إيرادات روسيا من النفط والغاز.. إغلاق هرمز يحول الضائقة المالية إلى مكاسب (مقال)
فيلينا تشاكاروفا – ترجمة: نوار صبح

- إغلاق مضيق هرمز حوّل أزمة مالية وشيكة إلى مكسب استثنائي في الإيرادات
- بحلول يوليو 2026 ارتفعت إيرادات النفط والغاز الشهرية إلى 934 مليار روبل
- تجدد تبادل الهجمات أدى إلى ارتفاع سعر خام برنت إلى 85 دولارًا أميركيًا
- سينوبك كانت تستورد ما يقرب من نصف احتياجاتها من النفط الخام من الشرق الأوسط
شهدت إيرادات روسيا من النفط والغاز مؤخرًا تطورات لافتة، إذ حوّل إغلاق مضيق هرمز الأزمة المالية إلى مكاسب استثنائية عززت موقف البلاد.
وبين شهري يناير/كانون الثاني ومارس/آذار 2026 كانت موسكو تواجه توقعات بعجز كبير يقارب 8 تريليونات روبل (96 مليار دولار)، مع انخفاض إيرادات النفط والغاز الإضافية بمقدار 569.7 مليار روبل لتصل إلى ما دون الصفر.
وبحلول يوليو/تموز المنصرم، ارتفعت إيرادات روسيا من النفط والغاز الشهرية إلى 934 مليار روبل -وهو أعلى مستوى شهري في العام- وتجاوزت الإيرادات المخططة للأشهر الـ7 بمقدار 133 مليار روبل.
وأدى سحب ما يقارب خُمس تدفقات النفط والغاز المسال المنقولة بحرًا من السوق إلى استعادة علاوة جيوسياسية لأسعار النفط الخام، وإعادة توجيه الطلب الآسيوي نحو النفط الروسي، وتوسيع هامش المناورة الإستراتيجي لموسكو في الوقت الذي بدأت فيه العقوبات الغربية تؤثر فيها.
(روبل روسي = 0.012 دولارًا أميركيًا)
مكاسب إيرادات روسيا من النفط والغاز
تعتمد المكاسب الاستثنائية لإيرادات روسيا من النفط والغاز على حقيقة جيوسياسية واحدة قابلة للتغيير، وهي أن مضيق هرمز ما يزال مغلقًا.
ويجري حاليًا وضع اللمسات الأخيرة على اتفاق مؤقت مدته 60 يومًا بين واشنطن وطهران ومسقط.
وفي حال استؤنفت حركة الشحن فإن هذه الزيادة ستتلاشى، فقد انخفض سعر خام الأورال إلى ما بين 52 و55 دولارًا للبرميل وفقًا لتوقعات الاتفاق، وهو أقل بكثير من 54.40 روبلًا للبرميل التي افترضتها الموازنة.
نتيجة لذلك، فإن الوضع المالي لروسيا في النصف الثاني من عام 2026 مرهون بعملية سلام لا تملك فيها روسيا دورًا رسميًا، ولكنها تُفضلها بصورة واضحة.

التحول المالي
تكشف بيانات وزارة المالية الروسية للمدة من يناير/كانون الثاني إلى يوليو/تموز 2026 عن قصة إنقاذ بفضل صدمة خارجية.
وبلغت إيرادات روسيا من النفط والغاز خلال الأشهر الـ7 نحو 4.5947 تريليون روبل، أي أقل بنسبة 16.8% عن العام السابق، إلا أن الفجوة تتقلص شهرًا بعد شهر.
وجاء التحول الحاسم بعد اندلاع الحرب في الشرق الأوسط أواخر فبراير/شباط الماضي، وما تلاها من إغلاق مضيق هرمز، ما دفع إيرادات روسيا من النفط والغاز الإضافية من منطقة العجز الشديد إلى تحقيق فائض للشهر الرابع على التوالي بحلول يوليو/تموز المنصرم، إذ بلغت 291.9 مليار روبل.
وبلغ إجمالي إيرادات يوليو/تموز المنصرم 934 مليار روبل، مسجلًا زيادة بنسبة 36.6% عن يونيو/حزيران الماضي، ومكسبًا سنويًا بنسبة 18.6%، وهو أعلى رقم شهري منذ بداية العام.
ويعكس هيكل إيرادات روسيا من النفط والغاز كلًا من تأثير الأسعار والأثر المتبقي لانخفاض الإيرادات على المدى الطويل، فقد ارتفعت إيرادات ضريبة استخراج المعادن بنسبة 9.2% على أساس سنوي لتصل إلى 692.2 مليار روبل في يوليو/تموز المنصرم.
وظلت إيرادات ضريبة استخراج المعادن على مدى 7 أشهر أقل بنسبة 10.9% من مستويات عام 2025، في غضون ذلك بلغت مدفوعات آلية التخفيف لشركات النفط -وهي التكلفة المالية لحماية سوق الوقود المحلي من الأسعار العالمية- 210.6 مليار روبل في يونيو/حزيران الماضي، وهو رقم قياسي لما بعد عام 2023، قبل أن تتراجع في يوليو/تموز المنصرم.
وتتوقع وزارة التنمية الاقتصادية أن تبلغ إيرادات روسيا من النفط والغاز للعام بأكمله 8.9 تريليون روبل، وهو توقع يتطلب متوسط أسعار خام الأورال فوق 70 دولارًا في النصف الثاني من العام.
ويرى محللون مستقلون أن نطاقًا يتراوح بين 45 و70 دولارًا أكثر واقعية نظرًا للعقوبات وحدود الأسعار وقيود الخدمات اللوجستية للأسطول غير الرسمي، ما يعني نتيجة أكثر تحفظًا تتراوح بين 8 و8.5 تريليون روبل أو أقل.
ويمثل الفرق بين هذه السيناريوهات -ما يقرب من نصف تريليون روبل- الاحتمال الضمني للسوق لنجاح اتفاق مضيق هرمز.
أسعار النفط: الجغرافيا السياسية تطغى على العوامل الأساسية
يُظهر تحرك أسعار النفط في يوليو/تموز كيف طغت المخاطر الجيوسياسية على توازن العرض والطلب بوصفها آلية التسعير المهيمنة.
ودخل خام برنت الشهر بسعر يتراوح بين 71 و72 دولارًا أميركيًا، وسط مشاورات أميركية إيرانية بناءة في قطر وتعافي حركة عبور مضيق هرمز لتتجاوز 10 ملايين برميل يوميًا.
وبحلول منتصف يوليو/تموز المنصرم، أدى تجدد الهجمات، وإعلان طهران إغلاق المضيق حتى إشعار آخر، وإعادة واشنطن فرض الحصار البحري -مصحوبًا بفرض رسوم جمركية بنسبة 20% على مالكي ناقلات النفط الأجنبية لتمويل المرافقة العسكرية- إلى ارتفاع سعر خام برنت إلى 85 دولارًا أميركيًا.
وفي 24 يوليو/تموز المنصرم، تجاوز سعر البرميل 100 دولار أميركي، مدفوعًا بانهيار حركة عبور المضيق من 30-50 سفينة يوميًا إلى 4-8 سفن، وتهديدات الحوثيين لممر باب المندب.

وشهد مطلع أغسطس/آب الجاري انعكاسًا في الأسعار، وأدت التقارير عن اتفاق وشيك بين الولايات المتحدة وإيران وسلطنة عمان إلى انخفاض سعر خام برنت بأكثر من 7% خلال أسبوع، إذ استقرت العقود الآجلة عند نحو 78-84 دولارًا.
ويُعدّ هيكل الاتفاق المقترح لافتًا للنظر لما يكشفه عن النظام الناشئ في الخليج العربي، ستعبر حركة الملاحة القادمة من إيران الطريق الشمالي عبر المياه الإيرانية، بينما ستعبر حركة الملاحة المغادرة من إيران الطريق الجنوبي عبر المياه العُمانية.
وتطالب إيران برسوم عبور بنسبة 7% على جميع السفن التجارية، في حين تقدمت الولايات المتحدة بعرض مضاد بنسبة 5%.
والأهم من ذلك، بالنسبة إلى هذا التحليل، هو إعفاء السفن الروسية والصينية من الرسوم تمامًا.
إن هذا الإعفاء ليس تفصيلًا تقنيًا، بل هو مؤشر على انقسام النظام البحري، فحتى في إطار اتفاق تتوسط فيه الولايات المتحدة، تحصل إيران على أولوية المرور عبر أهم ممر مائي للطاقة في العالم.
وما يزال موقف طهران العلني متشددًا، إذ يصر وزير الخارجية عباس عراقجي على عدم وجود مفاوضات مباشرة، وأن إعادة فتح الحدود يعتمد على تغيير سلوك الولايات المتحدة، وأن التعويض عن الضربات الأميركية على الأراضي الإيرانية شرط أساسي.
ويُبرز هجوم الحوثيين على مصفاة جازان التابعة لشركة أرامكو السعودية في 9 أغسطس/آب -بعد يومين من توقيع الرياض اتفاقية دفاعية مع تركيا وباكستان- وإعلان شركة أدنوك الإماراتية تعرض 15 سفينة تابعة لها لهجمات في المضيق منذ بدء الحرب، مدى هشاشة أي هدنة لمدة 60 يومًا.
ويُعدّ تقييم المخاطر الهيكلية سليمًا، فحتى الاتفاقية المُبرمة رسميًا تحمل احتمالية عالية للتعطيل أو التنفيذ غير الكامل، لأنها مؤقتة بطبيعتها ومشروطة بسلوك الولايات المتحدة.
سقف إنتاج أوبك+
يُفهم قرار تحالف أوبك+ برفع سقف الإنتاج النفطي لشهر سبتمبر/أيلول المقبل بمقدار 188 ألف برميل يوميًا -استكمالًا لخفض الإنتاج الطوعي البالغ 1.65 مليون برميل يوميًا- على أنه إدارة رمزية للتوزيع وليس سياسة إمداد فعلي.
وارتفعت حصة روسيا بمقدار 62 ألف برميل يوميًا لتصل إلى 9.949 مليون برميل يوميًا، وهو مستوى تعترف به التعليقات الروسية نفسها بأنه متفائل للغاية لأسباب تقنية بحتة.
وبالنسبة إلى منتجي الخليج العربي المعرضين لهجمات الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية، فإن السقوف الجديدة طموحة في أحسن الأحوال، إذ تُعد استعادة مستويات الإنتاج والإمدادات اللوجستية لما قبل الحرب بحلول منتصف عام 2027 إنجازًا بحد ذاته.
ويستحق التقييم الروسي الصريح لمنطق التحالف اهتمامًا خاصًا، فليس لأي منتج رئيس -لا الولايات المتحدة أو الصين أو الهند أو حتى إيران- مصلحة في كارثة سوقية شاملة، وما ستؤدي إليه الأسعار المرتفعة للغاية من انهيار الطلب.
وتُشكل الزيادات في الإنتاج "على الورق" معيارًا وإشارةً إلى خفض مُدار للتصعيد، حتى مع استمرار نقص السوق الفعلي، بما يُقدر بنحو 4-6 ملايين برميل يوميًا بعد احتساب خفض الصين وارداتها بمقدار 4.5 مليون برميل يوميًا.
وهذا هو منطق أزمة التخصيص في أنقى صوره، يُدار النظام سياسيًا من خلال الإشارات والتنسيق بين أعضاء التحالف، لأن آلية توازن السوق قد انهارت.
ويؤكد السحب من احتياطي النفط الإستراتيجي الأميركي -2.85 مليون برميل إضافية الأسبوع الماضي، ليصل الاحتياطي إلى 304.8 مليون برميل، وهو أدنى مستوى له منذ عام 1983- أن واشنطن تستنفد مخزونها الاحتياطي الفعلي الأخير بوتيرة قياسية.

مشتريات آسيا من النفط
يتمثل الأثر الثانوي لإغلاق مضيق هرمز في إعادة ترتيب هيكلية لمشتريات آسيا من النفط الخام لصالح روسيا.
وتجدر الإشارة إلى أن شركة سينوبك الصينية التي كانت قبل الحرب من أكبر عملاء السعودية، وكانت تستورد ما يقرب من نصف احتياجاتها من النفط الخام من الشرق الأوسط، لم تشترِ أي شحنات سعودية في يونيو/حزيران أو يوليو/تموز الماضيين.
واكتفت الشركة بمليوني برميل فقط في أغسطس/آب الجاري، مقابل متوسط شهري قبل الحرب بلغ 11 مليون برميل.
وبدلًا من ذلك، تعاقدت الشركة على 30-40 شحنة من خام إسبو للتسليم بين يوليو/تموز المنصرم وسبتمبر/أيلول المقبل، أي ما يقارب 241 ألفًا إلى 320 ألف برميل يوميًا، وهو ما يعادل 5-6% من قدرتها التكريرية.
ويُباع خام إسبو المُخصص للتحميل في سبتمبر/أيلول المقبل بخصم يتراوح بين دولار واحد ودولارين أميركيين عن خام برنت، أي أرخص بنحو 10 دولارات أميركية من البدائل العُمانية أو البرازيلية.
في المقابل، فإن النقل لمسافات قصيرة من الشرق الأقصى الروسي يوفر ضمانًا للتسليم لم تعد شحنات الخليج قادرة على توفيره.
وإن تدفقات الدفع باليوان عبر وسطاء مصممة لتجنب الكيانات الخاضعة للعقوبات بعد انتهاء الإعفاء الأميركي المؤقت، الذي سمح لشركة سينوبك باستئناف عمليات الشراء في الربيع.
* فيلينا تشاكاروفا، متخصصة في الشؤون السياسية بالدول المنتجة للطاقة.
* هذا المقال يمثّل رأي الكاتبة، ولا يعبّر بالضرورة عن رأي منصة الطاقة.
موضوعات متعلقة..
- إيرادات روسيا من النفط والغاز تهبط 24%.. والتحديات تتفاقم بسبب الهند
- إيرادات روسيا من النفط والغاز تتراجع.. وغموض يخيّم على 2026 (مقال)
- إيرادات روسيا من النفط والغاز.. مكاسب استثنائية في ظل أزمة الشرق الأوسط (مقال)
اقرأ أيضًا..
- تغطية خاصة للحرب على إيران وتأثيراتها في أسواق الطاقة
- التقارير الدورية لوحدة أبحاث الطاقة
- الهيدروجين في الدول العربية (ملف خاص)





