إغلاق باب المندب.. ورقة طهران لتوسيع المواجهة مع العرب والعالم (مقال)
أحمد بدر

لم يعد إغلاق باب المندب مجرد احتمال عسكري في خضم المواجهة المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران، بل أصبح كابوسًا يؤرّق العالم، فهو ورقة ضغط إستراتيجية قد تغيّر موازين الاقتصاد العالمي إذا قررت طهران نقل الصراع إلى أهم شرايين التجارة والطاقة في العالم.
وتتجاوز الأزمة حدود الاشتباك بين إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب والحرس الثوري الإيراني، لأن اتساع رقعة المواجهة يمنح طهران فرصة لاستغلال حلفائها الإقليميين، وفي مقدمتهم جماعة الحوثي في اليمن، لفرض معادلة ردع جديدة تستهدف المصالح الاقتصادية قبل العسكرية.
ولا يقتصر خطر إغلاق باب المندب على تعطيل الملاحة في البحر الأحمر، بل يمتد إلى سلاسل الإمداد العالمية؛ إذ تعتمد الأسواق على هذا الممر في نقل كميات ضخمة من النفط الخام والغاز الطبيعي المسال والسلع الإستراتيجية، بما يجعل أي اضطراب فيه سريع الانعكاس على الأسعار.
وتكشف التطورات الأخيرة عن أن التهديد لم يعد نظريًا، بعدما أعلنت جماعة الحوثي حصارًا بحريًا للسفن السعودية، وتحدثت عن استهداف ناقلات نفط، في حين أظهرت بيانات تتبع السفن استمرار عبور ناقلتَيْن تحملان نحو 4 ملايين برميل من الخام السعودي عبر المضيق رغم المخاطر الأمنية.
لهذا، فإن التعامل مع الأزمة بوصفها مجرد مواجهة بحرية سيكون قراءة قاصرة، لأن أي خطأ في الحسابات قد يحوّل البحر الأحمر إلى ساحة صراع اقتصادي عالمي، تتجاوز تداعياته المنتجين والمستهلكين، لتصل إلى كل دولة تعتمد على التجارة البحرية في تأمين احتياجاتها.
من هرمز إلى باب المندب.. كيف تتوسع المواجهة؟
منذ اندلاع المواجهة المباشرة بين واشنطن وطهران في شهر فبراير/شباط من العام الجاري 2026، بدا واضحًا أن إيران لن تحصر خياراتها في الخليج العربي، بل ستسعى إلى توسيع ساحات الضغط، مستفيدة من شبكة الحلفاء التي بنتها خلال سنوات في أكثر من جبهة إقليمية.
ويمنح البحر الأحمر هذه الإستراتيجية قيمة استثنائية، لأنه يربط بين المحيط الهندي وقناة السويس، ويمثّل الطريق الأقصر لوصول صادرات الطاقة الخليجية إلى الأسواق الأوروبية، فضلًا عن حركة التجارة المتبادلة بين آسيا وأوروبا، والموفرة أيضًا للوقت والمال.
لذلك، فإن إغلاق باب المندب لا يُقرأ على أساس أنه خطوة حوثية مستقلة، بل بوصفه جزءًا من معادلة ردع أوسع، تُستغل فيها الممرات البحرية لإيصال رسالة مفادها أن استمرار الضغط العسكري على إيران سيقابله ضغط اقتصادي عالمي أشد تأثيرًا.

