لماذا ارتفعت أسعار وقود الطائرات رغم زيادة مخزوناته؟ (تقرير)
أحمد بدر

شهدت أسواق وقود الطائرات خلال الأسابيع الأخيرة اضطرابات غير مسبوقة، بعدما ارتفعت الأسعار العالمية إلى مستويات تاريخية رغم وجود مخزونات مرتفعة في الولايات المتحدة، ما أثار تساؤلات واسعة حول أسباب هذه المفارقة داخل أسواق الطاقة والنقل الجوي عالميًا.
وفي هذا السياق، قال مستشار تحرير منصة الطاقة المتخصصة، خبير اقتصادات الطاقة الدكتور أنس الحجي، إن الأسواق العالمية تعيش حالة معقّدة بسبب اضطراب تدفقات المنتجات النفطية، خاصةً مع اختلاف مواصفات الوقود بين الولايات المتحدة وأوروبا وتزايد المخاوف المتعلقة بالإمدادات خلال فصل الصيف.
وأشار إلى أن أزمة وقود الطائرات لم ترتبط فقط بمستويات المخزون، بل أيضًا بطبيعة الوقود المستعمَل في كل منطقة حول العالم، إضافة إلى قرارات بعض الدول بوقف التصدير تحسُّبًا لأيّ نقص محتمل في الإمدادات خلال المرحلة المقبلة.
وأوضح أن ارتفاع أسعار الوقود دفع شركات طيران عالمية إلى إلغاء عشرات الآلاف من الرحلات الجوية، الأمر الذي انعكس مباشرة على الطلب العالمي على النفط، في وقت كانت فيه بعض المؤسسات المالية تتحدث عن عجز كبير داخل الأسواق.
وجاءت تلك التصريحات خلال حلقة جديدة من برنامج "أنسيات الطاقة"، قدّمها أنس الحجي عبر مساحات منصة التواصل الاجتماعي "إكس" (تويتر سابقًا) بعنوان: "النفط بين المخزونات الإستراتيجية وترمب والصين".
أسباب ارتفاع الأسعار العالمية
فسّر أنس الحجي أسباب ارتفاع الأسعار العالمية، موضحًا أن الولايات المتحدة شهدت انخفاضًا كبيرًا في مخزونات البنزين والديزل بسبب ارتفاع الصادرات، في حين بقيت مخزونات وقود الطائرات مرتفعة بصورة ملحوظة، رغم تسجيل الأسعار العالمية مستويات قياسية.
وأوضح أن الأسواق الأوروبية والأسترالية تعاني نقصًا حادًا في الإمدادات، الأمر الذي دفع الأسعار إلى أعلى مستوياتها التاريخية، خاصةً مع زيادة الطلب الموسمي على السفر وارتفاع تكاليف التشغيل لدى شركات الطيران العالمية.
وأشار إلى أن أكثر من 100 ألف رحلة جوية أُلغيت عالميًا حتى الآن نتيجة ارتفاع تكاليف الوقود، مؤكدًا أن هذا الرقم يعكس تراجعًا واضحًا في الطلب على النفط كان ينبغي أخذه بالحسبان ضمن التحليلات المتداولة مؤخرًا.

وأضاف أنس الحجي أن بعض المؤسسات المالية تجاهلت تأثير إلغاء الرحلات الجوية في معدلات الطلب العالمي، رغم أنّ تراجع النشاط الجوي ينعكس مباشرةً على استهلاك النفط ومنتجاته، خصوصًا في قطاع النقل الجوي الدولي.
وأكد أن ارتفاع أسعار وقود الطائرات رغم زيادة المخزون الأميركي يعود إلى عوامل تتعلق بطبيعة السوق العالمية ونوعية الوقود المطلوبة في أوروبا وآسيا، وليس فقط بحجم الكميات المخزّنة داخل الولايات المتحدة.
ولفت إلى أن الأسواق أصبحت تتعامل مع أزمة مركبة تشمل اضطراب الإمدادات وقيود التصدير واختلاف المواصفات الفنية للوقود، وهو ما تسبَّب في زيادة الضغوط على شركات الطيران والمستهلكين حول العالم خلال الآونة الحالية.
الفروق بين أنواع وقود الطائرات
قال أنس الحجي، إن هناك نوعين رئيسين من وقود الطائرات، الأول يُعرَف باسم "A" ويُستعمَل داخل الولايات المتحدة، والنوع الثاني "A1" يُستعمل في أوروبا ومعظم دول العالم بسبب تحمُّله درجات الحرارة المنخفضة جدًا.
وأوضح أن الرحلات الطويلة التي تمرّ عبر مناطق شديدة البرودة تحتاج إلى وقود لا يتجمّد في الأجواء المرتفعة، لأنّ تجمُّد الوقود قد يؤدي إلى مخاطر كبيرة على سلامة الطائرات في أثناء الرحلات العابرة للقارات.
وأشار إلى أن الولايات المتحدة تعتمد بدرجة كبيرة على الرحلات الداخلية التي لا تواجه برودة قاسية مثل الرحلات العابرة للقطب الشمالي، لذلك تختلف مواصفات الوقود الأميركي عن المستَعمَل في أوروبا والمناطق الباردة الأخرى.

وأضاف خبير اقتصادات الطاقة أن دول شمال غرب أوروبا تعتمد على النوع "A1" بسبب طبيعة الطقس البارد، في حين لا يناسب الوقود الأميركي كثيرًا من الرحلات الأوروبية طويلة المدى، وهو ما خلق أزمة إضافية في الإمدادات خلال المدة الأخيرة.
وأكد أن أزمة وقود الطائرات تفاقمت بعدما تعذَّر على بعض مصافي الخليج العربي تصدير منتجاتها بسهولة نتيجة التوترات المرتبطة بمضيق هرمز، ما أدى إلى تراجع الإمدادات المتجهة نحو الأسواق العالمية.
وبيّن أن مخاوف العديد من الدول من نقص الإمدادات دفعتها إلى تقييد صادرات الوقود محليًا، وهو ما زاد الأزمة تعقيدًا، وأدى إلى ارتفاع الأسعار بصورة متسارعة في عدد من الأسواق العالمية الرئيسة.
كيف تدخلت أوروبا لحل الأزمة؟
لفت أنس الحجي إلى أن الاتحاد الأوروبي واجه صعوبة كبيرة في تأمين الإمدادات اللازمة لشركات الطيران، خاصةً مع تراجُع الصادرات من بعض الدول المنتجة وتزايد القيود المفروضة على تجارة المنتجات النفطية عالميًا.
وأوضح أن الأزمة دفعت أوروبا إلى البحث عن بدائل سريعة لتجنُّب تفاقم نقص وقود الطائرات خلال موسم الصيف، خصوصًا مع الزيادة الكبيرة المتوقعة في حركة السفر والسياحة خلال الأشهر المقبلة.
وأشار إلى أن الولايات المتحدة تُعدّ الدولة الوحيدة القادرة حاليًا على توفير فائض يسمح بالتصدير، إلّا أن اختلاف المواصفات الفنية بين الوقود الأميركي والأوروبي تسبَّب في تعقيد عمليات الاستيراد خلال المدة الماضية.

وأضاف أنس الحجي أن الاتحاد الأوروبي قرّر مؤخرًا السماح مؤقتًا للطيران الأوروبي باستعمال الوقود الأميركي خلال فصل الصيف، مستفيدًا من ارتفاع درجات الحرارة التي تقلل مخاطر تجمُّد الوقود في أثناء الرحلات الجوية.
وأكد أن هذا القرار سيفتح المجال أمام زيادة تاريخية في صادرات الولايات المتحدة من وقود الطائرات، وهو ما سيؤدي تدريجيًا إلى انخفاض المخزونات الأميركية المرتفعة التي أثارت الجدل مؤخرًا داخل الأسواق.
وقال خبير اقتصادات الطاقة، إن التطورات الحالية تؤكد أن قراءة بيانات المخزون وحدها لا تكفي لفهم حركة الأسعار، لأن طبيعة الوقود والمواصفات الفنية والقيود الجيوسياسية أصبحت عناصر حاسمة في تحديد اتجاهات السوق العالمية.
موضوعات متعلقة..
- أول مشروع لإنتاج وقود الطائرات المستدام في مصر يشهد صفقة مهمة
- أكبر مصفاة نفط في أفريقيا تستفيد من أزمة وقود الطائرات (تقرير)
- نفاد وقود الطائرات شبح يهدد العالم.. إلغاء رحلات والإفلاس يطارد الشركات
اقرأ أيضًا..
- تقارير وملفات خاصة من وحدة أبحاث الطاقة
- الطاقة الشمسية في الدول العربية
- تقرير مستجدات أسواق الغاز المسال العربية والعالمية
المصدر:





