كيف تأثرت أسعار النفط بأزمة البحار الـ3 والإمدادات السعودية؟.. أنس الحجي يجيب
أحمد بدر

تبدو أسعار النفط أمام اختبار معقّد بفعل اضطرابات الملاحة وتراجع الإمدادات، لكن قراءة حركة السوق لا تتوقف عند مشاهد الحرائق والانفجارات التي تتصدر التغطية الإعلامية، إذ يرى خبراء الطاقة أن عوامل العرض كانت أكثر تأثيرًا خلال الآونة الأخيرة.
وفي هذا السياق، قال مستشار تحرير منصة الطاقة المتخصصة (مقرّها واشنطن)، خبير اقتصادات الطاقة الدكتور أنس الحجي، إن تفسير تحركات السوق يحتاج إلى النظر في حجم المعروض العالمي، بدلًا من ربط كل صعود أو هبوط بحدث أمني ظاهر.
وأوضح أن أسعار النفط ارتفعت خلال الشهر الماضي من مستويات السبعينيات إلى حدود 120 دولارًا للبرميل، في حين اقتربت الأسعار في بعض الأسواق الآسيوية من 140 دولارًا، مُرجعًا ذلك أساسًا إلى انخفاض كبير في المعروض النفطي العالمي.
وأشار إلى أنّ توقُّف صادرات النفط السعودي عبر مضيق باب المندب والبحر الأحمر وقناة السويس، بفعل ضربات الحوثيين للسفن وتوقُّف خط أنابيب، شكّل عاملًا أساسيًا، لكنه لم يكن العامل الوحيد وراء ارتفاع الأسعار في تلك المدة.
جاءت تصريحات الحجي خلال حلقة جديدة من برنامجه الأسبوعي "أنسيات الطاقة"، الذي يقدّمه عبر مساحات منصة التواصل الاجتماعي "إكس"، وجاءت بعنوان: "أسعار النفط والديزل في ظل أزمة البحار الثلاثة والعقوبات الروسية وحظر تصدير الديزل"
أسباب ارتفاع أسعار النفط في أغسطس
لفت أنس الحجي إلى أن الإعلام يركّز غالبًا على المشاهد المثيرة، مثل الانفجارات والحرائق، حتى عندما لا يكون الحدث مرتبطًا مباشرة بتدفقات الخام. وضرب مثالًا باحتراق خزان وقود في مصفاة جازان، مؤكدًا أن ذلك لا يعني توقُّف صادرات الخام.
وبيّن الحجي أن أسعار النفط لا تتحرك بالضرورة بسبب كل حادث أمني يحظى بتغطية واسعة، موضحًا أن مصفاة جازان لا تصدر الخام، ومن ثم فإن احتراق خزان وقود فيها لا يفسر وحده تحركات السوق العالمية بوضوح.
وأضاف أن الحديث عن اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة بوصفها سببًا مباشرًا لهبوط السوق يفتقر -في رأيه- إلى تفسير اقتصادي واضح، لأن الاجتماعات السياسية العامة لا تغيّر المعروض أو الطلب العالمي بصورة فورية في ذلك الوقت.

وأشار أنس الحجي إلى أن أسعار النفط شهدت خلال المدة نفسها انخفاضًا كبيرًا في صادرات أكثر من 14 دولة، شمل النفط الخام والمنتجات النفطية، وهو ما أحدث فجوة ملموسة في الإمدادات، وأسهم في دفع الأسعار إلى مستويات مرتفعة.
وأكد أن السوق استفادت من انخفاض الإمدادات في دول عدّة خارج الشرق الأوسط، بينها النرويج وأنغولا وفنزويلا والسنغال وغانا والأرجنتين وكولومبيا، إضافة إلى ليبيا، ما جعل أثر نقص المعروض أوسع من أزمة الملاحة وحدها بصورة واضحة.
وأوضح أن التجار كانوا قد أخذوا في حساباتهم مخاطر انخفاض حركة السفن عبر مضيق هرمز قبل أشهر، ولذلك لا يمكن -وفق الحجي- تحميل هذا العامل وحده مسؤولية القفزة السعرية التي شهدتها الأسواق خلال الشهر الماضي.
وقال، إن أسعار النفط بدأت في التراجع عندما عادت إمدادات عدد كبير من الدول التي سجلت انخفاضًا في الشهر السابق إلى التحسن، مشيرًا إلى زيادات في صادرات المكسيك وأنغولا وفنزويلا والنرويج وغايانا، ما خفّف ضغوط النقص.
ورأى أن أسعار النفط ترتبط في هذه الحالة بعلاقة بسيطة من منظور توازن السوق؛ فهبوط المعروض يرفع الأسعار، في حين يؤدي ارتفاع الإمدادات إلى خفضها، مع بقاء عوامل المخاطر الجيوسياسية مؤثّرة في حجم الحركة واتجاهها.
زيادة المعروض تضغط على الأسعار
أوضح أنس الحجي أن الأسعار لم تنخفض بصورة أكبر، رغم الزيادة الكبيرة في المعروض، لأن مستوى المخاطر ما زال مرتفعًا، خصوصًا مع استمرار التوترات المرتبطة بالممرات البحرية ومصادر الإمداد الرئيسة حول العالم خلال تلك المرحلة.
وبيّن أن أسعار النفط تأثرت بعودة الإمدادات، وأن الدول غير الشرق أوسطية التي شهدت تراجعًا سابقًا في الإنتاج عادت ورفعت إنتاجها، وقدرت الزيادة بنحو 900 ألف برميل يوميًا، وهي كمية كبيرة تكفي لتغيير ميزان المعروض العالمي خلال مدة قصيرة.
وأضاف أن السوق تأثرت كذلك بزيادة إمدادات السعودية والعراق والإمارات عبر مضيق هرمز، ومع جمع هذه الزيادات بنمو المعروض من الدول الأخرى، بلغ إجمالي الزيادة نحو 3.5 مليون برميل يوميًا، وفق تقديره.

وأشار أنس الحجي إلى أن أسعار النفط لم تهبط أكثر، لأن حجم المعروض زاد، لكنه لم ينعكس بهبوط مماثل في الأسعار، بسبب بقاء المخاطر مرتفعة، مؤكدًا أن قراءة السوق تحتاج إلى الفصل بين تأثيرات الإمدادات الفعلية ومخاطر النقل المتوقعة.
وأكد الحجي أن السوق النفطية تواجه مجموعة مخاطر بحرية لا تقتصر على البحر الأحمر والخليج، إذ يرى أن البحر الأسود يمثّل عنصرًا مهمًا جرى تجاهله طويلًا في كثير من التغطيات والتحليلات المتعلقة بالسوق.
ولفت إلى أن أسعار النفط تأثرت أيضًا بانخفاض صادرات روسيا وقازاخستان، الذي وصل في أحد الأوقات إلى نحو 3 ملايين برميل يوميًا، بالتزامن مع الهجمات الأولى للحوثيين على مصفاة جازان، في حين لم يحدث انخفاض مماثل بصادرات السعودية.
وقال، إن السوق كانت تتأثر أيضًا بما يحدث في البحر الأسود، إذ يرى أن التركيز الإعلامي على مصفاة جازان صرف الانتباه عن اضطرابات الإمدادات في منطقة أخرى، رغم أن أثرها على السوق يمكن أن يكون واسعًا بصورة مباشرة.
وأوضح أن الحديث عن أزمة البحار الثلاثة يجب أن يشمل المخاطر التي تحيط بالبحر الأحمر والخليج والبحر الأسود، لأنّ تعطُّل الإمدادات أو الصادرات في أيٍّ من هذه المسارات قد ينعكس على توازن السوق خلال الآونة الأخيرة.
البحر الأسود ضمن معادلة الإمدادات
أشار أنس الحجي إلى أن أسعار النفط شهدت في الشهر الماضي صعودًا مدفوعًا أساسًا بتراجع المعروض من مجموعة واسعة من الدول، وليس فقط بسبب هجمات الحوثيين أو المخاطر المرتبطة بالممرات البحرية في منطقة الشرق الأوسط.
وأضاف أن تصريحات ترمب خلال الأسبوع الماضي ساعدت في إعادة تسليط الضوء على مخاطر البحر الأسود، بعدما رأى أن وسائل الإعلام كانت تمنح هذا الملف اهتمامًا أقل مقارنة بأحداث البحر الأحمر والخليج.
وأوضح أن بعض وسائل الإعلام الأوروبية تركّز على المخاطر البيئية والانسيابات النفطية المرتبطة بالحرب في الخليج وبحر عمان، في حين لا تمنح الحوادث المماثلة في البحر الأسود القدر نفسه من التغطية، وفق طرحه.

ولفت أنس الحجي إلى أن هذا التفاوت في التغطية يرتبط بمواقف أوروبية داعمة لأوكرانيا، لكنه شدّد ضمنيًا على أن تقييم أثر أيّ حادث على السوق يجب أن يستند إلى حجم الإمدادات المتضررة في التغطيات الدولية.
وأكد أن السوق النفطية في المرحلة الحالية تعكس مزيجًا من عودة الإنتاج في دول متعددة، واستمرار المخاطر الجيوسياسية، واضطرابات الشحن، وهي عوامل تتداخل معًا، لكن وزن كل عامل يتغير بحسب تطورات المعروض الفعلي.
وبيّن أن الزيادة في المعروض تفسر جانبًا أساسيًا من التراجع الأخير، في حين تمنع المخاطر المرتفعة حدوث انخفاض أكبر، ما يجعل السوق شديدة الحساسية لأيّ تغيُّر جديد في الإنتاج أو الصادرات أو حركة الناقلات.
وختم الحجي بأن تحركات السوق لا يمكن تفسيرها من خلال حادث واحد أو صورة لافتة في وسائل الإعلام، بل عبر متابعة التغيرات الفعلية في الإنتاج والصادرات والمخزونات ومسارات التجارة، مع وضع المخاطر الجيوسياسية في سياقها الصحيح.
نرشّح لكم..
- ملف خاص عن مستجدات أسواق الغاز المسال العربية والعالمية
- ملف خاص عن الطاقة الشمسية في الدول العربية
- ملف خاص عن المناجم في الدول العربية
- شركة بتروكيماويات سعودية توزع 13.8 مليون دولار أرباحًا عن النصف الأول 2026
- حقول النفط والغاز في المغرب.. كنز من الاحتياطيات وتطوير غائب (ملف خاص)
- صادرات النفط الإيرانية تستعد لمواجهة عقوبات ترمب الاقتصادية.. ما الخطوة القادمة؟ (مقال)
المصدر:





