حل واحد لأزمة مضيق هرمز.. وتفاصيل أحداث مصفاة جازان السعودية (تقرير)
أحمد بدر

يفرض مضيق هرمز نفسه على واجهة المشهد الجيوسياسي، مع تصاعد الحديث عن مقترحات لإدارة الممر الملاحي الحيوي، في وقت تتشابك فيه أزمات الطاقة والأمن البحري، وسط تحذيرات من أن أي تغيير في قواعد الملاحة ستكون له تداعيات واسعة على الأسواق العالمية.
وقال مستشار تحرير منصة الطاقة المتخصصة، خبير اقتصادات الطاقة الدكتور أنس الحجي، إن أي مقترحات تمنح إيران دورًا في تقاسم إدارة المضيق أو فرض ترتيبات تمنحها نفوذًا إضافيًا لن تحقق الاستقرار، فالحل الوحيد يتمثّل في حرية الملاحة الكاملة دون سيطرة أي طرف.
وأوضح أن مضيق هرمز يختلف جذريًا عن "ملقا"، رافضًا المقارنات التي تتحدث عن إمكان تطبيق نموذج التعاون القائم بين إندونيسيا وماليزيا وسنغافورة، لأن الاتفاق هناك يقوم على التنسيق البيئي والأمني وحرية الملاحة دون فرض رسوم أو استعمال المضيق ورقة ضغط سياسية.
وأضاف أن المشهد الإقليمي يتجاوز مجرد الخلاف حول البرنامج النووي الإيراني؛ إذ تتقاطع أزمات البحر الأحمر والخليج والبحر الأسود مع اضطرابات أسواق الطاقة العالمية، ما يعكس حالة أكثر تعقيدًا تستدعي قراءة أشمل للأحداث بدل حصرها في ملف واحد.
جاءت تلك التصريحات خلال حلقة جديدة من برنامج "أنسيّات الطاقة"، قدّمها أنس الحجي على مساحات منصة التواصل الاجتماعي "إكس" تحت عنوان: "أوجه أزمة الطاقة العالمية.. 3 بحار و3 مصافٍ و3 أسواق".
رفض مقترحات تقاسم إدارة المضيق
قال أنس الحجي إن المقترح العُماني المتداول بشأن تقاسم إدارة الممر الملاحي ومنح إيران بعض الإيرادات الاختيارية لا يملك فرصًا حقيقية للنجاح، لأن أساس الاستقرار البحري يقوم على حرية الملاحة الكاملة وعدم منح أي دولة سلطة استثنائية على الممرات الدولية.
وأوضح أن التجارب التاريخية أثبتت أن أي محاولة للسيطرة على الممرات البحرية الإستراتيجية تؤدي إلى زيادة التوترات بدلًا من احتوائها، وهو ما يجعل العودة إلى المبادئ التقليدية للملاحة الدولية الخيار الأكثر واقعية واستدامة.
في الوقت نفسه، وفق الحجي، يجب أن يبقى مضيق هرمز مفتوحًا كما كان طوال العقود الماضية، لأن أي ترتيبات تمنح طرفًا واحدًا قدرة على التأثير في حركة السفن ستنعكس مباشرة على تجارة الطاقة والاقتصاد العالمي.

وأشار خبير اقتصادات الطاقة إلى أن البعض يستشهد بتجربة مضيق ملقا بوصفها نموذجًا يمكن تكراره، إلا أن المقارنة تفتقر إلى الأساس الواقعي، لاختلاف الظروف السياسية والأمنية بين المنطقتين بصورة كبيرة.
وأضاف أن التعاون بين إندونيسيا وماليزيا وسنغافورة، بمشاركة تايلاند في الجوانب الأمنية، يستند إلى تنسيق مشترك لحماية الملاحة والبيئة والسلامة البحرية، وليس إلى فرض النفوذ أو استعمال المضيق لتحقيق مكاسب سياسية.
بالإضافة إلى ذلك، لفت الحجي إلى أن اتفاق مضيق ملقا لا يمنح أي دولة حق الضغط على الآخرين عبر تعطيل الملاحة أو فرض الرسوم، وهو ما يجعله مختلفًا كليًا عن الطروحات المتعلقة بإيران.
واختتم هذا المحور بتأكيد أن الفوارق الجوهرية بين الحالتَين تجعل كل المبادرات الحالية معرّضة للفشل، لأن المطالب الإيرانية تتجاوز بكثير فلسفة التعاون البحري المعمول بها في الممرات الدولية الأخرى.
أزمات البحار الـ3 وأسواق الطاقة
قال أنس الحجي إن التطورات الأخيرة ينبغي قراءتها ضمن إطار أوسع يشمل البحر الأحمر والخليج والبحر الأسود، معتبرًا أن الأزمات المتزامنة في هذه المناطق تعكس تغيرًا كبيرًا في البيئة الجيوسياسية للطاقة.
بالإضافة إلى ذلك، وفق الحجي، فإن مضيق هرمز لا يمكن عزله عن بقية التطورات، لأن اضطراب أي ممر بحري رئيس ينعكس تلقائيًا على بقية طرق التجارة وسلاسل الإمداد العالمية.
وأضاف أن الهجمات الأخيرة على منشآت سعودية حملت دلالات لافتة، بعدما تعرّضت المملكة لضغوط من الشرق والغرب، قبل أن تأتي الضربات من اتجاه ثالث، في مؤشر على اتساع نطاق التحديات الأمنية.

وأشار أنس الحجي إلى أن استمرار الهجمات الأوكرانية على منشآت النفط الروسية، بالتزامن مع ضعف ردود الفعل الدولية، يثير تساؤلات حول طبيعة المرحلة الحالية، وما إذا كانت هناك ترتيبات أكبر تتشكّل في خلفية المشهد.
كما أكّد مستشار تحرير منصة الطاقة أن المؤشرات الاقتصادية المنتظر صدورها عن الربع الثاني قد تكشف عن صورة أكثر قتامة للأسواق، خصوصًا مع استمرار ارتفاع أسعار الطاقة في أوروبا إلى مستويات تاريخية.
وعن الإنفاق الأوروبي الضخم على الدعم المالي، قال الحجي إنه يمثّل في جوهره نقلًا للثروة من المستقبل إلى الحاضر، وهو ما سيترك أعباء اقتصادية متراكمة على الأجيال المقبلة، فأبناء الأوروبيين الحاليين سيجوعون.
في الوقت نفسه، أشار إلى أن تفسير كل التطورات العالمية عبر الملف النووي الإيراني وحده لا يعكس حقيقة المشهد، لأن الأزمة الحالية أكثر تشعبًا وترتبط بمجموعة واسعة من المتغيرات الجيوسياسية والاقتصادية.
حقيقة ما حدث في جازان
قال أنس الحجي إن مضيق هرمز لم يكن القضية الوحيدة التي استغلها البعض لإثارة المخاوف؛ إذ شهدت منصات التواصل الاجتماعي موجة واسعة من المقاطع المضلّلة التي زعمت إظهار دمار شامل في مصفاة جازان عقب الهجوم الأخير.
وأوضح أن معظم مقاطع الفيديو المتداولة كانت قديمة وتعود إلى أعوام مختلفة أو لحوادث وقعت في أماكن أخرى، في حين لم يكن صحيحًا سوى مقطع واحد أظهر أعمدة دخان قرب مبنى سكني مؤقت داخل المنطقة.
وأكّد أن صور الأقمار الاصطناعية المتاحة بعد مرور أسبوع على الهجوم أظهرت استمرار انبعاث الحرارة من خزان واحد فقط، وهو ما لا يعني احتراق المصفاة بالكامل كما روجت بعض الحسابات.

وأضاف أنس الحجي أن الأقمار الاصطناعية التابعة لوكالة ناسا ترصد درجات الحرارة المرتفعة، إلا أن هذه القراءات قد تنتج عن عمليات حرق الغاز المصاحبة لتوقف المصفاة، وليس بالضرورة بسبب استمرار الحرائق.
وأشار إلى أن إيقاف تشغيل أي مصفاة يفرض التخلص من الغاز عبر الحرق المؤقت لأسباب تشغيلية، وهو إجراء معروف في الصناعة النفطية ويؤدي إلى ظهور بقع حرارية كبيرة في صور الأقمار الاصطناعية.
وأوضح أن مضيق هرمز ظل حاضرًا في خلفية التغطيات الإعلامية، في حين استغلّت بعض الجهات تلك الصور لتضخيم حجم الأضرار، سواء بدافع العداء للمملكة أو بهدف التأثير في أسعار النفط العالمية.
واختتم بتأكيده أن إصابة بعض الخزانات لا تعني انهيار المصفاة، لأن المنشآت النفطية الضخمة صُمّمت لاستيعاب مثل هذه الحوادث، منتقدًا نشر صور لحرائق مبانٍ أوروبية على أنها تعود إلى جازان، واصفًا ذلك بأنه تضليل لا يستند إلى أي أساس مهني.
موضوعات متعلقة..
- أنس الحجي: صناعة النفط تواجه تراجع الكفاءات.. والذكاء الاصطناعي لن يحل الأزمة
- أنس الحجي: إغلاق مضيق هرمز مؤثر في الذكاء الاصطناعي والوقود الحيوي
- الذكاء الاصطناعي بقطاع الطاقة في 2025.. 5 دول عربية تتصدر التحول
اقرأ أيضًا..
- ملف خاص عن أسواق الغاز المسال العربية والعالمية
- تغطية خاصة للحرب على إيران وتأثيراتها في أسواق الطاقة
- تقارير دورية وتغطيات لوحدة أبحاث الطاقة
المصدر:





