عبدالله بن حمد العطية.. في عيون محبيه (مقال)
د. لؤي الخطيب

كان الشيخ عبدالله بن حمد العطية رجلًا من طراز نادر؛ ففي حياة الأمم رجالٌ يمرُّون في مؤسسات الدولة مرور الموظفين، ورجالٌ آخرون تتحول أسماؤهم إلى جزء من الذاكرة الوطنية، وإلى علامة فارقة في تاريخ التحولات الكبرى.
وهؤلاء هم مَن يكتسبون صفة رجال دولة؛ لأن نتاج جهودهم يتجاوز مديات أعمارهم؛ لذلك لم يكن العطية مجرد وزير طاقة أو مسؤول دولة، بل أحد أولئك الذين يعيدون تعريف معنى الدولة الحديثة حين تقترن الرؤية بالشجاعة، والسلطة بالنزاهة، والإنجاز بالتواضع.
برحيله، لا تفقد قطر واحدًا من أبرز رجالاتها فحسب، بل يفقد العالم العربي شخصيةً استثنائية جمعت بين عقل الإستراتيجي، وثقافة المؤرخ، وحدس السياسي، وذائقة الأديب، ووفاء العربي القديم.
ذلك الرجل -الشيخ عبدالله بن حمد العطية- هو الذي جعل من الطاقة مشروعَ وطنٍ، ومن العروبة موقفًا أخلاقيًا.
متى عرفت أبا حمد؟
عرفتُ أبا حمد منذ عام 2005، عندما جمعنا لقاء في مكتبه الخاص بالدوحة على هامش مؤتمر للطاقة، يوم كنت مستشارًا لشركة شل.
منذ ذلك اللقاء امتدت بيننا صداقة تجاوزت حدود العمل والطاقة إلى حوارات شيّقة في السياسة والتاريخ والثقافة والرياضة وشؤون العرب.
وتكررت لقاءاتي مع الشيخ عبدالله بن حمد العطية في الدوحة ولندن وبيروت، وزرته مرارًا في منزله بالدوحة وخلال سفرياته، وفي كل مرة كنت أكتشف جانبًا جديدًا من شخصيته الثرية بالعلم والخبرة.

هو رجل دولةٍ حقيقي، واسع الاطلاع، حاضر الذهن، شديد التواضع، يمتلك ذاكرة مذهلة، وقدرة نادرة على الربط بين التاريخ والسياسة والاقتصاد والمجتمع والجغرافيا.
كان الشيخ عبدالله بن حمد العطية يتحدث عن النفط كما يتحدث شاعر عن قصيدته، وعن أوبك كما لو أنها فصل من تاريخ الأمم، وعن نوادر الحوادث كصائد المحار واللؤلؤ، وعن الغاز الطبيعي باعتباره مشروع استقلال وطني قبل أن يكون مشروع ثروة اقتصادية.
لم يكن يرى الطاقة مجرد أرقام وإنتاج وأسواق، بل كان يراها أداة سيادة وبناء دولة ومكانة عالمية، لذلك كان حريصًا -من خلال مركز أبحاث مهم- على أن يكون هناك باحثون وخبراء جدد في هذا المجال.
أبرز مهندسي النهضة الاقتصادية القطرية
لعل التاريخ سيذكر طويلًا أن عبدالله بن حمد العطية كان أحد أبرز مهندسي النهضة الاقتصادية القطرية، التي ما كان لها أن تتحقق لولا ثقة أمير البلاد به واحترام الشعب ومؤسسات الدولة له.
كما سيذكره التاريخ بأنه الرجل الذي أسهم في تحويل قطر إلى قوة عالمية بصناعة الغاز الطبيعي.
فقد امتدت مسيرته لأكثر من نصف قرن، منذ دخوله وزارة المالية والبترول عام 1972، وصولًا إلى توليه وزارة الطاقة والصناعة عام 1992، ثم قيادته لقطر للبترول، ورئاسته لمنظمة أوبك، ومنتدى الدول المصدرة للغاز، ومؤتمر الأمم المتحدة للمناخ COP18.
فضلًا عن مناصبه الرفيعة؛ إذ تولى منصب نائب رئيس مجلس الوزراء ورئيس الديوان الأميري، وفي كل تلك المواقع، ظل عبدالله بن حمد العطية يحمل عقلية رجل الدولة الذي يرمي ببصره نحو الغاية، لا عقلية البيروقراطي.

عمق ثقافي وإنساني
لكن ما كان يدهشني في الشيخ عبدالله بن حمد العطية -دائمًا- ليس نجاحه السياسي والطاقوي فقط، بل عمقه الثقافي والإنساني. فقد كان -رحمه الله- مولعًا بالأدب العربي، عاشقًا للتاريخ، شغوفًا بالعراق بصورة لافتة.
وكانت مكتبته الخاصة تضم عيون عناوين المعرفة، ومن بينها عديد الكتب عن تاريخ العراق الحديث، وكان يحفظ أشعار الجواهري والرصافي والسياب ونازك الملائكة، ويقرأ لعلي الوردي وعلماء الاجتماع بشغف الباحث لا القارئ العابر.
وكان يتابع تفاصيل السياسة العراقية بذاكرة المؤرخ واهتمام العروبي الذي يرى في العراق ركنًا من أركان الوجدان العربي.
وكثيرًا ما سمعت منه حديثًا مطولًا عن نشأة الحركة الوطنية العربية وامتداداتها في دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وعن علاقة العراق بالتحولات الكبرى في المنطقة، وعن شخصيات سياسية عراقية ربما لم تطرق أسماؤهم أسماع جيل اليوم.
وكان الشيخ عبدالله بن حمد العطية يرى أن قوة العرب لا تتحقق إلا بالاستقلال الوطني الحقيقي، ولذلك بقي موقفه واضحًا ضد الهيمنة والتبعية، مؤمنًا بأن الثروة لا تصنع وطنًا ما لم تسندها السيادة والكرامة الوطنية.
رجل محب للعراق
أذكر موقفًا للشيخ عبدالله بن حمد العطية لن يغادر ذاكرتي، خلال منتدى الطاقة الدولي في قطر عام 2015، عندما كنت أعمل مع مؤسسة بروكنجز بين واشنطن والدوحة.
كان الحضور يضم شخصيات دولية ودبلوماسية بارزة؛ بينهم مسؤولون كبار وسفراء وخبراء طاقة، ويومها كان الشيخ عبدالله قد أعد كلمة رسمية للترحيب بالضيوف.
لكنه ما إن لمح الاقتصادي العراقي الدكتور أسامة محمد فاضل الجمالي بين الحضور، حتى وضع أوراقه جانبًا، وبدأ يتحدث بعفوية آسرة عن العراق.
وحينها، تحدّث عن والد الدكتور أسامة، رئيس الوزراء العراقي الأسبق الدكتور محمد فاضل الجمالي، وعن دوره بصفته ممثلًا للعراق في تأسيس الأمم المتحدة وتوقيعه على ميثاقها، وكذلك دوره الفعال في استقلال تونس والجزائر، وعن النخبة العراقية التي صنعت الفكر والسياسة في المنطقة، خلال العهدين الملكي والجمهوري.

استمر حديثه قرابة نصف ساعة، ناسيًا البروتوكول وكل ما أُعدّ للحفل. يومها أدركت أن أبا حمد لم يكن يتعامل مع التاريخ بوصفه مادة للحنين، بل بوصفه جزءًا من تكوينه الشخصي والوجداني.
عاشق للرياضة حاضر الذهن
في عالم الرياضة، كان العطية -أيضًا- حالة استثنائية؛ فهو الأب الروحي لنادي السد القطري وأحد أبرز مؤسسيه.
وقد قاد النادي لأكثر من عقدين، حقق خلالها السد إنجازات جعلته أحد أهم الأندية العربية والآسيوية، وكان ينظر إلى الرياضة بوصفها امتدادًا لبناء الهوية الوطنية وصورة الدولة الحديثة.
حتى في سنوات مرضه الأخيرة، وبعد خضوعه لعملية زرع رئة، ظل عقل عبدالله بن حمد العطية متقدًا وحضوره حيًا.
كنت أتابع لقاءاته وتصريحاته خلال جائحة كورونا، وكان يتحدث عن أسواق النفط، ومستقبل أوبك، والتحولات الجيوسياسية، وسياسات الطاقة العالمية، بدقة وجرأة أثبتت الأيام صحة استقرائه للواقع ونظرته الاستشرافية للمستقبل.
كان من ذلك الجيل العربي النادر الذي جمع بين الوطنية والانفتاح، بين الاعتزاز بالهوية والقدرة على مخاطبة العالم بلغة يفهمها العارف ويحترمها مقتفي المعرفة.

ولذلك لم يكن مستغربًا أن يحظى باحترام قادة العالم وصُنّاع القرار في الشرق والغرب، وأن يتحول اسمه إلى أحد أهم الأسماء المرتبطة بتاريخ الطاقة العالمي الحديث.
برحيل عبدالله بن حمد العطية، تطوى صفحة من جيل الرجال الذين صنعوا التحولات الكبرى بعقولهم لا بضجيجهم، وبنزاهتهم لا باستعراضهم، وبهدوئهم الواثق لا بشعبويتهم.
سيبقى اسمه محفورًا في الذاكرة العربية، وفي ذاكرة كل من عرف فيه الإنسان قبل المسؤول، والصديق قبل الوزير.
رحم الله أبا حمد .. الشيخ بين الوزراء، والعارف بين الحكماء، والمتواضع بين النبلاء، والعروبي الذي ظل قلبه معلّقًا ببغداد كما هو معلّق بالدوحة.
وأسكنه الله فسيح جناته، وألهم أهله ومحبيه وقطر الشقيقة، دولة وأميرًا وشعبًا، الصبر والسلوان.
أبا حمدٍ رحلتَ كما الكبارِ
خفيفَ الروحِ، ممتلئًا نبيلا
لقد غادرتنا في يوم حجٍّ
إلى الرحمنِ مؤتزرًا عجولا
عزائي في رحيلِكُمُ لقاء
بهِ تلقى على سررٍ جميلا
ومن أمواهِ كوثرَ صافياتٍ
تَرَشّفها عِذابًا سلسبيلا
إنا لله وإنا إليه راجعون
الدكتور لؤي الخطيب.. خبير عالمي في شؤون الطاقة، وزير الكهرباء الأسبق في العراق
نرشح لكم:
- تغطية خاصة لقطاع الطاقة الشمسية في الدول العربية
- ملف خاص عن مستجدات أسواق الغاز المسال العربية والعالمية
- ملف خاص عن طاقة الرياح في الدول العربية