وتعزّز التطورات الأخيرة هذا الاحتمال، بعدما لوّحت الجماعة بتوسيع دائرة الاستهداف لتشمل السفن المرتبطة بالمصالح السعودية، في حين حذّرت شركات متخصصة في المخاطر البحرية من احتمال اتساع تعريف تلك السفن، ليشمل ناقلات ترفع أعلامًا أجنبية وتحمل شحنات سعودية.
وفي المقابل، استمرت ناقلات النفط في العبور، وهو ما يعكس رغبة الأسواق وشركات الشحن في تجنّب توقف التجارة، لكن استمرار الحركة لا يعني غياب الخطر، لأن مجرد ارتفاع احتمالات الاستهداف يكفي لإرباك شركات النقل والتأمين.
كما أن أخطر ما في هذه المرحلة ليس وقوع هجوم واسع النطاق، وإنما استمرار حالة عدم اليقين؛ إذ تؤدي الضبابية الأمنية إلى رفع علاوات المخاطر، حتى قبل حدوث أي تعطيل فعلي للإمدادات أو توقف كامل لحركة الملاحة.
أسواق الطاقة أمام اختبار غير مسبوق
لا تنظر أسواق الطاقة إلى إغلاق باب المندب بوصفه توقفًا لممر ملاحي فحسب، بل تراه مؤشرًا لاحتمال انقطاع جزء من الإمدادات العالمية للطاقة، وهو ما يدفع أسعار النفط إلى الارتفاع حتى قبل وقوع أي تعطيل فعلي للشحنات.
ويكفي تعرّض ناقلة نفط واحدة لهجوم كبير، أو وقوع تسرّب نفطي واسع، حتى تعيد شركات التأمين العالمية تقييم المخاطر، وترفع أقساط تأمين الحرب، وهو ما ينعكس مباشرة على تكاليف النقل وأسعار النفط والغاز والسلع.
ولا تقف الزيادة عند أسعار الطاقة، لأن إغلاق باب المندب سيدفع شركات الشحن إلى تحميل المستوردين والمصدرين تكاليف إضافية، لتنتقل هذه الزيادات تدريجيًا إلى أسعار الغذاء والمواد الخام والمنتجات الصناعية في مختلف الأسواق.

وتُعد أوروبا من أكثر المناطق حساسية لهذا السيناريو، لأنها تعتمد بصورة كبيرة على التجارة البحرية مع آسيا، في حين تواجه اقتصاداتها أصلًا ضغوطًا تضخمية وتباطؤًا اقتصاديًا، ما يجعل أي زيادة جديدة في تكاليف النقل عبئًا إضافيًا على المستهلكين.
أما الاقتصادات الآسيوية، وفي مقدمتها الهند والصين واليابان وكوريا الجنوبية، فستجد نفسها أمام معادلة أكثر تعقيدًا؛ إذ يعتمد جزء كبير من أمنها الطاقي على استمرار تدفق الشحنات عبر البحر الأحمر دون تأخير أو ارتفاع كبير في تكاليف التشغيل.
ولا ينبغي إغفال أن الأسواق المالية تتفاعل مع التوقعات أكثر من الوقائع، لذلك فإن مجرد استمرار التهديدات أو الغموض الأمني قد يكون كافيًا لدفع المضاربين إلى رفع رهاناتهم على صعود النفط، حتى إذا استمرت الإمدادات في التدفق بصورة طبيعية.
تحول التجارة العالمية إلى رهينة للممرات البحرية
تكمن خطورة إغلاق باب المندب في أنه لا يستهدف دولة بعينها، بل يصيب قلب منظومة التجارة العالمية؛ لأن هذا الممر يربط بين آسيا وأوروبا عبر قناة السويس، ويختصر آلاف الأميال البحرية التي يصعب تعويضها سريعًا.
ومع ارتفاع مستوى المخاطر، ستلجأ شركات الملاحة إلى مراجعة جداولها التشغيلية، وإعادة توزيع السفن، وتأجيل بعض الرحلات، في حين ستعيد شركات التأمين تسعير العقود وفقًا لاحتمالات التعرّض للهجمات، وهو ما يزيد الضغوط على حركة التجارة.
وفي الوقت نفسه، قد تستمر بعض الناقلات في العبور رغم التهديدات، كما حدث أخيرًا مع ناقلتَيْن تحملان نحو 4 ملايين برميل من النفط الخام السعودي، لكن استمرار الحركة اليوم لا يضمن بقاءها غدًا إذا اتسعت دائرة التصعيد.

ويتحول المشهد هنا من أزمة أمنية إلى أزمة ثقة؛ فكلما ازدادت احتمالات التصعيد ارتفع عدد الشركات التي تفضّل الابتعاد عن المنطقة، حتى دون وجود قرار رسمي بإغلاق الملاحة، خشية الخسائر البشرية والمالية.
كما أن العقود طويلة الأجل في قطاع النقل البحري تجعل أي تغيير في المسارات أو المواني عملية معقّدة، تتطلّب إعادة ترتيب الاتفاقيات التجارية وسلاسل الإمداد، وهو ما يضاعف تكلفة أي اضطراب يمتد لأسابيع أو أشهر.
ولا يبدو أن العالم يمتلك رفاهية تجاهل هذا السيناريو، لأن الاقتصاد العالمي خرج لتوه من أزمات متلاحقة، وأي صدمة جديدة في النقل البحري قد تُعيد موجات التضخم إلى الواجهة، وتبدّد المكاسب التي حقّقتها الاقتصادات خلال العامَيْن الماضيَيْن.
المسارات البديلة... حلول ممكنة لكنها باهظة الثمن
إذا أصبح إغلاق باب المندب واقعًا لفترة طويلة، فلن تتوقف التجارة العالمية بالكامل، لكنها ستنتقل إلى بدائل أكثر تعقيدًا وأعلى تكلفة، وهو ما يعني أن الأزمة ستتحول من مشكلة أمنية إلى عبء اقتصادي عالمي طويل الأمد.
ويأتي طريق رأس الرجاء الصالح في مقدمة هذه البدائل؛ إذ تضطر السفن إلى الدوران حول القارة الأفريقية بدلًا من عبور البحر الأحمر وقناة السويس، ما يضيف ما بين عشرة وأربعة عشر يومًا إلى الرحلات بين آسيا وأوروبا.
ولا تعني الأيام الإضافية مجرد تأخير في وصول الشحنات، بل تعني استهلاكًا أكبر للوقود، وزيادة أجور الأطقم، وارتفاع تكاليف تشغيل السفن، فضلًا عن انخفاض كفاءة الأساطيل البحرية نتيجة طول دورة الرحلة الواحدة.
كما تمتلك بعض الدول المنتجة للنفط بدائل برية جزئية، من أبرزها خط الأنابيب السعودي "شرق-غرب" (بترولاين)، الذي ينقل الخام من المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، بما يخفّف الاعتماد على مضيق هرمز.

غير أن هذا الحل لا يُنهي المشكلة بالكامل، لأن الشحنات الخارجة من ينبع والمتجهة إلى الأسواق الآسيوية ستظل بحاجة إلى المرور عبر البحر الأحمر، ما يعني أن إغلاق باب المندب سيبقى عقبة رئيسة أمام وصولها إلى وجهاتها.
ولهذا، فإن البدائل المتاحة تخفّف حجم الصدمة، لكنها لا تلغيها، في حين تظل تكلفتها أعلى بكثير من المسارات الطبيعية، وهو ما سينعكس في النهاية على أسعار النفط، وتكلفة النقل، وأسعار السلع للمستهلك النهائي.
إن أخطر ما في هذا السيناريو ليس مجرد إغلاق مضيق بحري، وإنما تحوّل الممرات الإستراتيجية إلى أدوات ضغط في صراع جيوسياسي مفتوح؛ إذ تصبح التجارة العالمية رهينة الحسابات العسكرية، وتغدو أسواق الطاقة أول المتضررين من أي تصعيد.
ولذلك، فإن تجنّب هذا السيناريو لا يمثّل مصلحة للدول العربية وحدها، بل للعالم بأسره، لأن أمن البحر الأحمر لم يعد قضية إقليمية، وإنما إحدى أهم ركائز استقرار الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد والتجارة الدولية.
ويبقى الدرس الأهم أن الحروب الحديثة لم تعد تُقاس بعدد الصواريخ أو الطائرات فقط، بل بقدرة الأطراف المتصارعة على تعطيل الاقتصاد العالمي. وإذا أصبحت الممرات البحرية ساحات مواجهة فإن تكلفة السلام ستكون دائمًا أقل بكثير من تكلفة الحرب.
موضوعات متعلقة..
- الصراع بين الصين وأميركا يتفاقم.. ودور مهم لمضيقي هرمز وباب المندب (تقرير)
- هبوط تجارة النفط العالمية عبر مضيق باب المندب 50%.. قناة السويس الخاسر الأكبر
اقرأ أيضًا..
- مستجدات أسواق الغاز المسال في النصف الأول 2026
- التقارير الدورية لوحدة أبحاث الطاقة
- موسوعة الطاقة لحقول النفط والغاز





