فرصة ذهبية أمام الجزائر وروسيا لزيادة صادرات الغاز المسال
أحمد معوض
تشكّل الحرب على إيران فرصة ذهبية أمام الجزائر وروسيا لزيادة صادرات الغاز المسال في ظل اضطرابات غير مسبوقة في الإمدادات، مع ارتفاع الأسعار العالمية.
وتأثرت أسواق الطاقة العالمية بتصعيد الحرب بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى، ما أدى إلى تعطّل صادرات دول الخليج من الغاز المسال وارتفاع الأسعار إلى إلى أعلى مستوياتها في نحو 3 أعوام.
دفع التصعيد -وفق متابعات منصة الطاقة المتخصصة (مقرّها واشنطن)- الدول المصدّرة إلى البحث عن فرص جديدة لتعزيز حصتها السوقية من الغاز المسال، من بينها الجزائر التي تسعى لزيادة الإنتاج إلى أقصى طاقة متاحة وإتاحة أكبر عدد من الشحنات للبيع في السوق الفورية، للاستفادة من ارتفاع الأسعار ونقص إمدادات بعض دول الخليج.
ويلوح أمام الجزائر سيناريو عام 2022، عندما رفعت صادراتها استفادة من الأسعار القياسية خلال الحرب الأوكرانية، مدفوعة بنقص الإمدادات الأوروبية واعتماد السوق على مصادر بديلة.
وفي الوقت نفسه، تمتلك روسيا فرصة كبيرة لتعزيز صادراتها رغم العقوبات الغربية، خاصةً مع تقلّص بدائل الإمداد أمام أوروبا في ظل الاضطرابات، ما قد يعيد الحديث عن استئناف المناقشات الأوروبية حول استيراد الغاز من موسكو.
صادرات الجزائر من الغاز المسال
تسعى صادرات الجزائر من الغاز المسال إلى الاستفادة من ارتفاع الأسعار العالمية وقلة الإمدادات من بعض كبار الموردين، وعلى رأسهم قطر بعد توقُّف مؤقت لإمداداتها إثر هجمات استهدفت منشآتها الحيوية في رأس لفان ومسيعيد.
وتسعى شركة سوناطراك الجزائرية إلى رفع إنتاج الغاز المسال لأقصى قدرة ممكنة، للاستفادة من الأسعار المرتفعة وتعويض غياب الإمدادات من الخليج، خاصةً في ظل توقعات بموجة تقلبات حادّة في الأسواق العالمية.
وتمتلك الجزائر فرصة تاريخية لزيادة الإمداد خاصة إلى الأسواق الأوروبية، كون شحناتها لا تمرّ عبر مضيق هرمز، وتعدّ الأقرب للأسواق الأوروبية المطلة على البحر المتوسط، كما يمكنها إرسال شحنات إلى آسيا عبر رأس الرجاء الصالح بعيدًا عن توترات البحر الأحمر.
وفي هذا الإطار، تخطط الجزائر لزيادة إنتاجها إلى أقصي قدر ممكنة، إذ تتصدر البلاد قائمة أكبر 5 دول في أفريقيا من حيث قدرة الإسالة، من خلال منشآت يمكنها إنتاج نحو 25.3 مليون طن سنويًا.

وتسعى الجزائر من خلال زيادة القدرات إلى تعويض انخفاض صادراتها من الغاز المسال، التي تراجعت نحو 18% خلال 2025، ما يعادل 2.08 مليون طن، مسجلةً مستوى منخفضًا تاريخيًا.
وانخفضت صادرات الجزائر من الغاز المسال إلى 9.54 مليون طن في 2025، مقارنة بـ11.62 مليونًا في 2024، و13.45 مليونًا في 2023، وهو الأعلى خلال عقد كامل.
وبالعودة إلى تجربة 2022، عندما شهدت الجزائر زيادة في صادراتها استفادة من اختلالات السوق إثر الحرب الروسية–الأوكرانية، تعيد الظروف الحالية سيناريو مشابهًا مع ارتفاع الأسعار وطلب الأسواق على الغاز المتاح.
وبلغت صادرات الجزائر من الغاز المسال خلال عام 2022 نحو 10.2 مليون طن، واستقرت عند مستويات عالية مدعومة بارتفاع الأسعار جراء الأزمة الروسية الأوكرانية، إذ قفزت إيرادات البلاد من المحروقات لتبلغ ذروتها التاريخية مسجلة أكثر من 50 مليار دولار.
وتحافظ دول أوروبا على صدارة المستوردين للغاز الجزائري، إذ تصدرت تركيا قائمة أكبر الدول المستوردة خلال 2025 بـ3.14 مليون طن، تلتها فرنسا بـ2.31 مليون طن، ثم إيطاليا بـ1.62 مليون طن، ثم إسبانيا بـ1.44 مليون طن، ثم المملكة المتحدة بـ0.64 مليون طن، ما يعكس الثقة المتزايدة للأسواق الأوروبية والإقليمية في الإمدادات الجزائرية.
وتسعى الجزائر للاستفادة من الوضع لتعزيز صادراتها الفورية، إذ تتجه نحو زيادة وتيرة تحميل الشحنات خلال الأيام المقبلة، مع احتمال إعادة توجيه بعض الشحنات إلى دول عربية مستوردة مثل مصر والكويت والأردن والبحرين لتغطية أيّ فجوة محتملة في الإمدادات.
روسيا لاعب رئيس في سوق الغاز
ما تزال روسيا لاعبًا مهمًا في سوق الغاز المسال على الرغم من العقوبات الغربية المفروضة منذ بداية الحرب في أوكرانيا، ووفق بيانات حديثة، بلغ إنتاج موسكو من الغاز المسال نحو 32 مليون طن في 2025، ما يمثّل نحو 7% من السوق العالمية.
وفي بداية 2026، ارتفعت صادرات روسيا من الغاز المسال بنسبة 5.8% في الأشهر الأولى مقارنة بالعام الماضي، لتصل إلى نحو 5.5 مليون طن خلال يناير/كانون الثاني وفبراير/شباط، مع ارتفاع الشحنات إلى أوروبا بنحو 7%.
وكانت روسيا قد حققت رقمًا قياسيًا في صادرات الغاز المسال في 2024 بنحو 33.6 مليون طن، مع توجيه أكثر من نصف الكميات إلى أوروبا قبل أن تزداد الضغوط السياسية على استمرار استيراد الغاز الروسي.
وعلى الرغم من انخفاض صادرات روسيا من الغاز المسال في 2025 بنسبة 6% أو ما يعادل مليوني طن، ظلّت أوروبا أكبر منطقة مستوردة للغاز المسال الروسي، رغم استمرار تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، وامتداد العقوبات المفروضة على موسكو للسنة الرابعة على التوالي.
وتوضّح القائمة التالية ترتيب أكبر الدول المستوردة للغاز المسال الروسي في 2025:
- الصين: 7.24 مليون طن.
- فرنسا: 6.33 مليون طن.
- اليابان: 5.80 مليون طن.
- بلجيكا: 4.27 مليون طن.
- إسبانيا: 2.69 مليون طن.
الإنفوغرافيك التالي -من إعداد منصة الطاقة المتخصصة- يستعرض قائمة أكبر الدول المستوردة للغاز الروسي في 2025:

وتواجه موسكو تحديات متعددة، أبرزها العقوبات والتأثيرات الاقتصادية الناتجة عن الحرب في أوكرانيا، ما دفعها إلى إعادة جدولة أهداف التوسع في إنتاج الغاز المسال من 90–105 ملايين طن سنويًا بحلول 2030.
ومن المتوقع أن يشهد الطلب على الغاز الروسي تغييرات في السنوات المقبلة، خاصةً إذا استجابت أوروبا لضغوط إعادة النظر في القيود المفروضة على واردات الغاز الروسي في ظل الاضطرابات الجيوسياسية الراهنة.
ووسط قفزات أسعار الغاز في أوروبا حاليًا، وجّه المبعوث الخاص للرئيس الروسي، كيريل دميترييف، رسالة حملت نبرة ساخرة، قال فيها: إن "الصدمة لم تكن مقتصرة على أسعار النفط فحسب، بل شملت أيضًا أسعار الغاز الطبيعي، فقد ارتفعت أسعار الغاز في أوروبا بنسبة 22% منذ الهجوم على إيران، وقد تتضاعف قريبًا".
وأضاف أن "الخطأ الاستراتيجي للاتحاد الأوروبي في تجنُّب الغاز الروسي الرخيص والموثوق به يأتي بنتائج عكسية"، إذ يرى أن أوروبا "ستحتاج مرة أخرى إلى روسيا للبقاء".
إعادة النظر في استيراد الغاز الروسي
قال وزير الطاقة النرويجي تيري آسلاند، إن الاتحاد الأوروبي قد يستأنف المناقشات حول استيراد الغاز المسال من روسيا، على خلفية التصعيد العسكري في الشرق الأوسط وتأثيره بإمدادات الطاقة.
وقال آسلاند: "لقد صرّح الاتحاد الأوروبي بوضوح بأنه يريد تحرير نفسه من النفط والغاز الروسيين، لكن أحداث الأيام الماضية كانت معقّدة أيضًا، بالنظر إلى الوضع الجيوسياسي الحالي، أعتقد أن النقاشات ستستأنف".
ويأتي التصريح في وقت ارتفعت فيه أسعار الغاز في أوروبا بنسبة 75% هذا الأسبوع، مسجلةً أعلى مستوياتها منذ سنوات، بسبب تأثير العمليات العسكرية الجارية في صادرات الغاز من منطقة الخليج العربية، وسط تصعيد غير مسبوق بين إيران والتحالف الأميركي الإسرائيلي.
محطة لضخّ الغاز في أوروبا- الصورة من رويترز
تأثير الحرب على إيران في أسواق الطاقة
يؤدي تصعيد الحرب بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة أخرى إلى تعطيل الملاحة عبر مضيق هرمز، الذي يعدّ ممرًا لاستيعاب نحو 20% من الشحنات النفطية والغاز المسال عالميًا، الأمر الذي تسبَّب في ارتفاع الأسعار العالمية بشكل حادّ.
وتشير بيانات وحدة أبحاث الطاقة إلى أن صادرات قطر، التي تُمثّل نحو 20% من صادرات الغاز المسال عالميًا، تعطلت جزئيًا بعد الضربات على منشآت الإنتاج في رأس لفان، ما يمنح الجزائر فرصًا لتغطية هذا النقص في السوق الآسيوية والأوروبية.
ويؤدي الاضطراب إلى توجيه المشترين العالميين نحو مصادر أخرى، من بينها الجزائر وروسيا والولايات المتحدة، بحثًا عن شحنات الغاز المسال المتاحة مع تحديات أقل في الإمداد والتأمين البحري وسط المخاطر المتصاعدة حول الخليج ومضيق هرمز.
وباتت صادرات دول الخليج من الغاز المسال بؤرة الاهتمام العالمي مع تعطيل الملاحة عبر مضيق هرمز، ما يهدّد وصول أكثر من 20% من الإمدادات العالمية إلى الأسواق.
وفي عام 2025، صدّرت دول الخليج (قطر وسلطنة عمان والإمارات) نحو 97.5 مليون طن من الغاز المسال، ما يعادل 22.7% من إجمالي الصادرات العالمية، إذ تحتاج صادرات قطر والإمارات البالغة صادراتهما معًا 86 مليون طن إلى عبور مضيق هرمز نحو الأسواق الآسيوية والأوروبية.
وقبل بدء الحرب على إيران (28 فبراير/شباط 2026)، تشير بيانات وحدة أبحاث الطاقة إلى أن صادرات قطر قد ارتفعت إلى أعلى مستوى منذ 2021 على الأقل، خلال يناير/كانون الثاني 2026، عند 7.7 مليون طن، وهبطت إلى 6.5 مليون طن في فبراير/شباط، لكنها ظلت أعلى بنسبة 2.5% على أساس سنوي.
وتُمثّل واردات الغاز المسال نحو 46% من إمدادات الغاز في أوروبا، وهي نسبة تضاعفت منذ عام 2020، ما يربط أمن الطاقة الأوروبي بشكل أكبر بأسواق الغاز المسال الخارجية.
ويعزز الاعتماد المتزايد من أهمية الجزائر وروسيا بصفتهما مصدرَين محتملَين لتعويض نقص الإمدادات، خصوصًا مع تراجع إمدادات الغاز المسال القطري والعماني والإماراتي وتعطُّل المرور عبر مضيق هرمز، ما يدفع المشترين العالميين لإعادة ترتيب أولوياتهم.
موضوعات متعلقة..
- تحرك عاجل من الجزائر بعد ارتفاع أسعار الغاز ووقف إمدادات قطر
- أسعار الغاز في أوروبا تقفز 40%.. ورسالة ساخرة من روسيا
اقرأ أيضًا..
- واردات الهند من نفط وغاز الشرق الأوسط تواجه أزمة.. و3 خيارات للنجاة
- إضافات طاقة الرياح في أوروبا قد ترتفع إلى 151 غيغاواط بحلول 2030
- قطع الغاز الطبيعي عن بعض المصانع في الأردن يرفع التكلفة التشغيلية





