أهم المقالاتالمقالاترئيسيةمقالات النفطنفط

التنقيب عن النفط في أرامكو السعودية ولغز تطوّر النباتات الزهرية (مقال)

نواف الشمري

ربما يحمل تنوّع حبوب اللقاح القديمة التي عُثِر عليها جيولوجيّو أرامكو السعودية بالتكوينات الصخرية في شبه الجزيرة العربية، بعض الإجابات لأقدم الألغاز العلمية في تاريخ علم الأحياء منذ عصر داروين.

ذلك اللغز الذي أحاط بالظهور السريع للنباتات الزهرية قبل 125 مليون سنة، خلال العصر الطباشيري المبكر.

يسهم المختصون الجيولوجيون في أرامكو السعودية في أعمال التنقيب والإنتاج، بدءًا من مرحلة ما قبل الاكتشاف إلى مرحلة تحديد وضعية الآبار، وصولًا إلى الإنتاج.

وتحظى أرامكو السعودية بخبرات متراكمة في فهم باطن الأرض، يستمدها جيولوجيو الشركة جيلًا عن جيل، منذ أن أدرك كبير الجيولوجيين في الشركة عام 1936 ماكس ستاينكي الأعماقَ التي جعلت بئر الدمام رقم 7 المعروفة باسم "بئر الخير"، تتدفق بالنفط في المملكة في عام 1938، وترسي بذلك أسس النجاح في أرامكو.

التطور عمليةً تدريجيةً

بالعودة للكشف عن خبايا الماضي، فإن أحد الجوانب الرئيسة في نظرية داروين يشير إلى التطوّر بصفته عملية تدريجية تحدث خلال مدة طويلة.

إلّا إن التطوّر المفاجئ والسريع للنباتات الزهرية خلال العصر الطباشيري المبكر، شكّل تحديًا لهذا المفهوم.

وقد وصفه داروين نفسه بأنه "اللغز الفظيع"، وعلى الرغم من استمرار الأبحاث لعقود طويلة، لم يُتوصل إلى الأسباب الكامنة وراء هذا التطوّر المتسارع حتى الآن.

لكن الدراسة العلمية التي أجراها الجيولوجي في أرامكو السعودية، الدكتور هاني بوخمسين، للتكوينات الصخرية في شبه الجزيرة العربية ضمن بحثه لرسالة الدكتوراه في جامعة غرب أستراليا، قدّمت رؤى محتملة حول واحدة من المفارقات العالقة منذ مدة طويلة في نظرية التطوّر لتشارلز داروين.

فقد سلّط البحث الأخير الذي أجراه الدكتور بوخمسين مع باحثين من جامعة غرب أستراليا، والمنشور في مجلة أيرث ساينس ريفيوز، ضوءًا جديدًا على هذا اللغز الذي حيّر العلماء لقرون.

حيث تناولت دراسته تحليل عينات من حبوب اللقاح المستخرجة من تكوينات البياض والشعيبة في المملكة العربية السعودية، تعود إلى العصر الطباشيري المبكر.

وأظهرت النتائج وجود تنوّع استثنائي في حبوب لقاح النباتات الزهرية، متجاوزةً بذلك التنوّع الموجود في السجلات المعاصرة من أوروبا وأميركا الشمالية.

أرامكو السعودية

دور مبكر في التطور

يشير هذا الاكتشاف إلى أن منطقة شبه الجزيرة العربية قد تكون أدت دورًا في المراحل الأولى من تطوّر النباتات الزهرية وتنوّعها.

وقاده هذا الاكتشاف إلى اقتراح أن الأرخبيل والجزر الواقعة قبالة الصفيحة العربية كانت مهد نشوء النباتات الزهرية.

فخلال العصر الطباشيري المبكر، شهدت الصفيحة العربية مناخًا دافئًا وأمطارًا موسمية، أدت إلى ظهور العديد من الأنهار التي تدفقت إلى المحيط وشكلت "دلتاوات" واسعة، ترسّبت فيها طبقات رملية كثيفة.

وقد أدت هذه العملية إلى ترسّب المكامن الهيدروكربونية وإنشاء غابة شاسعة في الجزيرة العربية، وخلق بيئة مناسبة لنمو النباتات الزهرية وتنوّعها.

رأى الدكتور بوخمسين في نموذجه الأول أنه خلال فترات انخفاض مستوى مياه البحر، كانت الطيور المهاجرة والزواحف الطائرة تؤدي دورًا في نشر بذور النباتات الزهرية بين الجزر في المنطقة.

ومع عودة مستوى البحر إلى الارتفاع لاحقًا، عُزلت هذه الجزر، وهو ما أسهم في نشوء تطوّر نوعي وتنوّع النباتات الزهرية، ونتج عنه أنظمة بيئية مشابهة لتلك الموجودة في أرخبيل هاواي.

ماذا يفترض النموذج الثاني؟

أمّا النموذج الثاني، فيفترض أن البحيرات وغيرها من المسطحات المائية الممتدة على طول الساحل العربي قد هيّأت بيئات معزولة سهّلت تطوّر النباتات الزهرية المائية، مما أدى في نهاية المطاف إلى عزلها وتطوّرها وتنوّعها.

إن دمج المعرفة المستمدة من علم البالينولوجي أو ما يُعرَف بعلم الأحافير العضوية، مع الرؤى المكتسبة من التخصصات الجيولوجية والجيوفيزيائية الأخرى، قد أسهم في تحقيق العديد من التطبيقات العملية على مرّ السنين.
كما ينطوي دمج الأدوات الرقمية والذكاء الاصطناعي في سير العمل لدينا على إمكان تعزيز فهمنا لباطن الأرض.

ويعمل فريق التحوّل الرقمي في أرامكو السعودية بدأب على تحويل كمية كبيرة من البيانات الورقية القديمة وشرائح الأحافير، التي تعود إلى عصر ماكس ستاينكي، إلى صيغ رقمية لتمكين أنظمة الذكاء الاصطناعي من الاستفادة منها.

استعمال الذكاء الاصطناعي في قطاع التنقيب

كما نتطلّع إلى تعزيز قدرات الذكاء الاصطناعي في مجالات متعددة، مثل الدمج السريع لمجموعات البيانات الجيولوجية الضخمة بغرض إعادة بناء صورة أكثر شمولًا ودقة لجيولوجيا باطن الأرض.

ومن خلال ذلك، يمكن أن يساعدنا الذكاء الاصطناعي في سد الفجوات المعرفية بفهمنا لباطن الأرض، مما يفضي في النهاية إلى تنبؤات أكثر دقة واتخاذ قرارات مدروسة بشكل أفضل.

ومع ذلك، فمن المهم تأكيد أن خبرة علمائنا الجيولوجيين ستظل ركيزة أساس من ركائز نجاحنا، وسيسهم الذكاء الاصطناعي في تعزيز قدراتنا ومساعدتنا على العمل بكفاءة أكبر وتقليص مدة المشروعات.

وكما يتضح من عملنا في مجال علم البالينولوجي، فإن تعزيز فهمنا لباطن الأرض يدعم جهود أرامكو السعودية في مجال التنقيب عن الطاقة، بل ويسهم أيضًا في فهم الوسط العلمي لتاريخ الأرض وتطوّرها والتفاعل المعقّد بين الجيولوجيا والمناخ والمنظومات البيئية.

نواف الشمري.. رئيس قسم الحلول الجيولوجية في أرامكو السعودية

* هذا المقال يعبّر عن رأي الكاتب، ولا يعبّر بالضرورة عن رأي منصة الطاقة.

موضوعات متعلقة..

نرشّح لكم..

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق