أنس الحجي: أزمة الطاقة العالمية جزء من مشكلة "هرمز".. وهذه علاقة الديون الأميركية
أحمد بدر

تتصاعد أزمة الطاقة العالمية مع استمرار تداعيات التوترات في مضيق هرمز، بالتزامن مع ضغوط متزايدة على الاقتصاد الأميركي وسوق الديون، ما يفتح الباب أمام علاقة متشابكة بين أسعار الطاقة والتضخم والفائدة والإنفاق الحكومي والدين العام.
وفي هذا السياق، أوضح مستشار تحرير منصة الطاقة المتخصصة، خبير اقتصادات الطاقة الدكتور أنس الحجي، أن أزمة الطاقة جزء من أزمة هرمز، وتتداخل مع أزمة الديون الأميركية مباشرة، إذ إنّ تجاوز الدين الأميركي 40 تريليون دولار أعاد الملف إلى الواجهة مجددًا.
وربط الحجي أزمة الطاقة العالمية بتوجهات الرئيس الأميركي دونالد ترمب، موضحًا أنه يفضّل تاريخيًا أسعار الفائدة المنخفضة وأسعار النفط المنخفضة، وهو ما يضع الإدارة الأميركية أمام معادلة صعبة عندما تتعارض أهداف خفض التكلفة مع تداعيات ارتفاع الأسعار.
وأوضحَ أن ارتفاع أسعار الفائدة يرفع تكلفة خدمة الدين الأميركي، لأن الحكومة تعتمد على إصدار السندات للاقتراض، بينما تؤدي زيادة العوائد إلى تضخم الفوائد السنوية، في وقت تتوسع فيه احتياجات الخزانة للتمويل وتزداد أعباء الموازنة.
جاءت التصريحات خلال حلقة من برنامج "أنسيات الطاقة"، قدّمها أنس الحجي عبر مساحات منصة التواصل الاجتماعي "إكس" (تويتر سابقًا) بعنوان: "العقوبات الأمريكية الجديدة: إيران الواجهة... والصين الهدف؟"، وتناولت أزمة الطاقة العالمية وتداعيات العقوبات.
أزمة هرمز والديون الأميركية
قال أنس الحجي، إن الحكومة الأميركية تواجه الآن أزمة ديون متصاعدة، بالتزامن مع ارتفاع أسعار الطاقة، موضحًا أن صعود الأسعار يولد تضخمًا يدفع الدائنين للمطالبة بعوائد أعلى، وهو ما يتعارض مع رغبة الإدارة في خفض الفائدة.
وأوضح أن أزمة الطاقة العالمية وارتفاع التضخم تجعل خفض أسعار الفائدة أكثر صعوبة، لأن الدائن يريد عائدًا يتجاوز التضخم، في حين تضغط الإدارة الأميركية ووزارة الخزانة والبنك المركزي باتجاه تكاليف اقتراض أقل لتخفيف أعباء الدين المتزايدة خلال الآونة الحالية.
وأشار إلى أن أزمة الطاقة ترتبط بأزمة هرمز عبر الإنفاق العسكري الأميركي، إذ يؤدي استمرار الوجود العسكري في المنطقة إلى زيادة النفقات الحكومية، ومن ثم ارتفاع الاحتياجات التمويلية وتفاقم الدين كلّما طال أمد التوتر، في وقت تظل فيه الأسواق شديدة الحساسية لأيّ تطورات جيوسياسية.

وذكر أنس الحجي أن أزمة الطاقة العالمية وارتفاع أسعار الوقود يرفعان التضخم على الأسر والشركات الأميركية، وقد يؤدي تباطؤ الاقتصاد إلى تراجع الإيرادات الضريبية، ما يوسّع عجز الموازنة ويدفع الحكومة إلى الاقتراض لتغطية النفقات والمحافظة على مستوى الإنفاق.
وبيّنَ أن استمرار أزمة الطاقة العالمية في رفع الأسعار يضغط على المالية الأميركية من مسارين متزامنين، هما زيادة التضخم وارتفاع تكاليف الاقتراض، في حين يصعب على الإدارة تحقيق خفض الفائدة مع استمرار الضغوط الناجمة عن الطاقة بوضوح.
ولفت إلى أن أزمة الطاقة لا تمثّل عبئًا على الموازنة فقط، بل تؤثّر أيضًا في قدرة الحكومة على دعم مشروعات الطاقة، موضحًا أن ارتفاع التكاليف ونقص الموارد قد يقللان الإعانات ويؤخران تنفيذ المشروعات والتقنيات الجديدة.
وتابع أن أزمة الطاقة العالمية تمتد آثارها إلى برامج الطاقة النووية والمتجددة وبعض المشروعات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، إذ قد يؤدي تراجع الدعم الحكومي إلى تأجيل الاستثمارات، ما ينعكس على سرعة تطوير تقنيات الطاقة وتوسيع قدراتها المستقبلية.
وأكد أن أزمة الطاقة العالمية والعلاقة بين الديون والطاقة لا تسيران في اتجاه واحد، فارتفاع تكاليف الطاقة يضغط على المالية العامة، وارتفاع تكلفة الدين يحدّ من قدرة الحكومة على تمويل مشروعات الطاقة، لتتكون حلقة متشابكة يصعب فصل عناصرها.
تأثير الأسعار في الدولار والأسواق
قال أنس الحجي، إن الإشكال الأكبر يتمثل في تأثير ارتفاع أسعار الطاقة العالمية في وزارة الخزانة الأميركية، لأن النفط يُسعَّر بالدولار، وكذلك الغاز المسال غالبًا، ما يجعل حركة الأسعار مؤثرة في التجارة وميزان المدفوعات للدول المستوردة.
وأضاف أن أزمة الطاقة العالمية تتقاطع مع واقع الولايات المتحدة، التي تعدّ أكبر منتج للنفط عالميًا، كما أصبحت مؤخرًا أكبر مصدر للنفط والغاز المسال، ولذلك فإن ارتفاع الأسعار وزيادة الصادرات قد يدعمان الدولار، رغم رفض الإدارة الأميركية ارتفاع الدولار.
وربطَ أزمة الطاقة العالمية بقوة الدولار، موضحًا أن ارتفاع أسعار النفط والغاز وصادرات الولايات المتحدة قد يزيد الطلب على العملة الأميركية، بينما يؤدي ذلك إلى ضغوط على عملات الدول الأخرى وتراجع قدرتها الشرائية في أسواق الطاقة.

وأشار أنس الحجي إلى أن أزمة الطاقة وتداعيات ارتفاع الدولار ظهرت في اقتصادات متقدمة ونامية، مستشهدًا بالين الياباني والروبية الهندية، إلى جانب عملات دول مثل بنغلاديش وباكستان وفيتنام، ما يعكس اتّساع تأثير التحولات المالية الأميركية في الأسواق العالمية.
وأوضح أن أزمة الطاقة العالمية قد تخفض الطلب العالمي على النفط والغاز المسال عندما تتراجع العملات أمام الدولار، لأن الدول المستوردة تدفع تكلفة أعلى لشراء الكميات نفسها، وهو ما يضغط على الاستهلاك ويزيد صعوبة التعافي الاقتصادي.
وذكرَ أن أزمة الطاقة العالمية واستمرار ارتفاع عوائد السندات الأميركية قد يدفعان المستثمرين الأجانب، حكومات وشركات، إلى تحويل أموالهم نحو الولايات المتحدة، بحثًا عن عوائد أعلى، ما يزيد الطلب على الدولار ويضع ضغوطًا إضافية على عملات الدول الأخرى.
وقال، إن انتقال رؤوس الأموال إلى الولايات المتحدة يضعف قدرة الدول التي خرجت منها الأموال على شراء الكميات نفسها من الطاقة، لأن ارتفاع عوائد السندات الأميركية يقترن بقوة الدولار، فتزداد تكلفة الواردات النفطية والغازية على المستوردين.
وأكد الحجي أن أزمة الطاقة أصبحت جزءًا من مشكلة هرمز، لأن استمرار التوتر يرفع الإنفاق العسكري ويضغط على الأسعار، بينما تنتقل التداعيات إلى التضخم والفائدة والدين والأسواق المالية، بما يجعل معالجة كل ملف منفردًا أكثر صعوبة.
مخرج الحلقة المفرغة بين الطاقة والدين
خلص أنس الحجي إلى أن الحلقة المفرغة بين الطاقة والدين والتضخم وأسعار الفائدة لا تجد مخرجًا سهلًا في المدى القريب، مشيرًا إلى أن انتهاء أزمة هرمز يمكن أن يكسر جانبًا مهمًا من هذه الضغوط المتداخلة خلال المرحلة المقبلة.
واستبعد أن تنتهي التداعيات بمجرد إعلان سياسي أو انتهاء يوم من التوتر، موضحًا أن آثار الأزمة تتراكم عبر الأسواق والميزانيات والاستثمارات، ولذلك فإن العودة إلى التوازن تحتاج وقتًا حتى بعد انحسار السبب المباشر للأزمة تدريجيًا.
ورجّح أن يكون الركود الاقتصادي الكبير أحد المسارات القادرة على كسر الحلقة المفرغة، لأنّ تراجُع الطلب قد يخفض أسعار الطاقة والتضخم، ثم يتيح مساحة أكبر لخفض الفائدة، لكن توقيت حدوث ذلك يظل محل خلاف بين الخبراء.
وأوضح أن الركود، في حال حدوثه، قد يعيد ترتيب العلاقة بين أسعار الطاقة والدين وأسواق السندات، لكنه يحمل في المقابل تكاليف اقتصادية واجتماعية كبيرة، ما يجعل اللجوء إليه مخرجًا اضطراريًا، وليس حلًا مرغوبًا للسياسات العامة.

وشدّد خبير اقتصادات الطاقة على أن إنهاء أزمة هرمز يظل المسار المباشر لتخفيف جانب كبير من الضغوط الحالية، لكنه لن يمحو تلقائيًا آثار التضخم والدين وارتفاع العوائد، إذ تحتاج الأسواق إلى وقت لاستيعاب التحولات وإعادة تسعير المخاطر بمرور الوقت.
وأفاد بأن استمرار الأزمة يعني بقاء الضغوط على أسعار الطاقة والإنفاق العسكري وسوق السندات، في حين قد يؤدي توقّفها إلى تخفيف هذه الضغوط تدريجيًا، لذلك تتحدد سرعة التعافي وفق مدة الأزمة ومدى انتقال آثارها إلى الاقتصاد العالمي.
وأكد أنّ تشابك أسواق الطاقة والمال يفسر صعوبة التعامل مع أزمة هرمز بوصفها أزمة إمدادات فقط، إذ تتداخل معها حركة الدولار والسندات والتضخم والنمو، ما يجعل تداعياتها أوسع من سوق النفط والغاز وحده في الأسواق الدولية.
واختتم الدكتور أنس الحجي تحليله بتأكيد أن الأزمة الحالية تدور داخل حلقة مترابطة، وأنّ كسرها يحتاج إلى تغيُّر جوهري في أحد أطرافها، سواء عبر إنهاء أزمة هرمز أو حدوث تباطؤ اقتصادي كبير يعيد التوازن تدريجيًا على المدى المتوسط.
نرشّح لكم..
- ملف خاص عن مستجدات أسواق الغاز المسال العربية والعالمية
- ملف خاص عن الطاقة الشمسية في الدول العربية
- ملف خاص عن المناجم في الدول العربية
- شركة بتروكيماويات سعودية توزع 13.8 مليون دولار أرباحًا عن النصف الأول 2026
- حقول النفط والغاز في المغرب.. كنز من الاحتياطيات وتطوير غائب (ملف خاص)
- صادرات النفط الإيرانية تستعد لمواجهة عقوبات ترمب الاقتصادية.. ما الخطوة القادمة؟ (مقال)
المصدر:





