظومة الصادرات الشمالية للعراق أم سيجري تهميشه.
وفي حال تحقق مشروع توسعة خط أنابيب كركوك-جيهان فإنه سيُعيد رسم خريطة الطاقة في العراق، ويُعزز الروابط بين بغداد وأنقرة.
أما إذا فشل أو بقي مجرد اقتراح، فسينضم إلى قائمة طويلة من مشروعات خطوط الأنابيب الإقليمية التي وعدت بالتغيير الجذري، لكنها لم تتجاوز مجرد الإشارات السياسية.
ويتوقف نجاحه على الجوانب الهندسية والتمويلية، وعلى قدرة بغداد وأنقرة وأربيل على التوصل إلى تفاهم سياسي عملي.
* الدكتور أومود شوكري، الخبير الإستراتيجي في مجال الطاقة، الزميل الزائر الأول في جامعة جورج ميسون الأميركية، مؤلف كتاب "دبلوماسية الطاقة الأميركية في حوض بحر قزوين: الاتجاهات المتغيرة منذ عام 2001".
* هذا المقال يمثّل رأي الكاتب، ولا يعبّر بالضرورة عن رأي منصة الطاقة.
موضوعات متعلقة..
- تصدير النفط العراقي عبر "جيهان" التركي قريبًا.. وخطوة مهمة لتطوير الحقول
- متى تعود صادرات النفط العراقي إلى مستوياتها؟.. مسؤول يجيب
- مفاوضات لتصدير النفط العراقي عبر مضيق هرمز.. وخطة لإحياء أنبوب قديم
اقرأ أيضًا..
- أكبر الصفقات النفطية في مايو 2026.. قطر بالقائمة وظهور نادر للبحرين
- كم تستهلك مصر من النفط يوميًا؟
- 5 خبراء: الجزائر توظّف الطاقة لتعزيز نفوذها في أفريقيا





