احتياطيات الغاز الصخري في الصين الأكبر عالميًا.. لماذا لا تستخرجها بكثافة؟ (تحليل)
وحدة أبحاث الطاقة - رجب عز الدين

- احتياطيات الصين من الغاز الصخري تتجاوز 1.1 كوادريليون قدم مكعبة
- إنتاج الغاز الطبيعي في الصين لا يغطي سوى 60% من الطلب المحلي
- الاحتياطيات الصخرية الصينية توجد في أعماق أكبر وأعقد من غيرها
- أغلب الحقول الصخرية في الصين يقع على حدود 120 محمية طبيعية
- مخاوف من نقص المياه وتلويث المياه الجوفية وزيادة نشاط الزلازال
رغم ضخامة احتياطيات الغاز الصخري في الصين، فما زالت جهود استخراجه متواضعة جدًا حتى الآن، رغم اعتماد البلاد على الواردات لسدّ عجز الإنتاج المحلي.
في هذا السياق، يُظهر تقييم عالمي -اطّلعت عليه وحدة أبحاث الطاقة- أن الصين هي أكبر دولة من حيث احتياطيات الغاز الصخري القابلة للاستخراج في العالم، بفارق كبير عن الولايات المتحدة (أكبر منتج للغاز في العالم).
وتُقدَّر احتياطيات الغاز الصخري في الصين بنحو 1.15 كوادريليون قدم مكعبة قابلة للاستخراج، في حين تأتي الولايات المتحدة بالمركز الرابع، باحتياطيات تُقدَّر بنحو 707 تريليونات قدم مكعبة، بحسب تقييم إدارة معلومات الطاقة الأميركية.
على الجانب الآخر، تُقدَّر احتياطيات الصين من الغاز التقليدي بنحو 3.24 تريليون متر مكعب (114.5 تريليون قدم مكعبة) بنهاية عام 2025، حسب تقديرات أوبك.
إنتاج الغاز في الصين واستهلاكه
رغم احتياطيات الغاز الصخري والتقليدي الكبيرة، فإن إنتاج الغاز في الصين تجاوز 264 مليار متر مكعب، في حين بلغ الطلب قرابة 442 مليار متر مكعب في عام 2025.
ويوضح الرسم البياني التالي -الّذي أعدته وحدة أبحاث الطاقة- تطور إنتاج الغاز في الصين خلال 11 عامًا (2015-2025):

وتشير هذه البيانات إلى الإنتاج المحلي للغاز الطبيعي في الصين لا يغطي سوى 60% من الطلب، وتغطي الواردات الجزء المتبقي (40%).
وبلغت واردات بكين من الغاز الطبيعي عبر الأنابيب قرابة 81 مليار متر مكعب في 2025، كما استوردت قرابة 91 مليار متر مكعب من الغاز المسال.
تطورات إنتاج الغاز الصخري في الصين
تشير تقديرات وزارة الأراضي والموارد الصينية إلى أن الصين تمتلك 134 تريليون متر مكعب من الاحتياطيات الجيولوجية، منها 25 تريليون متر مكعب قابلة للاستخراج.
ورغم ذلك، فإن الاستغلال التجاري للغاز الصخري في الصين لم يبدأ إلا في عام 2012، أي بعد أكثر من عقد على تجربة الولايات المتحدة، بحسب دراسة تحليلية منشورة -مؤخرًا- في مجلة بناس الأميركية (PNAS).
وأسهمت السياسات الحكومية الداعمة في تسريع معدل نمو إنتاج الغاز الصخري في الصين منذ 2017، ليصل إلى 21% سنويًا، لتصبح ثاني أكبر منتج للغاز الصخري عالميًا بعد الولايات المتحدة، بحسب الدراسة.
فقد بلغ الإنتاج الصخري قرابة 24 مليار متر مكعب في 2022، قبل أن يستقر عند 25 مليار متر مكعب في عامي 2023 و2024، بحسب أحدث البيانات الصادرة عن إدارة الطاقة الوطنية الصينية.
ورغم أن هذا الرقم يزيد أكثر من 10 مرات على مستوى إنتاج الغاز الصخري في الصين قبل عقد، فإن حصّته من إجمالي الإنتاج المحلي ما تزال عند 10%، رغم ضخامة احتياطياتها القابلة للاستخراج والتي تعادل ضعف احتياطيات الولايات المتحدة تقريبًا.
ويوضح الرسم البياني التالي -الّذي أعدته وحدة أبحاث الطاقة- ترتيب الصين والولايات المتحدة بين أكبر 10 دول في احتياطيات الغاز الصخري القابلة للاستخراج:

وكانت وزارة المالية وإدارة الضرائب الصينية قد أعلنت في عام 2018 تخفيف ضريبة الموارد على إنتاج الغاز الصخري من 6% إلى 4.2%، كما تقرر -مؤخرًا- تمديد هذا الخفض حتى ديسمبر/كانون الأول 2027.
وتستهدف الصين زيادة الإنتاج السنوي للغاز الصخري إلى ما يتراوح بين 80 و100 مليار متر مكعب بين عامي 2030 و2040.
وتمتلك البلاد -حاليًا- أكثر من 2600 بئر غاز صخري نشطة، وتتركز غالبيتها العظمى في حوض نهر اليانغستي، الذي يضم 60% من احتياطيات الغاز الصخري في البلاد، ويشكّل 100% من إنتاجه.
ويغطي هذا الحوض 18.8% من إجمالي مساحة الصين البالغة 9.6 مليون كيلومتر مربع، كما يمتد عبر 11 مقاطعة يقطنها قرابة 43% من سكان البلاد، وتشكّل 46.4% من ناتجها المحلي الإجمالي.
تحديات توسُّع الغاز الصخري في الصين
بحسب الدراسة، فإن تحقيق هدف زيادة إنتاج الغاز الصخري في الصين من 25 مليار متر مكعب إلى 100 مليار متر مكعب بحلول عام 2040، يتطلب حفر أكثر من 6 آلاف بئر جديدة في حوض نهر اليانغتسي.
وتعتمد عمليات استخراج الغاز الصخري على تقنيات الحفر الأفقي بالتكسير المائي (الهيدروليكي)، ما يثير مخاوف بيئية كبيرة، خاصةً في المناطق الهشة أو ذات الوضع الخاص.
وعلى خلاف تجربة الولايات المتحدة، التي قادت ثورة النفط والغاز الصخري منذ عقدين، تواجه الصين تحديات أكثر صعوبة في استغلال مواردها الصخرية، أبرزها وجود الموارد على أعماق أكبر، وخزانات ذات ظروف جيولوجية معقّدة ومعرّضة للتدهور بصورة أسرع من غيرها.
كما تقع معظم احتياطيات الغاز الصخري في الصين بمناطق هشة بيئيًا، وتعاني من نقص حادّ في المياه، فضلًا عن وقوع الحقول الأكثر إنتاجًا في مناطق ذات نشاط زلزالي متزايد.
إضافة إلى ذلك، فإن حقول الغاز الصخري الرئيسة تقع على حدود أكثر من 120 محمية طبيعية وطنية، أو ما يمثّل ربع محميات البلاد تقريبًا.
ويُصنَّف حوض نهر اليانغتسي -الذي يقع في محيطه أغلب الاحتياطيات الصخرية- من أكثر الأنهار المتنوعة بيولوجيًا في العالم، لكونه موطنًا لأكثر من 4 آلاف و300 كائن بحري، بما في ذلك 29 نوعًا من الأسماك النادرة المُدرَجة في قائمة الأنواع الوطنية المحمية، فضلًا عن مئات الأنواع من النباتات والحيوانات البرية المحمية.

وتشير هذه الاعتبارات إلى أن التوسع في استغلال موارد الغاز الصخري بالحوض يظل محفوفًا بمخاطر نقص المياه، وتلويث المياه الجوفية، وإزالة الغابات وتدمير النظم البيئية، فضلًا عن زيادة الزلازل المستحثة.
إضافة إلى ذلك، فإن الصين أكبر متسبب في الانبعاثات الكربونية عالميًا، ما يجعلها بحاجة إلى تطوير تقنيات جديدة تستطيع خفض انبعاثات دورة مشروعات إنتاج الغاز الصخري.
تحديات نقص المياه ومخاوف التلوث
يستهلك استخراج الغاز الصخري كميات من المياه تعادل 4 مرات الكميات المستهلكة في استخراج الغاز الطبيعي على مدار دورة حياة المشروع.
وبحسب تقديرات الدراسة، فإن حفر 4 آلاف و800 بئر صخرية في الصين قد يستهلك 35 مليون متر مكعب سنويًا، وينتج 23.7 مليون متر مكعب من مياه الصرف المخلوطة بمواد كيميائية.
ومن المتوقع أن يؤدي التوسع في عمليات التكسير المائي في الصين إلى التنافس على موارد المياه المحدودة للاستعمال المنزلي أو الزراعي أو الصناعي في مناطق تعاني من إجهاد مائي شديد ومكتظة بالسكان جنوب البلاد.
ويزيد من هذه المخاطر تكرار حالات الجفاف التي تعرَّض لها نهر اليانغتسي منذ عام 2012، ما أدى إلى تعرُّض المناطق الجنوبية في البلاد لـ4 موجات جفاف شديدة على الأقل منذ ذلك التاريخ.
وتشير التوقعات إلى أن الإجهاد المائي في هذه المناطق مرشّح للتفاقم بحلول عام 2035، خاصةً في مقاطعة سيتشوان ومناطق رئيسة مرشّحة لإنتاج الغاز الصخري.
وتتطلب زيادة إنتاج الغاز الصخري في الصين إلى 80 مليار متر مكعب، نحو 792 مليون متر مكعب من المياه بحلول عام 2030، وهو ما يعادل 3% من إجمالي استهلاك مقاطعة سيتشوان.
إضافة إلى ذلك، تتزايد المخاوف من تلوث المياه الجوفية والسطحية بمياه عمليات التكسير المائي مختلفة بمركبات كيميائية قد تؤدي إلى ارتفاع تركيزات المواد الصلب الذائبة، والكلوريد، والبيكربونات، وأيونات أخرى قد تؤثّر في قلوية المياه الجوفية ودرجة حموضتها، وربما تؤثّر في لونها ورائحتها ومذاقها.
مخاوف الزلازل المستحثة
يقع جنوب غرب الصين -الذي يضم أكثر حقول الغاز الصخري إنتاجًا في البلاد- ضمن منطقة تصادم الصفيحتين الجيولوجيتين الهندية والأوراسية، وهي منطقة ذات تركيب جيولوجي معقّد وذات نشاط تصدّع متزايد.
وشهدت هذه المنطقة العديد من الزلازل الكبرى التي تجاوزت قوّتها 7 درجات على مقياس ريختر؛ ما يجعلها واحدة من أكثر المناطق القارية من حيث النشاط الزلزالي عالميًا.
ومع تكرار حدوث الزلازل الكبيرة، فقد ظلَّ جنوب غرب الصين لمدة طويلة محور اهتمام رئيسًا في أوساط الباحثين بمجال الزلازل، خاصة بعد الزلزال المدمر الذي ضرب مقاطعة سيتشوان عام 2008 وبلغت قوّته 8 درجات على مقياس ريختر.
كما شهدت المنطقة زلازل أخرى كبيرة خلال العقد الماضي، أحدها سجّل 7 درجات ريختر في عام 2017، والآخر وصل إلى 6.8 درجة في عام 2022، بحسب ما رصدته وحدة أبحاث الطاقة.
ونظرًا لأن تقنيات التكسير المائي تعتمد على إحداث شقوق اصطناعية في طبقات الأرض حتى يتمكن الغاز المحبوس في الصخور من الاندفاع لأعلى، فإن هذه الطريقة يصحبها نشاط زلزالي يُعرف باسم "الزلازل المستحثة".
ورغم أن هذا النشاط الزلزالي المصاحب للتكسير المائي ما زالت خطورته محدودة أو متوسطة في أغلب المناطق، فإن احتمالات تسبُّبه في زلازل أقوى وأكبر تظل قائمة؛ ما يثير المخاوف خاصة في المناطق النشطة بطبيعتها، مثل جنوب غرب الصين.
موضوعات متعلقة..
- واردات الصين من الغاز الروسي عبر الأنابيب قد ترتفع 75% (تقرير)
- إنتاج الغاز الطبيعي في الصين يوفّر 58% من احتياجاتها (تقرير)
- الطلب على الغاز المسال في الصين قد يصل إلى ذروته بحلول 2035 (تقرير)
نرشّح لكم..
- مستجدات أسواق الغاز المسال العربية والعالمية (ملف خاص)
- مصافي النفط في الدول العربية (ملف خاص)
- الهيدروجين في الدول العربية (ملف خاص)
المصادر:
- تحليل تحديات إنتاج الغاز الصخري في الصين، من دراسة علمية بمجلة بناس الأميركية
- تقديرات احتياطيات الغاز الصخري في الصين، من إدارة معلومات الطاقة الأميركية
- تقديرات احتياطيات الغاز التقليدي في الصين، من أوبك
- تقديرات الطلب على الغاز في الصين خلال 2025، من معهد الطاقة البريطاني





