الطاقة النووية في السعودية تنتعش باتفاق تاريخي مع أميركا

تتجه خطط الطاقة النووية في السعودية إلى مرحلة جديدة من التطور، بعد توقيع المملكة والولايات المتحدة اتفاقية للتعاون في مجال الاستعمالات السلمية.
تعزز الخطوة الشراكة بين البلدين في قطاع الطاقة والتقنيات المتقدمة، وفتح الباب أمام تنفيذ مشروعات نووية ضخمة خلال السنوات المقبلة.
وجاء توقيع الاتفاقية -وفق بيان اطّلعت عليه منصة الطاقة المتخصصة- في إطار الشراكة الإستراتيجية التي تجمع الرياض وواشنطن، واستكمالًا لما أُعلِن خلال زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى واشنطن في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، بشأن اكتمال المفاوضات المتعلقة بالتعاون في الاستعمالات السلمية للطاقة النووية.
ووقّع الاتفاقية وزير الطاقة السعودي الأمير عبدالعزيز بن سلمان، ووزير الطاقة الأميركي كريس رايت، بهدف تعزيز التعاون في مجال الاستعمالات السلمية للطاقة النووية، ودعم تبادل الخبرات والمعرفة والتقنيات، وفق أعلى المعايير الدولية المتعلقة بالأمن والأمان النوويين وعدم الانتشار النووي.
صفقة بمليارات الدولارات
من جانبها، أعلنت وزارة الطاقة الأميركية التوصل إلى اتفاق مع السعودية بشأن التعاون في مجال الطاقة النووية المدنية، بصفقة يُتوقع أن تفتح الباب أمام مشاركة الشركات الأميركية في تطوير البرنامج النووي السعودي.
ويرتبط الاتفاق بما يُعرَف باسم اتفاقية 123، إلى جانب اتفاقية ضمانات ثنائية، مع التزام التعاون بأطر عدم الانتشار النووي المنصوص عليها في قانون الطاقة الذرية الأميركي.
وتشير التقديرات إلى أن الصفقة قد تبلغ قيمتها عشرات المليارات من الدولارات، وتمتد على مدار نحو 30 عامًا، مع إمكان الاستفادة من تكنولوجيا المفاعلات النووية الأميركية، ومن بينها مفاعلات AP1000 التي تطورها شركة وستنغهاوس.
وتُعدّ وستنغهاوس من أبرز الشركات المستفيدة المحتملة من الاتفاق، وهي مملوكة جزئيًا لشركة كاميكو الكندية وشركة بروكفيلد لإدارة الأصول.
لكن تنفيذ مشروعات الطاقة النووية السعودية لن يكون فوريًا، إذ تشير المعطيات إلى الحاجة لإجراء دراسات جدوى وتقييمات فنية لاختيار التكنولوجيا الأنسب للمملكة، إلى جانب استكمال الإجراءات التنظيمية والرقابية، وهو ما يعني أن تطوير البنية التحتية النووية سيستغرق عدّة سنوات، بحسب ما ذكرت رويترز.

موافقة الكونغرس
بحسب وزارة الطاقة الأميركية، من المقرر إحالة الاتفاقية إلى الكونغرس، الذي ستكون أمامه مدة محددة للنظر فيها، قبل دخولها حيز التنفيذ، وفق الإجراءات المنصوص عليها في القانون الأميركي.
ويأتي ذلك في وقت تثير فيه الاتفاقية نقاشات واسعة داخل الولايات المتحدة، خصوصًا فيما يتعلق بضمانات عدم الانتشار النووي، وسط مخاوف من أن يؤدي التعاون النووي مع السعودية إلى فتح الباب أمام سباق تسلح نووي في منطقة الشرق الأوسط.
وتتمسك الرياض -وفق تصريحات سابقة لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان- بأن برنامجها النووي يستهدف الاستعمالات السلمية، مع تأكيدها أنها لا ترغب في امتلاك سلاح نووي.
ويمثّل التعاون مع الولايات المتحدة أحد الخيارات المطروحة أمام السعودية لتطوير برنامجها النووي، في ظل رغبة المملكة في الحصول على التكنولوجيا والخبرات اللازمة لبناء قدرات نووية مدنية.
وكانت الرياض قد أشارت في مناسبات سابقة إلى إمكان التعاون مع دول أخرى، من بينها الصين وروسيا، إذا لم يُتوصَّل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة، وهو ما جعل المفاوضات النووية بين الرياض وواشنطن محل اهتمام كبير على مدار السنوات الماضية.
ومن شأن الاتفاق الجديد أن يعزز التعاون بين البلدين في قطاع الطاقة، لكنه في الوقت نفسه يضع أمامهما تحديات تتعلق بالتمويل والتنفيذ والرقابة والالتزام بمعايير عدم الانتشار النووي.
خطط الطاقة النووية في السعودية
تُمثّل الاتفاقية خطوة مهمة ضمن خطط الطاقة النووية في السعودية، التي تستهدف تنويع مزيج الطاقة المحلي، وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري في توليد الكهرباء، إلى جانب الاستفادة من التقنيات المتقدمة في دعم التنمية الاقتصادية والصناعية.
وحسب بيانات منصة الطاقة المتخصصة، من المقرر أن تتكوّن أول محطة طاقة نووية في السعودية من مفاعلين بسعة إجمالية تبلغ نحو 3.2 غيغاواط، مع استهداف وضعهما على خطوط الإنتاج خلال السنوات الـ10 المقبلة.
ولا تتوقف طموحات المملكة عند المشروع الأول، إذ وضعت الرياض خطة طويلة الأجل لإضافة نحو 17 غيغاواط من قدرات الطاقة النووية في السعودية بحلول عام 2040، بما يعكس الرهان على الطاقة النووية بوصفها أحد مكونات مزيج الطاقة في المملكة خلال العقود المقبلة.
وتأتي الخطط بالتزامن مع ارتفاع متوقع في الطلب المحلي على الكهرباء، مدفوعًا بالنمو السكاني والاقتصادي، والتوسع في المشروعات الصناعية، بالإضافة إلى الزيادة المتوقعة في استهلاك مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي، وهي قطاعات تتطلب كميات ضخمة ومستقرة من الكهرباء.

سرّ رهان السعودية على الطاقة النووية
يرى مستشار تحرير منصة الطاقة المتخصصة -ومقرّها واشنطن-، خبير اقتصادات الطاقة الدكتور أنس الحجي، أنّ توجُّه المملكة نحو الطاقة النووية في السعودية لا يرتبط بنقص النفط أو الغاز، وإنما بالحاجة إلى تلبية الزيادة الكبيرة والمتوقعة في استهلاك الكهرباء خلال العقود المقبلة.
وأوضح الحجي -خلال مشاركته في إحدى حلقات "أنسيات الطاقة"- أن استمرار الاعتماد على النفط في توليد الكهرباء قد يؤدي إلى تراجع صادرات المملكة من الخام، وهو ما قد ينعكس على الإيرادات والدخل الفردي، لذلك تحتاج السعودية إلى مصادر بديلة لتوليد الكهرباء تسمح لها بالحفاظ على صادرات النفط بوصفها ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني.
وأكد الحجي أن الاعتماد المتزايد على الغاز الطبيعي لتوليد الكهرباء يحمل تحديات أخرى؛ إذ قد تضطر المملكة إلى توجيه كميات أكبر من الغاز إلى محطات الكهرباء بدلًا من استعمالها في القطاع الصناعي، وهو ما قد يؤثّر في نمو الصناعات المحلية والقيمة المضافة التي تحقّقها.
وشدد الحجي على أن الطاقة النووية في السعودية ومصادر الطاقة المتجددة يمكن أن يؤديا دورًا مهمًا في تحرير كميات من النفط والغاز المستعملة في قطاع الكهرباء، وتوجيهها إلى قطاعات اقتصادية أكثر قيمة، خاصةً الصناعة والبتروكيماويات، بما يدعم النمو ويحافظ على مستويات الدخل.
موضوعات متعلقة..
- أنس الحجي: الطاقة النووية في السعودية مسار حتمي.. وهكذا تحقق الاستقرار
- أول تفاصيل عن مشروع الطاقة النووية في السعودية (خاص)
اقرأ أيضًا..
- مستجدات أسواق الغاز المسال في النصف الأول 2026
- التقارير الدورية لوحدة أبحاث الطاقة
- الطاقة الشمسية في الدول العربية (ملف خاص)





