شركات تصنيع السيارات الكهربائية تواجه صعوبات في تحقيق طموحاتها (تقرير)
نوار صبح
- معظم شركات صناعة السيارات الغربية تواجه الآن مشكلات كبيرة.
- التحول السريع إلى السيارات الكهربائية الذي كان يأمله مصنعو السيارات والسياسيون لم يتحقق.
- مبيعات السيارات الكهربائية دعمت الزيادة الحادة في أسعار البنزين التي أعقبت اندلاع الحرب الأوكرانية.
- السعر هو السبب الرئيس وراء عدم تحقيق مبيعات السيارات الكهربائية للقوة المرجوة.
تواجه شركات تصنيع السيارات الكهربائية صعوبات في تحقيق طموحاتها، وسط تفاوت إقبال المشترين وتقلبات السوق ومشكلات محطات الشحن.
في هذا الإطار، يقول الرئيس التنفيذي لشركة تصنيع السيارات "فورد Ford" الأميركية جيم فارلي: "أعتقد أن رأي المستهلك قد حُسم، وهذه هي الخلاصة".
وكشفت شركة فورد عن خسارة سنوية قدرها 3.7 مليار جنيه إسترليني (5 مليارات دولار) بعد شهرين فقط من تسجيلها خسارة فادحة بلغت 19.5 مليار دولار، وفقًا لما اطلعت عليه منصة الطاقة المتخصصة.
ويرى محللون أن الرهان الجريء على السيارات الكهربائية ارتدّ عليها بنتائج عكسية كارثية.
*(الجنيه الإسترليني = 1.35 دولارًا أميركيًا).
تراجع مبيعات السيارات الكهربائية
في عام 2025، تراجعت مبيعات سيارة موستانغ ماك-إي كروس أوفر وشاحنة إف-150 لايتنينغ -التي وصفها الرئيس التنفيذي لشركة تصنيع السيارات "فورد Ford" الأميركية جيم فارلي ذات مرة بأنها "شاحنة المستقبل".
الأسوأ من ذلك، أن قسم سيارات فورد موديل إي الكهربائية قد تكبّد خسائر تجاوزت 13 مليار دولار منذ عام 2023.
والآن، تخلّت الشركة عن إنتاج شاحنة فورد إف-150، وألغت معظم خططها المستقبلية للسيارات الكهربائية، مع تركيزها بشكل أكبر على السيارات الهجينة.
ولا تُعد فورد الشركة العملاقة الوحيدة في صناعة السيارات التي تتكبّد خسائر نتيجة رهانها الفاشل على السيارات الكهربائية.
ففي العام الماضي، شطبت أكبر شركات صناعة السيارات في العالم أكثر من 60 مليار دولار من موازناتها العمومية، متراجعةً عن طفرة السيارات الكهربائية التي لم تتحقق.
ويشمل هذا الرقم تكلفة قدرها 22 مليار يورو (25.89 مليار دولار) أعلنت عنها شركة "ستيلانتيس Stellantis"، المالكة لعلامة فوكسهول.
يضاف إلى ذلك خسارة قدرها 7.6 مليار دولار لشركة "جنرال موتورز General Motors"، و5.1 مليار يورو لمجموعة "فولكسفاغن غروب Volkswagen Group"، و4.5 مليار دولار لهوندا، و1.2 مليار دولار لفولفو، وغيرها.
*(اليورو = 1.18 دولارًا أميركيًا).
وقال المحلل لدى شركة "كار إندستري أناليسيس Car Industry Analysis" فيليبي مونيوز: "تواجه معظم شركات صناعة السيارات الغربية الآن مشكلات كبيرة".
وبشكل عام، تشهد مبيعات السيارات الكهربائية نموًا، لكن التحول السريع إلى السيارات الكهربائية الذي كان يأمله مصنعو السيارات والسياسيون لم يتحقق.
وأضاف مونيوز: "لا يزال العديد من السائقين غير مرتاحين لهذا التحول".
لوائح الحياد الكربوني
بدأت لوائح الحياد الكربوني تُطبّق في المملكة المتحدة وأوروبا، حيث تواجه الشركات غرامات إذا لم تتمكن من تحقيق أهداف متزايدة الصعوبة، في الوقت الذي وصل فيه منافسون صينيون بأسعار منخفضة ليُقوّضوا هذه الشركات.
ويُظهر الرسم البياني التالي -الّذي أعدّته منصة الطاقة المتخصصة- كيف أن مبيعات السيارات الكهربائية مازالت أقل من الأهداف الحكومية:

ويحاول العديد من المصنّعين الصينيين أنفسهم تجاوز الأزمة، مع توقف المبيعات في السوق المحلية تقريبًا.
