انسحاب الإمارات من أوبك اقتصادي أم سياسي.. وما أثره؟ (تقرير)
أحمد بدر

تطرح قضية انسحاب الإمارات من أوبك تساؤلات حول طبيعة القرار، إن كان اقتصاديًا أم سياسيًا، في ظل تحولات متسارعة بأسواق الطاقة العالمية، وتزايد التوترات الجيوسياسية، ما يعكس تعقيد المشهد وتداخل العوامل المؤثّرة في مستقبل المنظمة.
ويرى مستشار تحرير منصة الطاقة المتخصصة، خبير اقتصادات الطاقة الدكتور أنس الحجي، أن القرار الإماراتي لا يمكن فصله عن سياق أوسع يشمل تغييرات في الحصص الإنتاجية، وتطورات في إدارة الأسواق النفطية العالمية، وتداخل المصالح الاقتصادية والسياسية.
وأوضح أن انسحاب الإمارات من أوبك يرتبط جزئيًا برغبة الدولة في الاستفادة من طاقتها الإنتاجية الكبيرة، خاصة مع توجُّه مجموعة الـ8 في أوبك+ إلى رفع سقف الإنتاج، ما يعني عمليًا نهاية القيود المرتبطة بالتخفيضات الطوعية خلال المدة المقبلة.
وأشار إلى أن مسألة التوقيت تظل عنصرًا حاسمًا، إذ تحرص الإمارات على تقديم القرار بوصفه اقتصاديًا بحتًا، غير أن هذا الطرح لا يُقنع جميع المحللين، الذين يرون أن قراءة المشهد تتطلب الأخذ في الحسبان خلفيات سياسية واضحة.
جاءت تلك التصريحات خلال حلقة جديدة من البرنامج الأسبوعي "أنسيات الطاقة"، الذي يقدّمه أنس الحجي عبر مساحات منصة التواصل الاجتماعي "إكس"، وجاءت هذا الأسبوع بعنوان: "كارثة هرمز وانسحاب الإمارات من أوبك.. الآثار والنتائج".
العوامل الاقتصادية وراء القرار
لفت أنس الحجي إلى أن انسحاب الإمارات من أوبك يتماشى مع سعيها إلى تعظيم الاستفادة من قدراتها الإنتاجية، خاصةً في ظل قرب انتهاء التخفيضات الطوعية، وهو ما يمنحها مرونة أكبر في زيادة الإنتاج دون قيود تنظيمية.
وأوضح أن الإمارات تمتلك بنية تصديرية محدودة نسبيًا، إذ تعتمد أساسًا على خط أنابيب حبشان–الفجيرة، بطاقة تصل إلى نحو 2 إلى 2.1 مليون برميل يوميًا، وهو ما يحدّ من قدرتها الفعلية على زيادة حجم الصادرات.
كما أشار إلى أن انسحاب الإمارات من أوبك لن يُحدث تأثيرًا كبيرًا على المدى القصير، بسبب هذه القيود اللوجستية، بالإضافة إلى استقرار مستويات الإنتاج الحالية مقارنة بالطاقة القصوى الممكنة.
وبيّن أنس الحجي أن التأثير على المدى المتوسط سيظل محدودًا أيضًا، نظرًا لاستمرار التحديات المرتبطة بمضيق هرمز، وتأخُّر عودة المخزونات إلى مستوياتها الطبيعية، ما يبطئ أيّ تغييرات جوهرية في تدفقات النفط.
وأضاف أن تأثير الانسحاب حاليًا قد يحدث على المدى الطويل، مع الزيادة في الطلب العالمي، بالتزامن مع نضوب بعض الحقول، ما يجعل أيّ زيادات إنتاجية مُرحَّبًا بها، بغضّ النظر عن عضوية أوبك أو غيابها.
وأشار إلى أن هناك شكوكًا غير مؤكدة حول احتمال عودة منظمة أوبك إلى سياسة خفض الإنتاج، ولكن ذلك سيكون في حال حدوث ركود اقتصادي، وهو سيناريو قد ترفضه الإمارات في حال خروجها من المنظمة.
وأكد مستشار تحرير منصة الطاقة المتخصصة أن جوهر القرار اقتصادي يتعلق بتوسيع الاستثمارات داخليًا وخارجيًا، وتحويل شركة أدنوك إلى لاعب عالمي قادر على منافسة الشركات الكبرى دون قيود تنظيمية.
الأبعاد السياسية وتأثير الخلافات
أوضح أنس الحجي أن انسحاب الإمارات من أوبك لا يمكن فصله عن وجود خلافات سياسية مع بعض الدول، وعلى رأسها السعودية، مشيرًا إلى أن هذه الخلافات باتت معروفة ومرتبطة بملفات إقليمية متعددة.
ولفت إلى أن التجربة التاريخية، مثل انسحاب قطر، تُظهر أن القرارات داخل أوبك قد تحمل أبعادًا سياسية، حتى وإن قُدِّمَت على المستوى الرسمي بوصفها قرارات اقتصادية بحتة.
وأشار إلى أن انسحاب دولة الإمارات من منظمة أوبك يُعدّ الحالة الثالثة التي يمكن تصنيفها ضمن القرارات ذات الطابع المختلط، التي تجمع بين الدوافع الاقتصادية والتأثيرات السياسية.

وبيّنَ خبير اقتصادات الطاقة أن توقيت قرار انسحاب الإمارات من أوبك يرتبط بظروف السوق الحالية، خاصةً محدودية القدرة على زيادة الإنتاج عالميًا، ما يقلل من احتمالات ردود الفعل القوية من الدول الأخرى.
وقال، إن المملكة العربية السعودية -على سبيل المثال- لا تستطيع في الوقت الحالي تكرار سيناريو مارس/آذار 2020، حين رفعت إنتاجها بشكل كبير ردًا على روسيا، بسبب القيود الحالية في السوق.
وأضاف أن هذا الواقع يمنح الإمارات مساحة أكبر لاتخاذ قرارات مستقلة دون خشية من ردود فعل فورية تؤثّر في الأسواق بشكل حادّ، مؤكدًا أن الحديث عن انهيار أوبك+ مُبالَغ فيه، ولا يستند إلى أسس واقعية.
تأثير القرار في الأسواق وأوبك+
أشار الدكتور أنس الحجي إلى أن انسحاب الإمارات من أوبك لن يؤدي إلى تغييرات جوهرية في أسواق النفط، لأن السوق في جوهره يحتاج إلى إدارة مستمرة لضمان التوازن بين العرض والطلب.
وأوضح أن التاريخ النفطي يُظهر أن الأسواق لم تعمل يومًا دون إدارة، سواء من خلال الشركات الكبرى "الشركات الـ7" مثل ستاندرد أويل أو من خلال الحكومات أو تحالفات مثل أوبك.
ولفت إلى أن انسحاب الإمارات من أوبك لا يعني نهاية دور المنظمة في أسواق النفط العالمية، إذ ستظل هناك جهة أو آلية تتولى إدارة السوق، حتى لو تغيرت الأسماء أو الأطراف.

وقال أنس الحجي، إن غياب الإدارة عن أسواق النفط من شأنه أن يؤدي إلى فوضى في الإنتاج، وهدر في الموارد، وخسائر جماعية للمنتجين، بسبب طبيعة الاستثمارات الضخمة المسبقة في قطاع النفط.
وأشار إلى أن الاستثمارات النفطية تتطلب إنفاقًا كبيرًا في البداية، وهو ما يدفع المنتجين إلى الاستمرار في الإنتاج حتى في ظل انخفاض الأسعار، وهو ما يستدعي وجود آلية تنظيمية.
وأضاف أن إدارة السوق تضمن تقنين الإنتاج وتحقيق توازن يضمن الربحية للجميع، سواء المنتجين أو المستهلكين، وهو ما يفسر استمرار الحاجة إلى منظمة أوبك أو بدائلها لإدارة الأسواق العالمية.
واختتم خبير اقتصادات الطاقة بتأكيد أن السوق سيجد دائمًا من يديره، مشيرًا إلى احتمال تدخُّل قوى سياسية كبرى في حال تراجع دور أوبك، ما يعكس الأهمية الإستراتيجية لإدارة أسواق الطاقة عالميًا.
موضوعات متعلقة..
- انسحاب الإمارات من أوبك.. 3 مؤسسات ترصد تأثير القرار في أسواق النفط
- ماذا وراء انسحاب الإمارات من أوبك؟.. مسيرة 59 عامًا وطموح الـ5 ملايين برميل
اقرأ أيضًا..
- ملف خاص عن أسواق الغاز المسال العربية والعالمية
- تغطية خاصة للحرب على إيران وتأثيراتها في أسواق الطاقة
- تقارير دورية وتغطيات لوحدة أبحاث الطاقة
المصدر:





