الحرب على إيران.. الهجمات الأميركية والإسرائيلية تهدد فرص الاستثمار في النفط والغاز (مقال)
أومود شوكري* - ترجمة: نوار صبح

- إيران تمتلك بعض أكبر احتياطيات الهيدروكربونات في العالم
- الاستثمارات الضخمة في قطاع الطاقة تعتمد على سلامة خطوط النقل
- قطاع الطاقة الإيراني ما يزال غنيًا بالموارد، وهذا لم يتغير
- طهران قد تستمر في بيع النفط عبر وسطاء والتكيف مع العقوبات
تُبدد الحرب على إيران فُرص الاستثمارات الأجنبية في قطاع الطاقة، ولا سيما استثمارات النفط والغاز، وذلك في ظل استمرار الضربات الأميركية الإسرائيلية على البلاد.
وقبل بدء هذه الضربات على البلاد في 28 فبراير/شباط الماضي، كانت طهران تحاول إعادة صياغة حجة قديمة بأسلوب أكثر ملاءمة، لكن يبدو أن المنحنى الجديد الذي تتخذه الأحداث يشكّل صدمة الآن.
وكانت طهران تُلمّح إلى أن تخفيف العقوبات، والتسوية النووية، والانفتاح الاقتصادي الانتقائي، قد يُفسح المجال في نهاية المطاف لمشاركة أجنبية في قطاعات النفط والغاز والتعدين والطيران، بما في ذلك أدوار محتملة للشركات الأميركية.
من جانبهم، طرح المسؤولون الإيرانيون "مصالح مشتركة" في حقول النفط والغاز والتعدين وشراء الطائرات خلال اتصالاتهم مع واشنطن، مُستغلين بذلك غريزة دونالد ترمب التي تُؤمن بأن الدبلوماسية يجب أن تُحقق مكاسب اقتصادية ملموسة.
احتياطيات إيران من الهيدروكربونات
تمتلك إيران بعض أكبر احتياطيات الهيدروكربونات في العالم، وتحتاج بنيتها التحتية للطاقة إلى رأس مال وتكنولوجيا، وما يزال العديد من حقولها متخلفًا عن المعايير العالمية.
نظريًا، كان من الممكن أن يُصبح هذا المزيج جزءًا من صفقة أوسع، لولا انطلاق الحرب على إيران.
وإذا أرادت واشنطن فرض قيود على البرنامج النووي الإيراني وخفض التوترات الإقليمية، كانت طهران تُشير إلى وجود مكاسب مالية يُمكن جنيها في المقابل.
واصطدم هذا الطرح، الآن، بحقيقة أشدّ وطأة: عندما تكون الحرب على إيران، الرئيسة إستراتيجيةً، يمكن للحوافز التجارية أن تُزيّن الدبلوماسية، لكنها لا تستطيع أن تُرسّخها.
لذا، لم تُؤخّر الحرب على إيران في 28 فبراير/شباط الماضي والردود اللاحقة مجرد احتمال الاستثمار، بل غيّرت طبيعة المخاطر.

من مخاطر العقوبات إلى الحرب على إيران
لسنوات، نظرت الشركات الأجنبية إلى إيران بصفتها سوقًا صعبة، ولكنها واعدة، مقيّدة بالعقوبات، وعوائق الدفع، والتقلبات السياسية، ومخاطر التحولات المفاجئة في السياسة الأميركية.
وبعد بدء الحرب على إيران في 28 فبراير/شباط الماضي، لم يعد هذا الإطار قائمًا، وباتت طهران تبدو أقل شبهًا بفرصة محدودة بالعقوبات، وأكثر شبهًا بسوق محفوفة بمخاطر الحرب، حيث يكتنف الغموض استمرار الوضع السياسي، والاستقرار التنظيمي، وجدوى التصدير.
في مثل هذه البيئة، يعتمد الاستثمار في الطاقة بشكل أقل على جاذبية احتياطيات إيران الهائلة، وأكثر على قدرة العقود على الصمود، وحماية البنية التحتية، واستمرار عمل طرق التصدير، وتجنّب المستثمرين الوقوع في فخ العقوبات، والحرب، وتكاليف التأمين، والانقلابات السياسية المفاجئة.
رد فعل العالم على الهجمات
كان رد فعل العالم على الحرب على إيران متباينًا، ولكنه كشف صورة سلبية تمامًا لكل من كان يأمل أن تجذب إيران قريبًا رؤوس أموال أجنبية كبيرة.
وأدان الأمين العام للأمم المتحدة التصعيد العسكري، ودعا إلى وقف فوري للأعمال العدائية والعودة إلى المفاوضات.
بدورها، أكدت فرنسا وألمانيا وبريطانيا الاستقرار الإقليمي وحماية أرواح المدنيين واستئناف العمل الدبلوماسي.
وحذّرت سلطنة عُمان -التي كانت تتوسط في المفاوضات الأميركية الإيرانية- من أن المفاوضات النشطة قد قُوّضت مرة أخرى، وحثّت واشنطن على عدم الانجرار إلى مزيد من التورط.
ودعت إسبانيا إلى خفض التصعيد واحترام القانون الدولي، وشككت النرويج صراحةً في الأساس القانوني للهجوم الوقائي.
في المقابل، أيدت كندا العمل الأميركي جزءًا من منع إيران من الحصول على سلاح نووي.
إن هذا التباين في ردود الفعل لا يُتيح فرصة للاستثمار، بل يُؤدي إلى غموض إستراتيجي، وهذا الغموض يقوّض تمويل قطاع الطاقة الإيراني على المدى الطويل.
ولا يحتاج المستثمرون إلى موافقة جميع حكومات العالم، لكنهم يحتاجون إلى حدّ أدنى من القدرة على التنبؤ باتجاه البيئة الدولية.
وبدلًا من ذلك، أكد ردّ الفعل على الضربات أن إيران ما تزال غارقة في صراع جيوسياسي عالي المخاطر دون وجود إطار دبلوماسي مستقر في الأفق.
وتُطالب بعض الحكومات بخفض التصعيد فورًا، وبعضها يُبرر الضربات من منظور أمني، بينما يرى آخرون في هذه الأحداث دليلًا على أن المفاوضات كانت دائمًا هشة للغاية بحيث لا تدعم تطبيعًا دائمًا.
ولا يشكّل أيٌّ من ذلك بيئة دولية ذات مصداقية للاستثمار في الطاقة على نطاق واسع.

الصين وروسيا وحدود التغطية السياسية
قد تأمل طهران أن يُسهم انتقاد الصين وروسيا في الحفاظ على الحيز الدبلوماسي والعلاقات الخارجية، لكن ذلك لا يُغني عن خلق مسار استثماري حقيقي.
صحيح أن معارضتهما للضربات قد تكون ذات أهمية سياسية، إلّا أنها لا تُسهم وحدها في الحدّ من مخاطر الحرب، أو استعادة إمكان الوصول إلى التأمين، أو حماية البنية التحتية للطاقة، أو إعادة فتح قنوات الدفع، أو حماية المشروعات من الهجمات المستقبلية.
وحتى رأس المال الصيني كان يميل إلى الحذر في إيران، مفضلًا شراء النفط بأسعار مخفضة على الاستثمارات الكبيرة والمعرّضة للخطر في قطاع التنقيب والإنتاج.
وربما ما تزال إيران تحظى بمشترين وداعمين دبلوماسيين، لكن هذا لا يعني بالضرورة أن تصبح وجهة طبيعية للاستثمار الأجنبي واسع النطاق والتنافسي في قطاع الطاقة.
رد فعل دول الخليج
قد لا يأتي ردّ الفعل الأجنبي الأهم من بكين أو موسكو على الإطلاق، بل من دول الخليج.
وقد وسّع الرد الإيراني الشعور بأن عدم الاستقرار في إيران لا يمكن احتواؤه داخلها. وذكرت وكالة رويترز أن ردّ طهران الصاروخي نقل الحرب إلى عتبة الخليج، ومن المرجّح أن يُعزز الدعم العربي للحملة الأميركية الإسرائيلية.
بالنسبة لدول الخليج، لا تقتصر المسألة على توازن القوى النظري، بل تتعداه إلى أمن الممرات الملاحية، وصادرات الطاقة، والمجال الجوي، والمواني، وسلاسل الإمداد، والمراكز المالية، ويمثّل هذا تحولًا جذريًا في منطق الاستثمار.
لسنوات، كان من الممكن تصور سيناريو تفاوضي يُعاد فيه دمج إيران تدريجيًا في أسواق الطاقة الإقليمية، رغم العقوبات المفروضة عليها.
وبعد هجمات 28 فبراير/شباط الماضي، بات القلق المعاكس هو السائد.
ويُنظر الآن إلى عدم الاستقرار في إيران على نطاق أوسع بوصفه محفزًا للاضطرابات في منطقة الخليج نفسها.
وهذا يُوسّع دائرة الجهات الفاعلة التي لها مصلحة في تقييد أيّ انفتاح اقتصادي يُعزز نفوذ طهران دون تغيير سلوكها الإستراتيجي الأوسع.
بعبارة أخرى: إذا نظر الجيران إلى الاقتصاد المحلي بصفته جزءًا من ساحة المعركة، يصبح من الصعب إقناعهم بتطبيع العلاقات التجارية.
مضيق هرمز غيّر الحسابات
إذا كان رد الفعل الدبلوماسي قد أوضح الجوانب السياسية، فإن رد فعل السوق قد أوضح الجوانب الاقتصادية.
وأفادت وكالة رويترز أن سعر خام برنت ارتفع بنسبة 10%، ليصل إلى نحو 80 دولارًا للبرميل في التداولات خارج البورصة بعد الضربات، مع تحذير المحللين من أن الأسعار قد تصل إلى 100 دولار إذا استمرت الاضطرابات.
والأهم من ارتفاع الأسعار نفسه كان الاضطراب الفوري الذي شهده مضيق هرمز، إذ علّق مالكو ناقلات النفط وشركات النفط الكبرى وشركات التجارة الشحنات عبر الممر المائي بعد أن حذّرت طهران السفن من المرور فيه.
ويمر عبر مضيق هرمز أكثر من 20% من النفط العالمي، وقدّر المحللون أنه حتى مع وجود بنية تحتية بديلة، فإن إغلاق المضيق قد يُفقد ما بين 8 و10 ملايين برميل يوميًا من الإمدادات العالمية.
وهذا يُغيّر مسألة الاستثمار جذريًا، فحتى لو خُفِّفَت العقوبات جزئيًا غدًا، فهل ستُخصّص شركة أجنبية كبرى مليارات الدولارات لمشروعات التنقيب والإنتاج في بلد قد يتحول شريان تصديره إلى بؤرة توتر عسكري بين عشية وضحاها؟
وتعتمد الاستثمارات الضخمة في قطاع الطاقة على سلامة خطوط النقل، وتوفّر المعدات، وتوافر شركات التأمين، وإمكان التنبؤ بأقساط التأمين البحري، فضلًا عن قدر من الثقة في إمكان نقل الشحنات دون انقطاع.
قد أدت الحرب الدائرة حول مضيق هرمز إلى تقويض جميع هذه الافتراضات دفعة واحدة.
لذا، عززت ضربات 28 فبراير/شباط الماضي من ترابط المخاطر المتعلقة بإيران ومخاطر الخليج.
ولم تعد إيران مجرد دولة منتجة صعبة في ظل العقوبات، بل باتت تُعدّ -أكثر من أيّ وقت مضى- مركزًا يمكن أن تنتشر من خلاله اضطرابات إقليمية أوسع.

هل تدخل شركات الطاقة الأميركية السوق الإيرانية؟
بالنسبة لشركات الطاقة الأميركية، أصبحت العقبات أكبر، فحتى قبل انطلاق الحرب على إيران، لم تكن واشنطن بصدد إلغاء نظام العقوبات.
وقد أفادت وكالة رويترز في 25 فبراير/شباط الماضي بأن وزارة الخزانة الأميركية فرضت عقوبات على أكثر من 30 فردًا وكيانًا وسفنًا تابعة لأسطول سرّي، مرتبطة بمبيعات النفط غير المشروعة وبرامج الأسلحة الإيرانية.
وهذا يعني أن أيّ عودة جادّة للشركات الأميركية إلى السوق الإيرانية كانت مستبعدة سياسيًا. وبعد بدء الحرب على إيران واستمرار الضربات، أصبح الأمر أكثر صعوبة.
والعائق ليس قانونيًا، وإن كان هائلًا، بل هو ذو بُعدٍ سياسي وسمعي. أيّ شركة أميركية تحاول الاستثمار في إيران الآن ستواجه تدقيقًا من الكونغرس والهيئات التنظيمية والمساهمين وشركات التأمين والطبقة السياسية عمومًا.
ولن يُنظر إلى الأمر بصفته قرارًا تجاريًا تقليديًا، بل من منظور الأمن القومي.
و قد تنظر شركة ما إلى إيران وتجد فيها احتياطيات عالمية المستوى، وإمكانات إنتاج منخفضة التكلفة، وفرصة جذابة تقنيًا في مجال التنقيب والإنتاج، ولا يمكن للإدارة بناء إستراتيجيتها على جودة الاحتياطيات وحدها.
فيجب أن تكون قادرة على الدفاع عن قرارها علنًا، وتمويله، والتأمين عليه، وحماية العاملين فيه، وأن تثق بأن البيئة السياسية لن تتغير في الأزمة التالية أو الدورة الانتخابية المقبلة.
وفي ظلّ الوضع ما بعد الضربة، لا يوجد أيٌّ من هذه الشروط مضمونًا بأيّ شكل من الأشكال.
وما يزال قطاع الطاقة الإيراني غنيًا بالموارد، وهذا لم يتغير.
ما تغيّرَ هو الفجوة بين الفرص الجيولوجية والجدوى السياسية.
و قد تستمر طهران في بيع النفط عبر وسطاء، والتكيف مع العقوبات، والاعتماد على ما تبقّى من شراكات متاحة، لكن هذا نموذج للبقاء، وليس نهضة استثمارية.
لذا، فإن الدرس الأساس من الضربات ليس عسكريًا، بل هو تجاري وجيوسياسي في آنٍ واحد.
وقد ذكّرت هذه الضربات العالم، مرة أخرى، بأن فرص الطاقة في حالة إيران تأتي في المرتبة الثانية بعد المخاطر الإستراتيجية.
وما دامت البلاد في قلب المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل ومجموعة أوسع من القوى الإقليمية والعالمية، فإن قطاع الطاقة فيها سيظل أقل وجهة للاستثمار طويل الأجل العادي وأكثر مسرحًا تتصادم فيه الجيولوجيا والدبلوماسية والعقوبات والحرب باستمرار.
الدكتور أومود شوكري، الخبير الإستراتيجي في مجال الطاقة، الزميل الزائر الأول في جامعة جورج ميسون الأميركية، مؤلف كتاب "دبلوماسية الطاقة الأميركية في حوض بحر قزوين: الاتجاهات المتغيرة منذ عام 2001".
* هذا المقال يمثّل رأي الكاتب، ولا يعبّر بالضرورة عن رأي منصة الطاقة.
موضوعات متعلقة..
- سيناريو واحد قد ينقذ أسواق النفط من تداعيات الحرب على إيران
- الحرب على إيران.. هل تكفي مخزونات النفط والغاز في مصر؟
- الدول الـ8 في أوبك+ قد ترفع إنتاج النفط بسبب الحرب على إيران
اقرأ أيضًا..
- أكبر 10 دول عربية في سعة محطات الكهرباء العاملة بالنفط والغاز
- إنتاج مصر من الغاز.. بين الاكتشافات الجديدة والثقة بإدارة الملف (مقال)
- تحول الطاقة في الشرق الأوسط يطرح فرصًا استثمارية تتخطى 5 تريليونات دولار





