تقارير السياراترئيسيةسيارات

دراسة ترسم خريطة طريق السيارات الكهربائية في الشرق الأوسط .. أين تقف مصر من السباق؟

داليا الهمشري

يشهد قطاع النقل في الشرق الأوسط تحولات متسارعة مع تصاعد الاهتمام العالمي بالسيارات الكهربائية؛ كونها أحد أهم أدوات خفض الانبعاثات وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري.

وفي ظل سباق الحكومات لوضع إستراتيجيات للتحول نحو النقل النظيف، تبدو المنطقة أمام معادلة معقّدة تجمع بين وفرة النفط من جهة، والحاجة الملحّة إلى تنويع مصادر الطاقة وتقليل البصمة الكربونية من جهة أخرى.

وخلال الأعوام الأخيرة، بدأت دول عربية في ضخ استثمارات ضخمة في البنية التحتية للشحن وتوطين صناعة المركبات الكهربائية، في محاولة لحجز موقع مبكر داخل سوق عالمية مرشّحة للنمو بوتيرة قياسية خلال العقد المقبل.

وتتصدر التجربتان الأوروبية والصينية مشهد التحول العالمي نحو السيارات الكهربائية، لكن واقع الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يفرض تحديات مختلفة تمامًا، في مقدّمتها ارتفاع درجات الحرارة، وتفاوت القدرات الاقتصادية بين الدول، وضعف شبكات الشحن، وهي عوامل تجعل الانتقال إلى المركبات الكهربائية أكثر تعقيدًا.

ومن هنا تبرز أهمية الدراسات العلمية التي تبحث في خصوصية المنطقة، وتُقدّم نماذج واقعية تناسب ظروفها المناخية والاقتصادية، بدلًا من الاكتفاء بنقل التجارب الغربية كما هي.

وفي هذا السياق، كشفت دراسة بحثية حديثة قادها باحثون مصريون، واطّلعت عليها منصة الطاقة المتخصصة (مقرّها واشنطن)، عن صورة شاملة لمستقبل السيارات الكهربائية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عبر تحليل يُعدّ من بين الأكثر تفصيلًا لطبيعة السوق الإقليمية والتحديات التقنية المرتبطة بها.

تحليل لتأثير المناخ الحار

نُشرت الدراسة في الدورية العلمية المرموقة "مراجعات الطاقة المتجددة والمستدامة"Renewable and) Sustainable Energy Reviews)، ولم تكتفِ برصد معدلات الانتشار أو خطط الحكومات، بل قدّمت قراءة إستراتيجية لاختلاف نماذج التحول بين دول المنطقة، إلى جانب تحليل علمي لتأثير المناخ الحارّ بكفاءة بطاريات السيارات الكهربائية.

وشارك في إعداد الدراسة الدكتورة شيماء بركات والأستاذ الدكتور محمد محمود سامي من كلية الهندسة بجامعة بني سويف، بالتعاون مع الأستاذ الدكتور المعتز يوسف عبد العزيز من كلية الهندسة بجامعة عين شمس، إضافة إلى باحث من جامعة يالوفا التركية.

الأستاذ في قسم هندسة القوى والآلات الكهربية بجامعة عين شمس الدكتور المعتز يوسف عبد العزيز

وأكدت الدراسة أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لا يمكن التعامل معها بصفتها سوقًا موحدة؛ بسبب التفاوت الكبير في الإمكانات الاقتصادية والسياسات الحكومية والبنية التحتية.

نماذج مختلفة للتحول الكهربائي

وفقًا للدراسة، يمكن تقسيم دول المنطقة إلى 3 نماذج رئيسة في التعامل مع المركبات الكهربائية، استنادًا إلى بيانات عامَي 2023 و2024، وهي:

النموذج الأول: يتمثل في دول الخليج، وعلى رأسها الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، حيث تعتمد الحكومات على ضخ استثمارات ضخمة لتأسيس منظومة متكاملة تشمل التصنيع والبنية التحتية والحوافز الاستثمارية.

وأشارت الدراسة إلى أن الإمارات نجحت في رفع حصة السيارات الكهربائية داخل سوق السيارات الجديدة إلى نحو 13%، مدفوعة بتوسُّع شبكات الشحن وتسهيلات التملك.

ومن جهتها، تراهن السعودية على بناء صناعة محلية متكاملة من خلال مشروعات مثل علامة "سير" وشراكاتها مع شركات عالمية، إلى جانب خطط لنشر آلاف الشواحن السريعة بحلول 2030.

النموذج الثاني: وتُمثِّله الأردن، التي وصفتها الدراسة بالحالة "الاستثنائية"، مشيرةً إلى أنه على الرغم من محدودية الموارد مقارنًة بدول الخليج، تمكنت المملكة من تحقيق طفرة كبيرة في انتشار المركبات الكهربائية، بعدما تجاوزت حصتها السوقية 45% خلال 2023.

وأرجعت الدراسة هذا النجاح إلى السياسات الجمركية والضريبية التي خفضت أسعار السيارات الكهربائية بصورة جعلتها خيارًا اقتصاديًا للمستهلك، مؤكدةً أن الحوافز المالية قد تكون أكثر تأثيرًا من البنية التحتية في الأسواق الحسّاسة للأسعار.

النموذج الثالث: وضعت الدراسة كلًا من مصر والمغرب ضمن ما أسمته "المراكز الصناعية الناشئة"، حيث يتركز الاهتمام على توطين الصناعة وبناء قاعدة إنتاجية محلية، بدلًا من الاكتفاء باستيراد السيارات الجاهزة.

وأوضحت الدراسة أن انتشار المركبات الكهربائية في مصر ما يزال محدودًا، إذ تقلّ الحصة السوقية عن 1%، في ظل ارتباط الحوافز الحكومية بملف التصنيع المحلي ونقل التكنولوجيا.

التحدي الأكبر لبطاريات السيارات الكهربائية

أبرزت الدراسة تأثير المناخ الحارّ في منطقة الشرق الأوسط بأداء بطاريات المركبات الكهربائية، إذ أوضحت أن درجات الحرارة المرتفعة التي تتجاوز 45 درجة مئوية خلال الصيف تؤثّر مباشرةً في كفاءة البطاريات وعمرها الافتراضي.

وبحسب الدراسة، فإن الحرارة المرتفعة تؤدي إلى تسارع تدهور بطاريات الليثيوم أيون التقليدية، ما ينعكس على مدى السيارة وكفاءة الشحن.

كما لفتت إلى أن بطاريات النيكل والمنغنيز والكوبالت (NMC)، الشائعة في عدد من السيارات الغربية، قد تواجه تحديات تتعلق بالاستقرار الحراري داخل مناخ المنطقة.

في المقابل، رجّحت الدراسة كفة بطاريات ليثيوم الحديد فوسفات (LFP)، مشيرةً إلى أنها الخيار الأنسب لأسواق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؛ نظرًا لقدرتها الأعلى على تحمّل الحرارة، فضلًا عن انخفاض تكلفتها ومستويات الأمان الأعلى مقارنةً ببعض التقنيات الأخرى، رغم كثافتها الطاقية الأقل نسبيًا.

كما لفتت الدراسة إلى أن "بطاريات الحالة الصلبة" تُمثّل مستقبل القطاع على المدى الطويل، إذ يُتوقع أن توفر أداءً أكثر استقرارًا في البيئات الحارة، إلّا أن هذه التكنولوجيا ما تزال في مراحل التطوير التجاري.

مصر بين الطموح وتحديات التنفيذ

فيما يتعلق بالسوق المصرية، أوضحت الدراسة أن القاهرة تتبنّى إستراتيجية قائمة على جذب الشراكات الصناعية الكبرى لتوطين صناعة المركبات الكهربائية ومكوناتها، من خلال التعاون مع شركات عالمية وتوسيع قاعدة التصنيع المحلي.

ورصدت الدراسة في الوقت نفسه فجوة واضحة بين الطموحات المعلنة والواقع الفعلي للبُنية التحتية، ولا سيما فيما يتعلق بمحطات الشحن العامة، التي ما تزال محدودة مقارنًة بعدد السكان والمساحة الجغرافية.

وأكد الباحثون أن نجاح التحول نحو النقل الكهربائي في مصر يتطلب تسريع وتيرة نشر الشواحن، بالتوازي مع تطوير الشبكة الكهربائية ورفع جاهزيتها لاستيعاب الطلب المتزايد مستقبلًا.

السيارات الكهربائية في مصر

وقدّمت الدراسة مجموعة من التوصيات لصناع القرار في المنطقة، ركّزت على أهمية تبنّي حلول انتقالية تناسب طبيعة الأسواق العربية.

وبالنسبة لمصر، أوصت الدراسة بالتوسع في السيارات الهجينة بصفتها خطوة عملية لتهيئة المستهلكين للتحول الكهربائي، ولا سيما أنها لا تعتمد بصورة كاملة على البنية التحتية للشحن.

كما شددت على ضرورة دمج التوسع في السيارات الكهربائية مع خطط تحديث الشبكات الكهربائية والاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة، حتى لا يتحول التحول الكهربائي إلى عبء إضافي على شبكات الكهرباء التقليدية.

وخلصت الدراسة إلى أن مستقبل السيارات الكهربائية في الشرق الأوسط لن يعتمد فقط على استيراد التكنولوجيا، بل على قدرة كل دولة على تطوير نموذج يناسب ظروفها الاقتصادية والمناخية، ويحقق توازنًا بين تكلفة التحول ومتطلبات الاستدامة.

موضوعات متعلقة..

اقرأ أيضًا..

 

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق