الحياد الكربوني في بريطانيا.. مهمة ثقيلة أمام وزيرة الطاقة الجديدة (تقرير)
نوار صبح

- البشرية تُطلق 40 مليار طن إضافية من ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي سنويًا
- بريطانيا تتمتع بموقع متميز يؤهلها إلى أن تكون رائدة عالميًا في تقنيات إزالة غازات الاحتباس الحراري
- احتجاز ثاني أكسيد الكربون من الهواء مباشرة ضروري لوصول بريطانيا إلى الحياد الكربوني
- مشروعات احتجاز الكربون هي مجرد محاولات لتبييض صناعة الوقود الأحفوري
يمثّل تحقيق الحياد الكربوني في بريطانيا مهمة ثقيلة أمام وزيرة الطاقة الجديدة، مياتا فاهنبوليه، وقد يكون هذا أغرب وأغلى إرث يتركه وزير أمن الطاقة والحياد الكربوني البريطاني السابق، إد ميليباند.
فقبل أيام فقط من مغادرته منصبه، وافق على اقتراح لجعل بريطانيا رائدة عالميًا في مجال التخلّص من غازات الاحتباس الحراري -وهي تقنياتٌ تُزيل ثاني أكسيد الكربون حرفيًا من الهواء المحيط-، بحسب مقال اطلعت عليه منصة الطاقة المتخصصة.
ويُعدّ هذا الالتزام، الذي ورد في رد على مراجعة نُشرت قُبيل نقل رئيس الوزراء آندي بورنهام، الوزير ميليباند إلى وزارة الخارجية، هامشًا بسيطًا في فترة ولايته، لكن مهمة تحقيق الحياد الكربوني في بريطانيا التي تركها لخلفه، الوزيرة مياتا فاهنبوليه، جسيمة.
ويبلغ تركيز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي 0.04% فقط، ما يعني أن إزالته تتطلّب تنقية ما لا يقل عن 1600 طن من الهواء لكل طن من ثاني أكسيد الكربون، بحسب مقال لمحرر شؤون الطاقة لدى صحيفة "ذا تيليغراف"، جوناثان ليك.
إلى جانب ذلك، تُطلق البشرية 40 مليار طن إضافية من ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي سنويًا، بالإضافة إلى 2.5 تريليون طن انطلقت منذ الثورة الصناعية.
نسبة إنتاج بريطانيا من الانبعاثات
يوضح جوناثان ليك أن نسبة إنتاج بريطانيا من هذه الانبعاثات لا تتجاوز 1%، إلا أن وزارة أمن الطاقة والحياد الكربوني، في تقرير وقّعه الوزير إد ميليباند هذا الشهر، التزمت بريطانيا فيه بتسريع وتيرة جهود التخلص من الانبعاثات.
وجاء في التقرير أن بريطانيا تتمتع بموقع متميز يؤهلها إلى أن تكون رائدة عالميًا في تقنيات إزالة غازات الاحتباس الحراري، بفضل مؤسساتها البحثية ذات المستوى العالمي، وخبراتها الهندسية، وإمكان الوصول إلى التخزين الجيولوجي.
ويشير التقرير إلى العمل على تطوير إطار سياسات شامل ورائد عالميًا في مجال إزالة غازات الاحتباس الحراري، لتمكين بريطانيا من نشر هذه التقنيات على نطاق واسع.
ويضيف جوناثان ليك أن وزارة الطاقة استثمرت أموال دافعي الضرائب في هذه الخطة، حيث أنفقت 56 مليون جنيه إسترليني (74.51 مليون دولار) على 12 تجربة لتقنية احتجاز الكربون وتخزينه من الهواء مباشرة (DACCS).
*(جنيه إسترليني = 1.33 دولارًا أميركيًا)

تحقيق الحياد الكربوني في بريطانيا
يكمن جوهر المسألة في سعي حزب العمال لتحقيق الحياد الكربوني في بريطانيا.
قد تكون بريطانيا قد حققت نجاحًا في استبدال السيارات الكهربائية بسيارات البنزين والديزل، واستبدال المضخات الحرارية بالغلايات، وتوليد الكهرباء من طاقة الرياح بدلًا من الفحم، وفقًا لمحرر شؤون الطاقة لدى صحيفة "ذا تيليغراف"، جوناثان ليك.
في المقابل، ثمة قطاعات ستظل بريطانيا تُعاني في سبيل خفض انبعاثاتها الكربونية دون تبني أسلوب متشدد.
وأبرز هذه القطاعات قطاعا الطيران والزراعة، ولا سيما تربية المواشي؛ إذ يُتوقع أن يُنتج كلٌّ منهما 40 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون سنويًا بحلول عام 2050.
ويرى جوناثان ليك أن مطالبة الجمهور بالتخلي عن اللحوم والسفر جوًا ستكون بمثابة انتحارٍ انتخابي، لذا طلب ميليباند خلال العام الماضي من وزير الدولة السابق لشؤون الطاقة، وصديقه وزميله المُهتم بالبيئة، اللورد ألان وايتهيد، وضع حلول جديدة لبريطانيا لمعالجة هذه الانبعاثات.
ويخلص وايتهيد إلى أن احتجاز ثاني أكسيد الكربون من الهواء مباشرة ضروري لوصول بريطانيا إلى الحياد الكربوني.
ويحذّر من أن البديل هو مستقبل منخفض الكربون دون صناعة، ووسائل النقل محدودة، وتغيير سلوكي جماعي يصعب تقبله.
وتعتمد هذه المقترحات الطموحة لتنظيف الغلاف الجوي على تقنيتَيْن رئيستَيْن، إحداهما هي احتجاز الكربون وتخزينه من الهواء مباشرةً (DACCS)، التي تتضمن عادةً استعمال مراوح عملاقة لضخ الهواء المحيط عبر مرشحات كيميائية تزيل ثاني أكسيد الكربون.
والأخرى هي الطاقة الحيوية مع احتجاز الكربون وتخزينه (BECCS)، وهي عملية تُحرق فيها المواد النباتية لتوليد الكهرباء، ثم يُزال ثاني أكسيد الكربون من الغاز الناتج، بحسب متابعة منصة الطاقة المتخصصة.
في كلتا الحالتين، يُضغط ثاني أكسيد الكربون المحتجز إلى سائل، ويُضخ إلى حقول النفط والغاز المستنفدة تحت بحر الشمال، أو في بعض الحالات، يمكن تحويله إلى معادن ودفنه.
ويشير المؤيدون إلى مشروعات تجريبية قائمة، مثل منشأة ماموث التجارية في أيسلندا، القادرة على إزالة ما يصل إلى 36 ألف طن من ثاني أكسيد الكربون سنويًا بصورة دائمة.
ويجري العمل على تطوير شركة بوينت فايف 1 "1PointFive" التي تتخذ من تكساس مقرًا لها، وهي شركة تابعة لعملاق النفط أوكسيدنتال (Occidental)، لالتقاط ما يصل إلى نصف مليون طن من ثاني أكسيد الكربون سنويًا.
لكن المعارضة تزداد. ويرى المنتقدون أن التكاليف والطاقة اللازمة لاستخلاص ثاني أكسيد الكربون من الهواء ستجعل هذه المشروعات غير مجدية اقتصاديًا دائمًا.
وترى مجموعة ريال زيرو يوروب (Real Zero Europe)، التي تضم منظمات من بينها أصدقاء الأرض ومرصد الشركات الأوروبية، أن مشروعات احتجاز الكربون هي مجرد محاولات لتبييض صناعة الوقود الأحفوري من خلال جعل قطاع الطيران يبدو نظيفًا.
ويتفق بعض العلماء مع هذا الرأي، ويقول البروفيسور مارك زي جاكوبسون، من جامعة ستانفورد، إن نظام احتجاز الكربون وتخزينه من الهواء مباشرة لا يؤدي إلا إلى زيادة تلوث ثاني أكسيد الكربون والهواء.
ويضيف أنهم يتظاهرون فقط بأنهم يفعلون شيئًا ما، في حين لا يفعلون سوى مفاقمة مشكلات المناخ والتلوث.
رغم ذلك، تبنّت لجنة تغير المناخ في بريطانيا هذه الفكرة بحماس.
وذكرت تقاريرها مرارًا وتكرارًا أنه في حين أن تخفيضات الانبعاثات ستتحمّل العبء الثقيل للحياد الكربوني، فإن عمليات الإزالة الهندسية مثل احتجاز الكربون وتخزينه من الهواء مباشرة ستكون ضرورية لقطاعات مثل الزراعة والطيران.
ويمثّل قطاع الطيران المشكلة الأكبر، وحذّر تقرير حديث صادر عن وزارة النقل من أن الطلب المتزايد في بريطانيا على الطيران قد يؤدي إلى ارتفاع الانبعاثات من 30 مليون طن في عام 2022 إلى 44 مليون طن بحلول عام 2040، ما يجعل الطيران أكبر مصدر منفرد للانبعاثات في بريطانيا.

رحلات طيران باهظة الثمن
يرى وزير الدولة السابق لشؤون الطاقة، اللورد وايتهيد، أن قطاع الطيران يجب أن يدفع ثمن تنظيف الفوضى التي أحدثها.
ويريد وايتهيد ضرب شركات الطيران التي لديها ما يُسمّى قانون الطيران المحايد كربونيًا، الذي بموجبه ستكون الطائرات التي تقلع من مدارج بريطانيا ملزمة بدفع ثمن ثاني أكسيد الكربون الذي ينبعث منها ليُنزع من الهواء ويُدفن تحت الأرض.
وحققت تجربة أجرتها شركة الطاقة النرويجية العملاقة إكوينور (Equinor) بالتعاون مع شركة رولز رويس (Rolls-Royce) نجاحًا تقنيًا، حيث تمكنت من التقاط 4.4 طنًا من ثاني أكسيد الكربون المحمول جوًا، إلا أن التكلفة بلغت نحو 1100 جنيه إسترليني للطن الواحد.
ويشير الشريكان إلى أن هذه التكلفة ستنخفض بصورة حادة مع تطور التكنولوجيا، وربما تصل إلى 150 جنيهًا إسترلينيًا، إلا أن ذلك يبقى مجرد أمل بعيد المنال.
ويُقرّ تقرير اللورد ألان وايتهيد نفسه بأن تكلفة امتصاص ثاني أكسيد الكربون مباشرة من الهواء ستتراوح بين 259 و578 جنيهًا إسترلينيًا للطن الواحد.
وبالنظر إلى أن انبعاثات رحلة ذهاب وعودة من لندن إلى نيويورك تُعادل طنّين من ثاني أكسيد الكربون لكل راكب، فإن هذه التكلفة الباهظة تعني أن السفر الجوي قد يصبح مكلفًا للغاية، بافتراض تحميل المستهلكين هذه التكاليف.
ويؤكّد المعهد العالمي لالتقاط الكربون وتخزينه، وهو هيئة صناعية، أن التكاليف الحالية ستنخفض إلى ما بين 75 و225 جنيهًا إسترلينيًا للطن الواحد.
ويوضح محرر شؤون الطاقة لدى صحيفة "ذا تيليغراف"، جوناثان ليك، أنه حتى في أكثر السيناريوهات تفاؤلًا، قد ترتفع تكلفة رحلة ذهاب وعودة إلى نيويورك بمقدار 150 جنيهًا إسترلينيًا.
ويتساءل: هل سيقبل الناخبون البريطانيون بذلك؟ ويشير إلى أن الوزراء يزعمون أن الجمهور سيرحب بهذه المقترحات، لأن تنظيف الغلاف الجوي قد يصبح قطاعًا مزدهرًا بحد ذاته.
ويشير متحدث باسم وزارة أمن الطاقة والحياد الكربوني إلى أن تقنيات التخلص من غازات الاحتباس الحراري ستساعد البلاد على دفع عجلة النمو وخلق وظائف تتطلب مهارات عالية في المراكز الصناعية، مع خفض الانبعاثات في الوقت نفسه، وذلك في إطار جهود مواجهة تغير المناخ.
لهذا السبب، تتخذ الوزارة إجراءات بشأن العديد من توصيات المراجعة المستقلة، مؤكدة التزامها بدعم الابتكار البريطاني والتصدي لأزمة المناخ.
ويخلص جوناثان ليك إلى أنه قد يكون للمسافرين الدائمين، أو حتى المسافرين العرضيين، الذين يواجهون ارتفاعًا حادًا في أسعار تذاكر الطيران، رأيٌّ مختلف.
موضوعات متعلقة..
- الحياد الكربوني في بريطانيا سيتأخر 3 سنوات.. وتحذيرات جديدة (تقرير)
- تقرير صادم: الحياد الكربوني في بريطانيا يهدد الحريات.. ويُنذر بانهيار اجتماعي واقتصادي
- سياسات الحياد الكربوني في بريطانيا تهدد الاقتصاد وأسعار الطاقة (تقرير)
اقرأ أيضًا..
- ملف خاص عن مستجدات أسواق الغاز المسال العربية والعالمية
- ملف خاص عن الهيدروجين في الدول العربية
- ملف خاص عن الطاقة الشمسية في الدول العربية
المصدر..
- هل يُعدّ هذا أكثر مشروعات حزب العمال في مجال الحياد الكربوني جنونًا حتى الآن؟ من صحيفة "ذا تيليغراف".