في جميع أنحاء العالم تتضح حقيقة مُرّة لشركات صناعة السيارات؛ ببساطة لا يرغب السائقون في السيارات الكهربائية بالكمية التي كانوا يأملون بها.
وقال المحلل لدى شركة "كار إندستري أناليسيس Car Industry Analysis" فيليبي مونيوز: "كانت الخطط التي وضعوها طموحة للغاية، وما نشهده الآن هو الواقع".
أمور غريبة في سوق السيارات
يمكن إرجاع جزء كبير من الفوضى الحالية إلى أيام ذروة الجائحة، عندما كانت تحدث أمور غريبة في سوق السيارات.
ومع انتشار فيروس كورونا وإغلاق المصانع في جميع أنحاء العالم، وذعر الحكومات، قُدّم دعم سخي للسيارات الكهربائية في محاولة لدعم صناعة السيارات المتعثرة.
وتزامن ذلك مع قيام البنوك المركزية في جميع أنحاء أوروبا بخفض أسعار الفائدة لإنعاش اقتصاداتها المتعثرة، ما جعل الاقتراض أرخص.
وفي مرحلة ما كان شراء سيارة كهربائية في ألمانيا رخيصًا للغاية، لدرجة أنه كان من الممكن استئجار طرازات مثل رينو زوي أو حتى مرسيدس-بنز إي كيو سي EQC كروس أوفر بأقل من سعر عقد هاتف محمول.
وفي الوقت نفسه، كانت الحكومات تُعزز سياسات الحياد الكربوني، حسب مصادر تابعتها منصة الطاقة المتخصصة.
وفي بريطانيا، أعلن رئيس الوزراء آنذاك بوريس جونسون حظر بيع سيارات البنزين الجديدة بحلول عام 2030، وفي أميركا اقترح جو بايدن حزمة تحفيزية بقيمة 174 مليار دولار للسيارات الكهربائية.
وكانت شركة "تيسلا Tesla"، صانعة السيارات الكهربائية التي أسسها إيلون ماسك، محط أنظار منافسيها التقليديين؛ إذ شهدت مبيعات سياراتها موديل 3 وموديل واي نموًا سريعًا.
الزيادة الحادة في أسعار البنزين
دعمت مبيعات السيارات الكهربائية الزيادة الحادة في أسعار البنزين التي أعقبت اندلاع الحرب الأوكرانية، ما جعل السيارات الكهربائية تبدو أرخص مقارنةً بسيارات محركات الاحتراق الداخلي.
وفي ظل هذه الظروف، بدا أن الأمور تسير في اتجاه واحد لا محالة.
وردًا على ذلك، أعلنت العديد من شركات السيارات خططًا طموحة لتحويل تشكيلاتها إلى سيارات كهربائية.
وأعلنت "جاكوار لاند روفر Jaguar Land Rover" أن جاكوار ستصبح علامة تجارية "كهربائية بالكامل" بحلول عام 2025، وتعهدت فورد بالتحول الكامل إلى السيارات الكهربائية بحلول عام 2030، في حين ضاعفت فولكسفاغن هدفها لمبيعات السيارات الكهربائية بنهاية العقد من 35% إلى 70%.
وفي السنوات التي تلت تلك الإعلانات تباطأت مبيعات السيارات الكهربائية مع تراجع العديد من العوامل المؤقتة التي عززت السوق.
وانخفضت أسعار البنزين من ذروتها، وارتفعت أسعار الفائدة، وخفضت الحكومات الدعم الحكومي المتاح للسائقين.
وفي الولايات المتحدة، ألغى الرئيس دونالد ترمب الدعم السخي الذي أُقر في عهد بايدن، واصفًا التحول إلى الطاقة النظيفة بأنه "خدعة".
وأجبر هذا القرار الشركات المصنعة على التراجع عن معظم تعهداتها أو تأجيلها، والإعلان عن خسائر فادحة.
وقال بن نيلمز من شركة الاستشارات "نيو أوتوموتيف": "من أهم العوامل التي تحفز شركات السيارات هو ما يفعله منافسوها.
وأضاف: "لذا.. عندما حققت تيسلا نجاحًا باهرًا في تلك السنوات كان هناك تسابق محموم لمحاولة تكرار هذا النجاح"، موضحًا أن "الكثير من تلك الأهداف واللوائح الحكومية خُففت أو أُلغيت منذ ذلك الحين".
وأردف: "كانت صناعة السيارات تأمل بشدة في عودة حجم المبيعات عالميًا إلى مستويات ما قبل الجائحة، ولكن في معظم الحالات لم يتحقق ذلك".
السيارات الكهربائية ليست "ذات قيمة جيدة مقابل المال"
لعلّ السبب الرئيس وراء عدم تحقيق مبيعات السيارات الكهربائية القوة المرجوة هو السعر.
ففي أوروبا بلغ سعر السيارة الكهربائية نحو 63 ألف يورو في عام 2024، مقارنةً بـ51 ألف يورو لسيارة تعمل بمحرك احتراق داخلي، وفقًا لتحليل أجرته شركة "جاتو داينميكس Jato Dynamics".
ويأتي هذا على الرغم من التوقعات التي أشارت إلى أن انخفاض أسعار البطاريات سيؤدي إلى انخفاض مماثل في أسعار السيارات.
ونتيجةً لذلك لم تتجاوز مبيعات السيارات الكهربائية في أوروبا حتى الآن نسبة 20%.

في المقابل، وصلت السيارات الكهربائية داخل الصين إلى مستوى مماثل في السعر لسيارات الاحتراق الداخلي، بمتوسط نحو 22 ألف يورو، وتمثل الآن نحو 50% من إجمالي مبيعات السيارات الجديدة، وقد تحقق هذا إلى حد كبير بفضل الدعم السخي من بكين.
ويُلقي المدير التنفيذي المخضرم في صناعة السيارات آندي بالمر باللوم على الشركات المصنعة الغربية، لعدم استثمارها في طرازات بأسعار معقولة.
وقال بالمر -المعروف بـ"عراب" السيارات الكهربائية، لدوره في تطوير طراز نيسان ليف الشهير- إن العديد من العلامات التجارية في الولايات المتحدة وأوروبا ركزت على طرازات سيارات الدفع الرباعي الأغلى ثمنًا والأكثر ربحية، بدلًا من سيارات المدينة الأرخص.
وأضاف: "أعتقد أن المشكلة الأساسية تكمن في ارتفاع أسعار هذه السيارات، وتعويض ذلك بالدعم الحكومي، وهذا في نهاية المطاف غير مجدٍ".
وأشار إلى أن تكلفة السيارات الكهربائية يجب أن تتساوى مع تكلفة سيارات الاحتراق الداخلي، ويجب أن تقدم السيارات الكهربائية أكثر من مجرد كونها نظيفة".
وشدّد على ضرورة أن تقدم هذه السيارات قيمة جيدة مقابل المال، وأن تقدم تجربة استعمال مختلفة، بدلًا من أن تكون مجرد نسخة من سيارات الاحتراق الداخلي.
وأكد أن "هذا ما نجح فيه الصينيون، فقد حددوا أسعار سياراتهم الكهربائية لتكون مماثلة، إن لم تكن أرخص، وهم يتبنون هذه التقنية بمعدلات تحقق وفورات هائلة في الإنتاج".
ومع فشل مبيعات السيارات الكهربائية في تحقيق النمو المأمول، حتى القوانين المخففة المتعلقة بالسيارات الكهربائية في أوروبا بدأت تشكل تحديًا للمصنعين.
وفي المملكة المتحدة -على سبيل المثال- اشترط قانون المركبات عديمة الانبعاثات أن تكون 28% من مبيعات السيارات الجديدة كهربائية العام الماضي، مقارنةً بنسبة 23.9% التي حققها القطاع فعليًا.
موضوعات متعلقة..
- صادرات السيارات الكهربائية العالمية ترتفع 20%.. كم بلغت حصة الصين؟
- شركات السيارات الكهربائية الأوروبية تترقب فرصة للمنافسة في الأسواق العالمية (تقرير)
- السيارات الكهربائية والهجينة تشكل 45% من المبيعات العالمية.. وهذه أسباب تفوق الصين
اقرأ أيضًا..
- ما أهمية المضايق المائية لواشنطن.. وسر هوس الأميركيين بـ"غرينلاند"؟ أنس الحجي يجيب
- الغاز الجزائري و4 عناصر قوة.. هل يستغل الفرصة الثانية في أوروبا؟ (مقال)
- وزير الطاقة الموريتاني: نتحرك للاستفادة من الحقول المكتشفة.. وهذا حجم الاحتياطيات (حوار)
المصدر:
حتى عمالقة صناعة السيارات يدركون ذلك: لقد انتهى عصر السيارات الكهربائية من ذا تيليغراف





