أزمة طاقة جديدة في أوروبا.. وقف الإنتاج في قطر وتحويل الشحنات إلى آسيا (تقرير)
دينا قدري

- شبح أزمة طاقة يطارد أوروبا بعد 4 سنوات من تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية
- مخزونات الغاز في أوروبا تنخفض إلى مستويات قياسية
- وقف إنتاج الغاز في قطر وتغيير مسار الشحنات إلى آسيا يعمّقان الأزمة
- عدّة حلول مطروحة لأزمة الطاقة الوشيكة في أوروبا
تواجه أوروبا أزمة طاقة جديدة بعد 4 سنوات من الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا، إذ أدت تداعيات الحرب الأميركية-الإسرائيلية الإيرانية إلى تعطيل إنتاج وشحن الغاز المسال، ما قلّل من الإمدادات ورفع الأسعار.
ودفعت الحرب أسعار الغاز الأوروبية إلى أعلى مستوى لها منذ عام 2023؛ لترتفع بنسبة 53% منذ يوم الجمعة (27 فبراير/شباط 2026)، مع تغيير مسار الشحنات إثر توقُّف حركة الملاحة فعليًا عبر مضيق هرمز، وتوقُّف قطر -ثاني أكبر مُصدّر للغاز المسال في العالم- عن الإنتاج.
وتأتي هذه التوترات في وقتٍ أدى فيه شتاءٌ باردٌ بشكلٍ استثنائي إلى استنزاف احتياطيات الغاز في أوروبا؛ ما جعل مهمة إعادة ملء المخزونات أكثر خطورة وتكلفة بشكل كبير.
ويُمكّن تخزين الغاز أوروبا من تلبية احتياجات التدفئة والطاقة خلال فصل الشتاء، ما يُعزز أمن الطاقة في المنطقة.
وفي ظل الوضع الراهن، من المتوقع أن تُنهي المخزونات العام الجاري (2026) موسم التدفئة بمستويات أقل بكثير من المعتاد، ما سيُجبر أوروبا على شراء المزيد من الغاز خلال فصل الصيف لإعادة ملء الخزانات في جميع أنحاء القارة، وفق التفاصيل التي اطّلعت عليها منصة الطاقة المتخصصة (مقرّها واشنطن).
مخزونات الغاز في أوروبا
تزداد أزمة مخزونات الغاز في أوروبا مع الارتفاع الملحوظ لأسعار كل من الغاز المنقول عبر خطوط الأنابيب والغاز المسال منذ بداية الحرب الأميركية-الإسرائيلية الإيرانية.
وبلغت أسعار الغاز القياسية في أوروبا لمدة وجيزة أعلى مستوياتها منذ أوائل عام 2023، وارتفعت بنسبة تقارب 50% هذا الأسبوع بعد إغلاق قطر لحقول الغاز التابعة لها، التي تُمثّل خُمس إمدادات الغاز المسال العالمية.
وارتفع سعر عقد الغاز المسال القياسي العالمي -وهو مؤشر اليابان-كوريا- بنسبة تصل إلى 68%، مع تسارع المشترين لتعويض النقص الحاصل في الكميات القطرية، بحسب ما نقلته وكالة رويترز.
ففي 4 مارس/آذار 2026، أعلنت شركة قطر للطاقة إخطار عملاء المشتريات المتضررين رسميًا بحالة القوة القاهرة، بعد يومين من إعلان وقف إنتاج الغاز المسال في مدينتَي رأس لفان ومسيعيد الصناعيتين.

بالإضافة إلى ذلك، تسبَّب تحويل شحنات الغاز المسال إلى آسيا في الاندلاع الوشيك لأزمة طاقة جديدة في أوروبا؛ إذ أصبحت ناقلة غاز مسال أول شحنة في المحيط الأطلسي تُغيّر مسارها إلى آسيا يوم الأربعاء (4 مارس/آذار 2026).
بحسب شركة "كبلر" المتخصصة في معلومات السلع، غيّرت الناقلة "بي دبليو بروكسل" -المحمّلة بالغاز المسال من نيجيريا وكانت متوجهة إلى فرنسا- مسارها، وتوجهت جنوبًا نحو رأس الرجاء الصالح.
ويأتي تحويل الشحنات إلى آسيا في الوقت الذي تنخفض فيه مخزونات الغاز في أوروبا.
وعلّق الباحث البارز في مركز الأبحاث "برويغل" (Bruegel)، سيميون تاغليابيترا، قائلًا: "لم تكن المخزونات منخفضةً إلى هذا الحدّ في مثل هذا الوقت من العام.. تبدأ الآن إعادة ملء مخازن الغاز استعدادًا للشتاء المقبل.. إذا ما استمر هذا الوضع مع هذه الأسعار، فسيكون عبئًا هائلًا على أوروبا".
سعة تخزين الغاز في جميع أنحاء الاتحاد الأوروبي
وفقًا لبيانات مجموعة "غاز إنفراستركتشر يوروب" (Gas Infrastructure Europe)، فإن سعة تخزين الغاز في جميع أنحاء الاتحاد الأوروبي تقل عن 30%، مقارنةً بمتوسط 5 سنوات يبلغ نحو 45% في مثل هذا الوقت من العام.
وتوقّع محللون أن تصل نسبة امتلاء مخزونات الغاز في أوروبا إلى نحو 22-27% بنهاية مارس/آذار الجاري، مقارنةً بمتوسط 5 سنوات يبلغ نحو 41%.
وفي حال انخفاض كمية الغاز المسال الواصلة خلال الأسابيع الـ4 المقبلة نتيجةً لانقطاع الإمدادات من الشرق الأوسط، فقد تنخفض نسبة امتلاء مخزونات الغاز في أوروبا بصورة أكبر.
وقالت المحللة في شركة "إنرجي أسبيكتس" (Energy Aspects) إريسا باسكو، إنه إذا استمر توقُّف حركة الشحن في مضيق هرمز لمدة شهر، فقد تنخفض مخزونات الغاز في أوروبا إلى مستوى تاريخي منخفض بحلول نهاية فصل الشتاء، ما سيؤدي إلى انخفاض مستويات التعبئة في نهاية أكتوبر/تشرين الأول.
ويمر عبر هذا الممر المائي نحو 120 مليار متر مكعب سنويًا، أي ما يقارب 20% من إمدادات الغاز المسال العالمية، وتتجه 4 أخماس هذه الشحنات إلى آسيا.
كما أشار محلل السلع في "إس إي بي ريسيرش" (SEB Research) أولي هفالبي، إلى أنه حال استمرار الاضطراب لمدة شهر، سيُسحَب نحو 7 ملايين طن من الغاز المسال، أي ما يعادل 9.7 مليار متر مكعب، من السوق العالمية، وقد تخسر أوروبا نحو 5.5 مليون طن، أي ما يعادل 7.6 مليار متر مكعب، نتيجة المنافسة من آسيا على الشحنات المتاحة.
وهذا من شأنه أن يدفع أسعار الغاز الأوروبية إلى ما يزيد على 60 يورو لكل ميغاواط ساعة، مقارنة بنحو 50 يورو حاليًا، و32 يورو في نهاية الأسبوع الماضي.

حلول أزمة طاقة وشيكة في أوروبا
سعيًا لحل أزمة طاقة وشيكة في أوروبا، توقّع محللون في شركة ريستاد إنرجي (Rystad Energy) بأن أحد الخيارات القصوى لتعزيز إمدادات الغاز هو زيادة الواردات من روسيا.
وكان من المقرر أن يفرض الاتحاد الأوروبي حظرًا تدريجيًا على واردات الغاز المسال الروسي بحلول أبريل/نيسان، بدءًا بالعقود قصيرة الأجل، ثم يشمل جميع العقود بحلول نهاية العام.
لكن "ريستاد إنرجي" أشارت إلى أن هذا المقترح سيكون مثيرًا للجدل سياسيًا، كما أنه سيحظى بمعارضة من الولايات المتحدة، التي زادت صادراتها من الغاز المسال إلى أوروبا منذ خفض الإمدادات الروسية، ما يجعله "مستبعدًا للغاية"، بحسب ما نقلته صحيفة "فايننشال تايمز" (Financial Times).
وقد يدفع هذا الصراع أوروبا نحو الولايات المتحدة، إذ ناقش المستشار الألماني فريدريش ميرز العلاقات التجارية مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب في واشنطن يوم الثلاثاء (3 مارس/آذار 2025).
وإذا استمر الوضع على هذا النحو، يتوقع المحللون أن تلجأ الحكومات الوطنية إلى تدابير أخرى لمعالجة الأسعار، على الرغم من أن العديد من الخيارات سيتعارض مباشرةً مع طموحات أوروبا المناخية.
على سبيل المثال: قد تلجأ شركات المرافق مؤقتًا إلى التحول من الغاز إلى الفحم في بعض محطات توليد الكهرباء، كما فعلت ألمانيا خلال أزمة الطاقة عام 2022.
كما يمكن لأوروبا الاستفادة من أحد أدوات الطاقة التي كانت غائبة في أعقاب الغزو الروسي لأوكرانيا: الأسطول النووي الفرنسي؛ إذ اضطرت شركة كهرباء فرنسا (EDF) إلى إغلاق ما يقرب من نصف مفاعلاتها النووية الـ56 التي كانت تشغّلها عام 2022 لإجراء عمليات تفتيش واستبدال أنابيب بسبب مشكلة تشققات، ما أدى إلى انخفاض الإنتاج إلى أدنى مستوياته منذ سنوات.
وقد أجبر ذلك فرنسا على استيراد الكهرباء، غالبًا من دول تستعمل الغاز لتوليدها، وأسهم في ارتفاع الأسعار بشكل كبير.
وكانت رئيسة الوزراء الإيطالية، جورجيا ميلوني، قد اقترحت قبل الحرب الأميركية-الإسرائيلية الإيرانية خفض فواتير الكهرباء عن طريق إلغاء سعر الكربون من أسعار الكهرباء بالجملة، استجابةً لضغوط من الصناعة الإيطالية.

وثمة خيار آخر يتمثل في تأجيل التوسع المزمع لنظام تداول الانبعاثات الأوروبي، وهو نظام القارة الرئيس لرفع أسعار الكربون.
وتُعِدّ بروكسل إجراءات لإنهاء حصص الكربون المجانية للصناعات الثقيلة، جزءًا من طموحاتها لتشجيع التصنيع الأخضر والوصول إلى الحياد الكربوني بحلول عام 2050، لكنها واجهت معارضة شديدة من الصناعة.
وبينما صرّح مسؤولون بأنه لا توجد خطط لاتخاذ إجراءات فورية لمعالجة ارتفاع الأسعار، فإن هذه القضية مطروحة على جدول أعمال الاجتماعات المقبلة في بروكسل، بما في ذلك اجتماع رئيس وكالة الطاقة الدولية فاتح بيرول، لمناقشة سياسة الطاقة مع رئيسة المفوضية، أورسولا فون دير لاين.
وأشار عدد من المسؤولين إلى أن الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة يُظهر الحاجة إلى تركيز متجدد على الكهرباء، وتطوير البنية التحتية للشبكة الكهربائية ومصادر الطاقة النظيفة للحدّ من تأثير الغاز في تحديد الأسعار.
موضوعات متعلقة..
- تخزين الغاز في أوكرانيا ينقذ أوروبا من أزمة طاقة جديدة (تقرير)
- انخفاض مخزونات الغاز في الاتحاد الأوروبي يثير القلق هذا الشتاء (تقرير)
- الطقس يحاصر مخزونات الغاز في أوروبا.. هل تصمد القارة خلال الشتاء؟
نرشح لكم..
- ملف خاص عن تداعيات الحرب الإسرائيلية الإيرانية على قطاع الطاقة
- ملف خاص عن الهيدروجين في الدول العربية
- ملف خاص عن الطاقة الشمسية في الدول العربية
المصادر:
- أزمة طاقة جديدة في أوروبا، من صحيفة "فايننشال تايمز"
- أزمة انخفاض مخزونات الغاز في أوروبا، من وكالة رويترز





