بكالوريوس العناصر الأرضية النادرة يُمنح في الصين منذ زمن.. والجامعات الغربية غير مهتمة
وحدة أبحاث الطاقة - رجب عز الدين

- الصين تمتلك الآن 40 مختبرًا متخصصًا في دراسة العناصر الأرضية النادرة.
- شهادة البكالوريوس في هندسة المعادن النادرة تمنح في أكثر من جامعة صينية.
- الجامعات الغربية تعزف عن تدريس موضوعات هذه المعادن لأسباب بيئية.
- الغرب كان يهيمن على تكرير المعادن النادرة حتى تسعينيات القرن الماضي.
- الصين تهيمن الآن على 90% من الإنتاج العالمي للعناصر المغناطيسية النادرة.
قطعت الصين أشواطًا كبيرة في تدريس موضوعات العناصر الأرضية النادرة ضمن التخصصات العلمية الوطنية المتصلة بالتعدين على مستوى البلاد.
فبحسب تحقيق حديث -اطلعت عليه وحدة أبحاث الطاقة- أنشأت الصين منظومة علمية متكاملة تضم أكثر من 40 مختبرًا متخصصًا في دراسة العناصر النادرة مدعومة من 11 جامعة وكلية تقنية على المستوى الوطني.
وتستقطب هذه المختبرات أكثر من 500 طالب سنويًا ضمن برامج دراسة متخصصة تمنح درجة البكالوريوس في تخصص العناصر الأرضية النادرة، كما تخرج مئات الطلاب.
في المقابل، ما تزال المعاهد والجامعات الأميركية والأوروبية متأخرة كثيرًا عن الاهتمام بإدراج موضوعات هذه العناصر ضمن المناهج الدراسية في التعليم الجامعي.
تدريس العناصر الأرضية النادرة في الصين
تتركز أغلب الجامعات التي تمنح شهادة البكالوريوس في تخصص العناصر الأرضية النادرة شمال الصين، وأشهرها جامعة منغوليا الداخلية للعلوم والتكنولوجيا.
وعادة ما يتوجه الطلاب فور انتهاء دراستهم في جامعة منغوليا إلى العمل في مصافي تكرير المعادن المملوكة للدولة في مدينة باوتو، التي تعمل على تحويل المعادن الحيوية إلى مغناطيسات تدخل في صناعة الطائرات النفاثة، والمركبات الكهربائية، وتوربينات الرياح.
في حين يختار طلاب آخرون استكمال دراساتهم العليا في معهد باوتو لأبحاث العناصر الأرضية النادرة (Baotou Rare Earth Research Institute)، الذي يبعد 150 كيلومترًا فقط عن أكبر منجم لهذه المعادن في العالم.
على الجانب الآخر، تصنف مدينة غانتشو ضمن المراكز العلمية البارزة في أبحاث العناصر الأرضية النادرة على مستوى الصين، إذ تضم وحدها 12 مختبرًا ومعهدًا متخصصًا.

وأسهمت المبادرات المبكرة في تطوير القدرات الصينية، وبناء الكوادر الفنية المتخصصة في عمليات المعالجة والتكرير التي يُنظر إليها على أنها الحلقة الأصعب والأعقد في الصناعة.
ويرجع ذلك إلى أن كل العناصر الأرضية النادرة (عددها 17 عنصرًا) لا توجد في الطبيعة بتركيزات عالية داخل الصخور، بل تنتشر بتركيزات ضعيفة جدًا، كما أن خصائصها الكيميائية متشابهة إلى حد كبير.
وهذا يجعل عمليات تكريرها (التنقية والفصل) معقدة جدًا، وتتطلب تقنيات عالية ومكلفة ليست متوفرة إلا لدى عدد محدود من الدول، وأبرزها الصين.
كما تنطوي عمليات التكرير على مخاطر تسرب المخلفات الإشعاعية والكيميائية إلى التربة والمياه، ما يتطلب خبرات فنية لتجنب ذلك، وإجراءات صارمة للرقابة على النشاط.
برامج تعليم العناصر الأرضية النادرة في الصين
تظهر المواد الدراسية التي نشرتها بعض الجامعات الصينية أن الطلاب المتخصصين في هندسة العناصر الأرضية النادرة بجامعة منغوليا الداخلية للعلوم والتكنولوجيا -على سبيل المثال- يدرسون أكثر من 100 ساعة دراسية في مقررات مثل كيمياء العناصر وعلوم المواد.
كما تظهر شرائح من محاضرة في جامعة جيانغشي للعلوم والتكنولوجيا أن الطلاب يدرسون الأهمية الجيوسياسية للعناصر الأرضية النادرة، وكيفية وصول المواد الصينية إلى أنظمة الأسلحة الأميركية الرئيسة، مع دراسة سلاسل التوريد من المنبع إلى المصب.
وتشترك بعض المختبرات والشركات المتخصصة في تقديم بعض المقررات التأسيسية للطلاب، في إطار برامج تعاون وشراكة تتيح للطلاب أيضًا حضور محاضرات تُلقى في مرافق هذه الشركات.
إضافة إلى ذلك، يمكن للطلاب المشاركة في مشروعات بحثية مع الشركات قبل التخرج، ما يسهل الحصول على فرص عمل سريعة وذات عوائد مغرية.
ولا تخفي الجامعات الصينية أن الهدف من توطين هذه التخصصات لا يقتصر على الدراسة العلمية فقط، بل يمتد ليشمل ضمان استمرار ريادة الصين في هذا المجال، وامتلاكها أوراقًا رابحة ذات تأثير في السياسة العالمية، حسب تصريحات عميد برنامج العناصر الأرضية النادرة في جامعة جيكس للعلوم والتكنولوجيا "لي تشاوتشونغ"، لإحدى محطات التلفزيون الحكومية في أبريل/نيسان الماضي.
إهمال تخصصات العناصر النادرة في الغرب
على عكس الجامعات الصينية، تبدو الجامعات والمعاهد العلمية الغربية أقل اهتمامًا بإدراج تخصصات العناصر الأرضية النادرة ضمن مناهجها الدراسية أو برامجها المتخصصة.
وعلى الرغم من أن عددًا من المؤسسات العلمية الأميركية بدأت في إعطاء تركيز أكبر لدراسة هذه العناصر ضمن مناهجها الدراسية، فإن التحقيق -الذي أجرته وكالة رويترز- لم يستطع تحديد أي جامعة خارج الصين تقدم برنامجًا جامعيًا متخصصًا في هذا المجال حتى الآن.
وحتى الآن، يكتسب مختبر أميس الوطني (Ames National Laboratory) -التابع لوزارة الطاقة الأميركية في ولاية أيوا- سمعة مرموقة في أبحاث العناصر الأرضية النادرة، على الرغم من أن نطاق عمله يتجاوز علوم المعادن.

ومع ذلك، لم يكن قطاع التعدين جذابًا تاريخيًا للطلاب الأميركيين، إذ يرى كثير منهم أنه قطاع ملوث وتقليدي عتيق، بحسب تصريحات لمسؤولين تنفيذيين وأساتذة جامعيين تحدثوا مع رويترز.
ويؤكد هذا العزوف ندرة عدد الشهادات الجامعية العامة الممنوحة من المؤسسات الأميركية في تخصصات هندسة التعدين والمعادن خلال السنوات الأخيرة.
فبحسب بيانات أحصتها جمعية التعدين في كولورادو، لم يتجاوز عدد هذه الشهادات 200 شهادة في عام 2023، وهو أحدث عام تتوفر فيه هذه الإحصاءات على مستوى الولايات المتحدة.
وعلى الرغم من ذلك، فإن الولايات المتحدة تشهد منذ عام 2024 تصاعدًا في اهتمام الحكومة الفيدرالية بتمويل برامج التعدين الأميركية، والمجالات ذات الصلة ضمن خطط إستراتيجية تسعى إلى إعادة بناء الخبرات الوطنية في مجال التعدين النادر.
كما تعهد الرئيس دونالد ترمب وقادة غربيون آخرون بضخ استثمارات بمليارات الدولارات لبناء القدرات في مجالات المعالجة والتكرير لكسر احتكار الصين في هذا المجال.
ويدرس الكونغرس الأميركي في الوقت الحالي إصدار تشريع من شأنه تسهيل عمليات تمويل التعاون الدولي مع الحلفاء في مجال التعليم والبرامج التخصصية ذات الصلة.
كما تعمل كلية كولورادو للمناجم، وهي إحدى أفضل كليات التعدين في العالم، على تطوير مركزين جديدين لأبحاث المعادن الحيوية بالتعاون مع وزارة الطاقة الأميركية، ومن المتوقع افتتاح أولهما في عام 2027.
كيف تحافظ الصين على تفوقها؟
على الرغم من الإجراءات الغربية الأخيرة، فإن الفجوة ما زالت شاسعة مع الصين التي تدعم هذا النشاط برمته بحوافز ضريبية سخية منذ ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، إذ تواصل الحكومة والجهات التابعة لها تمويل معاهد البحوث، كما تقدم جهات الإقراض الحكومية تمويلات بشروط تفضيلية للشركات التي تستخرج المعادن الحيوية.
وللمفارقة، فإن الغرب كان يهيمن على تكرير العناصر الأرضية النادرة حتى أوائل تسعينيات القرن الماضي، لكن أغلب دوله تخلت عن الاستمرار في هذا المجال لأسباب بيئية، مع تزايد مخاطر تسرب المخلفات إلى التربة والمياه.
ولعل هذا التراجع يفسر عزوف الأوساط والجامعات الأميركية عن تدريس موضوعات العناصر الأرضية النادرة خلال العقود الأخيرة، بحسب الرئيس التنفيذي لشركة توماس آند سكينر الأميركية لإنتاج المغناطيس إيد ريتشاردسون.
في المقابل، يبدو التواصل وثيقًا بين الباحثين والجامعات والقطاع الصناعي في الصين، فقد طور علماء في المركز الوطني لأبحاث هندسة العناصر الأرضية النادرة -مقره بكين- تقنية تكرير جديدة اعتمدتها شركة غانسو (Gansu Rare Earth New Material) المملوكة للدولة عام 2023، في منشأة تكرير قادرة على إنتاج 50 ألف طن من العناصر عالية المعالجة سنويًا.
وللمقارنة، فإن هذا الرقم يعادل 5 أضعاف إنتاج شركة ليناس (Lynas Rare Earths) الأسترالية المتخصصة خلال السنة المالية 2025، وهي أكبر شركة للعناصر الأرضية النادرة خارج الصين.
وبصورة عامة، تستحوذ الصين على 90% من إجمالي الإنتاج المُعالج من العناصر الأرضية النادرة والمغناطيسات المصنوعة منها.
موضوعات متعلقة..
- إستراتيجيات المعادن النادرة.. لماذا تختلف تمامًا بين أميركا والصين؟ (مقال)
- العناصر الأرضية النادرة في روسيا تواجه تحديات تقنية.. والصين تمتنع عن الدعم (تحليل)
- الطلب على العناصر الأرضية النادرة قد يرتفع 35% بحلول 2030 (تقرير)
اقرأ أيضًا..
- رشوة النفط في العراق.. 3 أيام صمت وتحركات لكشف الفساد
- أكبر 10 دول أفريقية في سعة الطاقة الشمسية.. سيطرة عربية
- بينها شركة عربية.. صفقة غاز ضخمة إلى تركيا لمدة 15 عامًا
المصدر..
برامج تدريس العناصر الأرضية النادرة في الصين، من وكالة رويترز





