تراجعت مصر رسميًا عن تنفيذ مشروع عملاق، كان يهدد آبار النفط والغاز في الصحراء الغربية، وتعطيل خطط التوسع في أنشطة الاستكشاف والإنتاج، مدفوعة بمخاوف بيئية واقتصادية واسعة.
وكشف المركز الإعلامي لمجلس الوزراء، عن نتائج تقييم شامل لمشروع ملء منخفض القطارة بمياه البحر المتوسط، بعد سنوات طويلة من الجدل والدراسات.
وأكد بيان -اطّلعت عليه منصة الطاقة المتخصصة- أن اللجنة الوزارية المتخصصة التي شُكّلت بقرار رقم 3433 لسنة 2016 انتهت إلى رفض فكرة ملء منخفض القطارة بمياه البحر، وترجيح سيناريو بديل لا يعتمد على تحويل المنخفض إلى خزان مائي.
ويأتي القرار في توقيت حسّاس بالنسبة لقطاع الطاقة المصري، بالتزامن مع استعداد القاهرة لطرح مناقصة ضخمة للمسح السيزمي في الصحراء الغربية قرب الحدود الليبية، ضمن خطط تستهدف جذب استثمارات جديدة في النفط والغاز، ووقف تراجع الإنتاج المحلي.
مشروع منخفض القطارة
بحسب الحكومة، خضعت مشروع منخفض القطارة لدراسات موسعة تناولت 5 سيناريوهات مختلفة للتنمية، شملت استغلال المنخفض لتخزين المياه، وتوليد الكهرباء، وتحلية المياه، وتنمية المناطق المحيطة.
وشملت السيناريوهات المقترحة:
- استغلال المنخفض بالكامل لتخزين المياه وتوليد الكهرباء.
- استغلال جزء من المنخفض وتحلية المياه للزراعة.
- إعادة المياه الفائضة إلى البحر بعد التحلية.
- عدم استعمال المنخفض خزانًا للمياه.
- الاعتماد على فرق المنسوب لتحلية المياه مباشرة.
وانتهت اللجنة إلى رفض السيناريوهات التي تعتمد على ملء المنخفض بمياه البحر، مع ترجيح السيناريو الرابع، الذي ينصّ على عدم استعماله خزانًا مائيًا، بسبب التداعيات البيئية والاقتصادية الضخمة.

ووضعت الحكومة ملف آبار النفط والغاز في الصحراء الغربية في مقدّمة أسباب رفض المشروع، بعدما أظهرت الدراسات أن ضخ مياه البحر داخل منخفض القطارة قد يؤدي إلى تعطيل أنشطة الاستكشاف والإنتاج بواحدة من أهم المناطق النفطية في مصر.
ووفق البيانات الرسمية، تتداخل منطقة المشروع مع 35 منطقة تنمية وإنتاج نفط، و8 مناطق استكشاف جديدة.
وحذّرت الدراسات من أن ملء المنخفض بمياه البحر قد يفرض تغيير مسارات خطوط نقل النفط والغاز، ما يرفع تكاليف التشغيل والإنتاج بصورة كبيرة، فضلًا عن احتمال فقدان احتياطيات نفطية غير مستغلة.
ورأت الحكومة أن المشروع قد يدفع شركات عالمية إلى العزوف عن الاستثمار في الصحراء الغربية، في وقت تحتاج فيه مصر بشدة إلى زيادة الإنتاج واستقطاب استثمارات جديدة.
مخاطر مشروع منخفض القطارة
لم تقتصر أسباب رفض مشروع منخفض القطارة على قطاع الطاقة فقط، إذ أكدت الدراسات أن المشروع يحمل مخاطر بيئية كبيرة، أبرزها:
- تسرب المياه المالحة إلى الخزانات الجوفية.
- تهديد الآبار العذبة في المناطق المحيطة.
- زيادة ملوحة التربة وتدهور الأراضي الزراعية.
- الإضرار بالمشروعات الزراعية القومية.
وحذّرت الحكومة من تداعيات خطيرة على واحة سيوة، التي تُعدّ من أهم المناطق البيئية في مصر، إذ قد يؤدي المشروع إلى تدمير النظم البيئية الصحراوية، والإضرار بأكثر من 40 نوعًا من النباتات البرية والطبية، و28 نوعًا من الثدييات النادرة، إضافة إلى 164 نوعًا من الطيور.
وتضم المنطقة أيضًا ثروات معدنية مهمة، من بينها خام البنتونيت والطفلة الكربونية، وهو ما عزّز الاتجاه نحو الحفاظ على المنطقة دون تغيير جذري لطبيعتها الجغرافية.

النفط والغاز في الصحراء الغربية
يمثّل الحفاظ على آبار النفط والغاز في الصحراء الغربية أولوية إستراتيجية بالنسبة للقاهرة، إذ تُعدّ المنطقة أكبر مركز لإنتاج النفط الخام في البلاد.
وتشير قاعدة بيانات منصة الطاقة المتخصصة إلى أن الصحراء الغربية تسهم بنحو 56% من إنتاج النفط الخام في مصر، و18% من إنتاج الغاز الطبيعي، في حين تستحوذ منطقة شرق المتوسط على 62% من إنتاج الغاز، ودلتا النيل على 19%.
وتحتضن الصحراء الغربية عددًا من أهم حقول النفط والغاز في مصر، أبرزها:
- حقل أبوالغراديق
- حقل بدر
- امتياز مليحة.
- حقل أركاديا.
- حقل غرب مليحة.
- حقل شمال روزا.
ونجحت شركة إيني الإيطالية خلال السنوات الأخيرة في تحقيق اكتشافات جديدة داخل منطقة مليحة، على بُعد 130 كيلومترًا من واحة سيوة.
وشهدت الصحراء الغربية نشاطًا ملحوظًا خلال السنوات الـ3 الأخيرة، مع استمرار الشركات العالمية في تحقيق اكتشافات جديدة، اعتمادًا على تقنيات الحفر الأفقي والتكسير المائي (الهيدروليكي).
وتعمل مصر على تطوير البنية التحتية للإنتاج والمعالجة في عدد من الحقول، خاصةً منطقة بدر 3، التي تستهدف رفع قدرة معالجة النفط إلى 30 ألف برميل يوميًا.
ويتزامن التراجع عن مشروع منخفض القطارة مع استعداد مصر لإطلاق مناقصة عالمية جديدة للمسح السيزمي في الصحراء الغربية قرب ليبيا.
وتهدف المرحلة الأولى من المشروع إلى تغطية أكثر من 50 ألف كيلومتر مربع، في خطوة تستهدف تعزيز البيانات الجيولوجية وفتح مناطق جديدة أمام الاستثمارات الأجنبية.
وترى مصر أن المناطق الغربية القريبة من الحدود الليبية تمتلك إمكانات واعدة لاحتياطيات النفط والغاز، ما يجعلها هدفًا رئيسًا للشركات العالمية.
شركات عالمية
تنشط في آبار النفط والغاز في الصحراء الغربية عدّة شركات كبرى، من بينها أباتشي الأميركية، وإيني الإيطالية، وكايرون بتروليوم، وخالدة للبترول، وعجيبة للبترول.
وتعوّل الحكومة على الصحراء الغربية في سدّ فاتورة الاستيراد، بعد تراجع إنتاج الغاز الطبيعي إلى نحو 4.1 مليار قدم مكعبة يوميًا، مقارنة باحتياجات يومية تصل إلى 6.2 مليار قدم مكعبة، وترتفع إلى 7.2 مليار قدم مكعبة خلال الصيف.
وتستهدف القاهرة استعادة موقعها مُصدّرًا للغاز بحلول عام 2027، مع خطط لرفع الإنتاج إلى 6.6 مليار قدم مكعبة يوميًا بحلول 2030.
وتُعدّ حماية مناطق الإنتاج الحالية -وخاصةً آبار النفط والغاز في الصحراء الغربية- أولوية قصوى للحكومة، التي باتت تفضّل تعظيم العائد من الموارد الطبيعية القائمة بدلًا من الدخول في مشروعات عالية المخاطر والتكلفة مثل مشروع منخفض القطارة.
وإلى جانب المخاطر البيئية والنفطية، أشارت الدراسات الحكومية إلى أن المشروع يتطلب استثمارات ضخمة لحفر قناة تربط البحر المتوسط بالمنخفض، مع تكاليف مرتفعة لتوليد الكهرباء من مساقط المياه مقارنة بمصادر الطاقة الأخرى.
ورأت اللجنة الوزارية أن المكاسب الاقتصادية المحتملة لا تبرر حجم المخاطر والتكاليف، خاصةً في ظل التطور السريع بقطاع الطاقة المتجددة وانخفاض تكلفة إنتاج الكهرباء من الشمس والرياح.
موضوعات متعلقة..
- نجاح حفر بئرين بالصحراء الغربية يدعم إنتاج النفط والغاز في مصر
- الصحراء الغربية في مصر.. اكتشافات متواصلة تعزّز الثروة النفطية منذ السبعينيات
نُرشّح لكم..
- مستجدات أسواق الغاز المسال العربية والعالمية في الربع الأول 2026 (ملف خاص)
- تقارير دورية وتغطيات لوحدة أبحاث الطاقة
- تغطية خاصة للحرب على إيران وتأثيراتها في أسواق الطاقة





