أنس الحجي: الصين هي الهدف الرئيس من العقوبات على إيران.. وهذا ردها
أحمد بدر

برزت الصين بوصفها الطرف الأكثر حضورًا خلف المشهد المتعلق بالعقوبات الأميركية الجديدة على إيران، في وقت اتجهت فيه التداعيات إلى أسواق النفط والطاقة العالمية، وسط تساؤلات حول الهدف الحقيقي من الإجراءات ومدى تأثيرها في التجارة الإيرانية.
وفي هذا السياق، لفت مستشار تحرير منصة الطاقة المتخصصة، خبير اقتصادات الطاقة الدكتور أنس الحجي، إلى أن العقوبات الجديدة تحمل أبعادًا تتجاوز إيران، موضحًا أن قراءة تفاصيلها تكشف عن استهداف مباشر لمصالح بكين النفطية والتجارية بوضوح.
وأوضح الحجي أن الصين تحركت خلال الفترة الماضية بعيدًا عن التصريحات العلنية؛ إذ ركزت على بناء مخزونات النفط والغاز والفحم والمعادن، واتخذت خطوات احترازية متعددة، في حين استمر موقفها السياسي هادئًا تجاه التطورات والعقوبات الأميركية الجديدة.
وأشار إلى أن أزمة مضيق هرمز كشفت بدورها عن صمت أوروبي لافت، رغم تعرُّض اقتصادات القارة لضغوط كبيرة، موضحًا أن استمرار الأزمة قد يفاقم تكاليف الطاقة والدعم الحكومي، ويزيد أعباء الديون في دول أوروبية عديدة.
جاءت تلك التصريحات خلال حلقة جديدة من برنامج "أنسيّات الطاقة"، قدّمها أنس الحجي الثلاثاء 25 أغسطس/آب على مساحات منصة "إكس" بعنوان: "العقوبات الأميركية الجديدة: إيران الواجهة... والصين الهدف؟"، وذلك لمناقشة تداعيات العقوبات في الأسواق اليوم.
العقوبات على إيران تستهدف مصالح بكين
لفت أنس الحجي إلى أن السؤال الأهم يتمثّل في سبب إعلان الصين استعدادها للرد، رغم أن العقوبات على إيران لم تُفرض عليها مباشرة، موضحًا أن الإجابة تظهر عند تفكيك تفاصيل الإجراءات والجهات المستهدفة وسلاسل التجارة المرتبطة بها.
وأكد أن الهدف النهائي من العقوبات، وفق قراءته، ليس الاقتصاد الإيراني وحده، ولا البرنامج النووي، ولا حتى صادرات النفط الإيرانية، بل المصالح المرتبطة بالاقتصاد المحلي، وهو ما يفسّر الموقف المعلن غير المعتاد.
وأوضح أن التحركات السابقة اتسمت بالهدوء؛ إذ لجأت الصين إلى تعزيز المخزونات وتنويع أدوات التحوّط بدل الدخول في مواجهة سياسية مباشرة، قبل أن تدفع العقوبات الجديدة إلى إعلان موقف أكثر وضوحًا تجاه واشنطن مجددًا.

وأضاف أنس الحجي أن الموقف الكندي قدم نموذجًا مشابهًا، بعدما ردت أوتاوا على الرسوم الأميركية بإجراءات مقابلة، في وقت يواجه فيه الرئيس دونالد ترمب إشكاليات متزامنة مع كندا، ما يزيد حساسية المرحلة المقبلة بوضوح.
وبيّن أن طبيعة الردود المقبلة ستحدد جانبًا مهمًا من أثر العقوبات في الأسواق، لأن رد إيران قد يترك تداعيات على الملاحة والطاقة، في حين قد يحمل رد الصين تأثيرات أوسع في التجارة وتدفقات النفط العالمية حاليًا.
وحذّر من أن تقييم العقوبات بمعزل عن ردود الأطراف المستهدفة قد يقود إلى استنتاجات غير دقيقة، موضحًا أن التأثير المباشر للإجراءات الجديدة يبدو محدودًا، لكن التداعيات المحتملة تتغير إذا تصاعدت المواجهة سياسيًا وتجاريًا خلال الفترة المقبلة.
بكين تتحرك عبر المخزونات
ذكر أنس الحجي أن الصين بنت خلال الأشهر الماضية مخزونات من النفط والغاز والفحم والمعادن، في تحرك هادئ يعكس استعدادًا للتعامل مع اضطرابات الأسواق، بدل انتظار نتائج العقوبات أو الاكتفاء بالمواقف السياسية العلنية بصورة مستمرة.
وكشف عن أن المعلومات المتداولة عن انخفاض صادرات إيران إلى بكين تحتاج إلى قدر كبير من الحذر، لأن بيانات التجارة الفعلية يصعب تحديدها بدقة، خصوصًا مع وجود شحنات نفطية تُجمّع وتُنقل في البحر.
وأوضح أن أكثر من 30 ناقلة كانت تحمل النفط الإيراني قرب ماليزيا، وفق المعلومات التي أشار إليها، لكن وجهة هذه الشحنات لا يمكن تحديدها بسهولة قبل دخولها الأسواق النهائية، ما يعقّد تقدير الواردات من الصين بدقة أكبر.

وشدّد أنس الحجي على أن الصين تستطيع من الناحية النظرية العيش دون النفط الإيراني، وأن المشكلة الأساسية بالنسبة إلى طهران تكمن في محدودية عدد المشترين القادرين على استيعاب كميات كبيرة من صادراتها النفطية.
وأفاد بأن الصين خفّضت وارداتها النفطية بصورة كبيرة خلال الأشهر الأخيرة بسبب ارتفاع الأسعار، مشيرًا إلى أن حجم الخفض تراجع من نحو 6 ملايين إلى قرابة 4.5 أو 5 ملايين، ما قلّص حاجة السوق إلى شحنات إضافية.
وفسّر أن انخفاض الطلب الصيني يجعل خيارات إيران محدودة؛ إذ لا توجد أسواق بديلة تستوعب بسهولة الكميات المتاحة، ولذلك قد يكون إبقاء النفط في الخليج أو المواني أكثر منطقية من إرسال الناقلات إلى مناطق معرّضة للمخاطر.
وأشار الحجي إلى أن مشكلة إيران في تصدير النفط لا ترتبط بالحظر الأميركي وحده؛ إذ تستطيع طهران استعمال أساليب تهريب معروفة منذ سنوات، في حين تظل العقبة الأساسية مرتبطة بالطلب الفعلي وقدرة المشترين على استيعاب الشحنات في الأسواق العالمية.
مخاطر التصعيد في الأسواق
حذّر أنس الحجي من أخطاء متداولة في الإعلام الغربي والعربي بشأن التجارة النفطية، مؤكدًا أن غياب البيانات الدقيقة حول مسارات الشحن يجعل الحديث عن انخفاض صادرات إيران إلى الأسواق الآسيوية بحاجة إلى تدقيق أكبر وأوسع بكثير حاليًا.
وقال إن التأثير المباشر للعقوبات الجديدة يبدو محدودًا على الاقتصاد الإيراني وسعر العملة، لأن بعض الأفراد والجهات المستهدفة بالعقوبات لا توجد معلومات واضحة عن أماكن وجودهم، ما يجعل تنفيذ الإجراءات أكثر تعقيدًا في الميدان.
وأكد أن المشكلة الحقيقية تبدأ إذا قررت بكين الرد، لأن بكين تدرك أنها مستهدفة، وقد يؤدي ذلك إلى انتقال الأزمة من نطاق العقوبات على إيران إلى مواجهة أوسع تمس التجارة والطاقة والأسواق الدولية خلال الفترة المقبلة.

وأوضح أنس الحجي أن إيران لا تحتاج بالضرورة إلى رد مباشر على العقوبات، ما دام لديها تأثير قائم في مضيق هرمز، موضحًا استمرار مرور السفن، مع بقاء مشكلات التأمين وارتفاع تكاليف الشحن من أبرز التداعيات.
ولفت إلى أن بعض التقديرات الأميركية لكميات النفط التي تمر عبر هرمز تبدو مبالغًا فيها، موضحًا أن بيانات التتبع البحري تختلف عن أرقام عدد السفن، خصوصًا عندما تنتقل الحمولة من ناقلة إلى أخرى في البحر.
وشرح أن البحرية الأميركية قد ترى ناقلتَيْن خلال عملية نقل النفط بين السفن، فتتعامل معهما بوصفهما شحنتَيْن، في حين تكون الحمولة في الحقيقة واحدة، وهو ما قد يؤدي إلى تضخيم تقديرات التدفقات اليومية عبر المضيق بصورة ملحوظة.
وانتقد الحجي رقم 20 مليون برميل يوميًا الذي جرى تداوله بشأن النفط المار عبر هرمز والأنابيب، موضحًا أن هذا المستوى يتجاوز الكميات السابقة للأزمة، ولا يتناسب مع مستويات الإنتاج الحالية، ما يثير علامات استفهام كبيرة.
نرشّح لكم..
- ملف خاص عن مستجدات أسواق الغاز المسال العربية والعالمية
- ملف خاص عن الطاقة الشمسية في الدول العربية
- ملف خاص عن المناجم في الدول العربية
- شركة بتروكيماويات سعودية توزع 13.8 مليون دولار أرباحًا عن النصف الأول 2026
- حقول النفط والغاز في المغرب.. كنز من الاحتياطيات وتطوير غائب (ملف خاص)
- صادرات النفط الإيرانية تستعد لمواجهة عقوبات ترمب الاقتصادية.. ما الخطوة القادمة؟ (مقال)
المصدر:





