دراسة: الزراعة العضوية أداة إستراتيجية لخفض الانبعاثات الكربونية
داليا الهمشري

في ظل الضغوط المتزايدة لخفض الانبعاثات الكربونية ومواجهة ظاهرة الاحتباس الحراري، تبرز الزراعة بوصفها أحد القطاعات القادرة على إحداث تحول حقيقي في مسار العمل المناخي.
كما أن القطاع الزراعي لا يُعدّ فقط مصدرًا للانبعاثات المرتبطة باستعمال الأسمدة الكيماوية والوقود الأحفوري في عمليات الري والنقل والتصنيع، بل يمثّل في الوقت نفسه فرصة إستراتيجية لامتصاص الكربون من الغلاف الجوي عبر تحسين إدارة التربة وتبنّي ممارسات إنتاج أكثر استدامة.
ومن ثم فإن إعادة هيكلة النظم الزراعية لتصبح أقل اعتمادًا على المدخلات كثيفة الكربون، تضع الزراعة في صميم الحلول المناخية، كونها ركيزة أساسية في مسار خفض الانبعاثات وتحقيق الأمن الغذائي المستدام.
وفي هذا السياق، تؤكد دراسة أعدها الخبير الدولي في الزراعة التجديدية وتغير المناخ، أستاذ الزراعة العضوية والبيئة بجامعة الأزهر، الدكتور خالد غانم، أن الزراعة العضوية تمثّل مسارًا عمليًا لخفض البصمة الكربونية للقطاع الزراعي، وتعزيز قدرة التربة على عزل الكربون، بما يدعم التحول نحو اقتصاد منخفض الانبعاثات.
وتوضح الدراسة -التي اطّلعت عليها منصة الطاقة المتخصصة (مقرّها واشنطن)- أن النظم الزراعية التقليدية تعتمد بكثافة على مدخلات صناعية عالية الانبعاثات، خاصة الأسمدة النيتروجينية والمبيدات الكيميائية، في حين يقوم النظام العضوي على تقليل هذه المدخلات، مما يسهم في تقليص الانبعاثات، إلى جانب زيادة مخزون الكربون في التربة عبر رفع نسبة المادة العضوية.
مسار اقتصادي منخفض الكربون
بحسب الدراسة، فإن مفهوم الاستثمار الأخضر يرتكز على تحقيق عائد اقتصادي دون الإضرار بالبيئة، وهو ما يتقاطع بصورة مباشرة مع فلسفة الزراعة العضوية، لأنها لا تمثّل فقط نمط إنتاج غذائي آمنًا، بل أداة من أدوات الاقتصاد الأخضر القادرة على خلق فرص عمل، وتحسين سلاسل القيمة، وتقليل الاعتماد على مدخلات كثيفة الطاقة.
وتشير البيانات الصادرة عن الاتحاد الدولي لحركات الزراعة العضوية في فبراير/شباط 2024 إلى أن المساحات المزروعة عضويًا عالميًا بلغت نحو 96 مليون هكتار، بإجمالي مبيعات وصل إلى 135 مليار يورو، مما يعكس تنامي دور هذا القطاع في التحول نحو أنظمة إنتاج منخفضة الانبعاثات.
وتوضح الدراسة أن المنطقة العربية تمتلك مقومات مهمة للتوسع في الزراعة العضوية، خاصة في وادي النيل (مصر والسودان)، والمغرب العربي، ودول الخليج، وبلاد الشام.
وتتصدر تونس القارة الأفريقية من حيث المساحة المزروعة عضويًا بنحو 367 ألف هكتار، كما تعدّ الأولى عالميًا في إنتاج زيت الزيتون العضوي.
أمّا مصر، فتزرع نحو 120 ألف هكتار عضوي، مع تميُّز واضح في النباتات الطبية والعطرية والقطن العضوي، إذ تأتي ضمن قائمة الدول الـ10 الأولى عالميًا في إنتاجه.

ويبرز القطن العضوي بصفته قطاعًا واعدًا منخفض الانبعاثات، إذ تشير التقديرات إلى نمو سوقه عالميًا بمعدلات مرتفعة خلال الأعوام المقبلة.
ويؤكد الدكتور خالد غانم -في تصريحات خاصة إلى منصة الطاقة المتخصصة- أن التوسع في هذا القطاع بالبلدان العربية يتطلب سياسات داعمة، وحوافز استثمارية، وتطويرًا لسلاسل القيمة، حتى تتحول الزراعة العضوية من نشاط متخصص إلى ركيزة أساسية في خطط خفض الانبعاثات وتحقيق التنمية المستدامة.
منظومة خفض الانبعاثات
تشير الدراسة إلى أن مجالات الاستثمار الأخضر في الزراعة العضوية تتعدد وتتكامل في ما بينها لتشكّل منظومة متكاملة لخفض الانبعاثات الكربونية، موضحةً أن التحول إلى إنتاج المحاصيل العضوية يسهم في تقليل استعمال الأسمدة والمبيدات الصناعية، وهو ما ينعكس مباشرة على خفض الانبعاثات المرتبطة بعمليات تصنيعها ونقلها واستعمالها.
كما أن التوسع في زراعة المحاصيل العضوية يفتح المجال أمام التوسع في التصنيع الزراعي منخفض الكربون في قطاعات مثل التمور والزيتون والطماطم والمانجو، بما يعزز سلاسل القيمة المضافة.
وتُبرز الدراسة -كذلك- أهمية استغلال النباتات المهملة في الأراضي الهامشية، خاصةً الأنواع القادرة على تحمُّل الجفاف مثل التين الشوكي والحرنكش، إذ يدعم هذا التوجّه جهود التكيف مع تغير المناخ ويقلل استهلاك المياه والمدخلات الزراعية، إلى جانب توفير منتجات ذات قيمة تصديرية مرتفعة.
وفي السياق ذاته، تمثّل إدارة النفايات العضوية وتدويرها أحد أهم مسارات الاستثمار الأخضر، من خلال تحويل المخلفات الزراعية والغذائية إلى سماد عضوي عبر تقنيات الكمبوست والفيرمي كمبوست واستعمال ذبابة الجندي الأسود، بما يقلل انبعاثات غاز الميثان الناتجة عن التحلل العشوائي، ويوفر بدائل عضوية للأسمدة الكيماوية كثيفة الكربون.
كما يشكّل إنتاج مستلزمات الزراعة العضوية، مثل الأسمدة الحيوية والمخصبات ومحفزات النمو، سوقًا واعدة تدعم خفض البصمة الكربونية عبر تقليل الاعتماد على المنتجات المستوردة، وتعزيز التصنيع المحلي منخفض الانبعاثات.
ويمتد الأثر إلى قطاع الإنتاج الحيواني العضوي، الذي يمكن خفض انبعاثاته من خلال تحسين إدارة المراعي، وزراعة الأعلاف البقولية، وتبنّي حلول مبتكرة مثل استنبات الحبوب باستعمال الطاقة الشمسية، بما يقلل الضغط على الموارد ويحدّ من الغازات الدفيئة.
ترسيخ مفهوم الاقتصاد الأخضر
فيما يتعلق بالتسويق، تؤكد الدراسة أن تقصير سلاسل الإمداد عبر التسويق المباشر، وتنظيم الأسواق الأسبوعية، ونظام الاشتراك المنزلي، يسهم في تقليل الانبعاثات المرتبطة بالنقل والتخزين، ويعزز العلاقة المباشرة بين المنتج والمستهلك.

أمّا سياحة الزراعة العضوية، فتمثّل نموذجًا متكاملًا يجمع بين الإنتاج منخفض الكربون والتنمية المحلية، مع تقديم تجربة تعليمية وغذائية مستدامة، بما يرسّخ مفهوم الاقتصاد الأخضر في صورته التطبيقية الشاملة.
وتخلص الدراسة إلى أن الزراعة العضوية لا تقتصر على خفض الانبعاثات، بل تسهم كذلك في عزل الكربون داخل التربة عبر زيادة المادة العضوية وتحسين بنية التربة، ما يعزز قدرتها على الاحتفاظ بالمياه ومقاومة الجفاف، وبذلك تمثّل الزراعة العضوية أداة تجمع بين التخفيف من تغير المناخ والتكيف مع آثاره.
موضوعات متعلقة..
- كيف يخفّض الاقتصاد الدائري الانبعاثات الكربونية في قطاع الزراعة؟.. خبير يجيب
- لخفض الانبعاثات الكربونية.. دراسة مصرية تدمج الزراعة دون تربة في المدن الذكية
- خفض انبعاثات قطاع الزراعة ضرورة ملحة للعمل المناخي.. وهذه أبرز الحلول
اقرأ أيضًا..
- إيرادات صادرات النفط السعودي في ديسمبر 2025 ترتفع للشهر الخامس
- صادرات النفط العراقي في يناير 2026 تنخفض 1000 برميل يوميًا
- 4 آبار نفط وغاز عربية تبشر باحتياطيات واعدة
- شحنة غاز مسال تتجنب قناة السويس وتذهب إلى وجهة نادرة





