العناصر الأرضية النادرة في ميانمار تمول المتمردين.. ما القصة؟
وحدة أبحاث الطاقة - رجب عز الدين

- أنشطة تعدين العناصر النادرة في ميانمار ليست لها سجلات معلنة
- مئات الجماعات المسلحة تتصارع على مناطق المعادن النادرة
- الشركات الصينية صاحبة الحضور الأكبر وتستورد معظم الإنتاج
- إنتاج ميانمار من العناصر المغناطيسية ارتفع 62% خلال 4 سنوات
- الجيش في ميانمار يسعى لكسب إدارة ترمب لرفع العقوبات
أصبحت عمليات استخراج العناصر الأرضية النادرة في ميانمار محل جدل عالمي كبير منذ سيطرة الجماعات المتمردة على مناطق التعدين والإنتاج.
وكانت حركة جيش استقلال كاشين المتمردة قد أعلنت في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، سيطرتها على منطقة تعدين العناصر الأرضية النادرة في البلاد، ما أدى إلى توقف التعدين المحلي وإغلاق الحدود، وانخفاض الصادرات.
وبحسب تقرير حديث -اطّلعت عليه وحدة أبحاث الطاقة- تضم ميانمار أكثر من 1200 جماعة مسلحة متصارعة، ما جعلها تُصنّف في المركز الثاني ضمن قائمة أشد الدول تطرفًا في العالم، فضلًا عن تسجيلها أعلى مستويات الجريمة المنظمة عالميًا.
كما تعمل أنشطة تعدين العناصر الأرضية النادرة في سرية تامة، دون وجود سجلات عامة للتراخيص السارية أو الشركات العاملة فيها.
بالإضافة إلى ذلك، تخضع مواقع العمل لحراسة مشددة، ولم يقم سوى عدد قليل من الصحفيين بتقديم طلبات لتغطية الأحداث على أرض الواقع خلال العقد الماضي، بحسب التقرير المنشور على موقع ريست أوف وورلد المتخصص (Rest of World).
وبوجه عام، لا تواجه الشركات التي تقوم بهذا الاستخراج سوى القليل من العواقب، ويعود ذلك جزئيًا إلى أن هذه الصناعة تعمل في منطقة رمادية قانونية، بحسب التقرير الصادر.
مخاطر استخراج العناصر الأرضية النادرة في ميانمار
تستخرج الشركات الصينية العناصر الأرضية النادرة في ميانمار عبر المناطق التي تتمتع بالحكم الذاتي، وتخضع لسيطرة مجموعات عسكرية عرقية محلية، تقوم على حماية عمليات التعدين وتستحوذ على جزء من الأرباح.
وتنتقل المواد المنتجة المستخرجة بالشاحنات عبر الحدود إلى الصين، حيث تُخلط وتُغسل بمعادن نادرة من مصادر أخرى، حتى يتسنى استعمالها في المنتجات العالمية.
ورغم ذلك، فإن أخبار الأنهار الملوثة بمخلفات التعدين الكيميائية، والغابات الخالية من الحياة البرية، والأراضي الزراعية شديدة التلوث، أصبحت تُتداول بكثرة خلال السنوات الأخيرة.
كما أفادت منظمة حقوقية محلية بأن بعض الشركات الصينية في ولاية شان الشرقية تستعمل السجناء وضحايا الإتجار بالبشر في العمل القسري بمناطق استخراج المعادن.
ويؤدي النفوذ الخارجي خاصة للصين دورًا محوريًا في استخراج العناصر الأرضية النادرة في ميانمار، فالجماعات المسلحة والفوضى تسمحان بحدوث ذلك، في حين يغض المجتمع الدولي الطرف عن ذلك، بحسب الباحثة الميانمارية ثاو هتو.
وتعتقد الباحثة أن جميع الجهات متورطة في هذه الممارسات الضارة وغير المسؤولة، كما أن مفاهيم التوريد المسؤول والانتقال العادل للطاقة لا تعكس الواقع.
وتسعى القوى العظمى للسيطرة على سلاسل إمداد العناصر الأرضية النادرة لتعزيز مصالحها الوطنية على طول القطاعات التصنيعية الحيوية بدءًا من الأسلحة وحتى الطاقة المتجددة.
ورغم ذلك، فإن طلبها على هذه المعادن يمول بصورة غير مباشرة أطراف النزاع في ميانمار منذ سنوات، ما يحفّز الاستخراج السريع مع الحد الأدنى من ضمانات السلامة والأمان.
مناطق استخراج العناصر الأرضية النادرة في ميانمار
توجد العناصر الأرضية النادرة بكثرة في قشرة الأرض، لكن تركيزاتها المنخفضة ووجودها بين موارد الطين والمعادن المعقدة يجعل عمليات استخلاصها أو تكريرها مكلفة وصعبة للغاية.
ووجد الباحثون أن هذه المعادن وغيرها تميل إلى الوجود في المناطق الحدودية لميانمار، وهي مناطق متنازع عليها منذ استقلال البلاد، التي كانت تُعرف باسم بورما، عن بريطانيا عام 1948.
فقد انتفضت جماعات عرقية مثل الكاشين، التي تمتعت بحكم ذاتي نسبي في ظل الحكم البريطاني، ضد الحكم المركزي المباشر للأغلبية البورمية.
وسعى الجيش البورمي إلى قمع هذه الانتفاضات عبر طرق وحشية تعتمد على تجويع المعارضين ومنعهم من الغذاء أو الحصول على التمويل والمعلومات.
ونتيجة لذلك استمرت الحرب الأهلية في ميانمار عقودًا حتى إنها أصبحت الأطول في العالم مع مرور 8 عقود على نشوبها، بحسب ما رصدته وحدة أبحاث الطاقة.
ويحصل الجيش المركزي والجيوش العرقية المسيطرة على الأراضي الحدودية على ضرائب من موارد تشمل اليشم (حجر كريم)، والأخشاب والذهب، كما تجني الشركات التابعة لها أرباحًا مباشرة من هذه الصناعات.
وبصورة خاصة، حصلت الجماعات المسلحة التي وافقت على عدم القتال ضد الجيش على مكافآت تمثّلت في منحها قدرًا أكبر من الاستقلالية في ممارسة أعمالها، ما وفر لها مزيدًا من الحصانة.
وبسبب هذه الأوضاع، أصبحت مناطق التعدين مراكز لأنشطة إجرامية أكثر وضوحًا، بما في ذلك إنتاج المخدرات وعمليات الاحتيال الجيوسياسي.
بيانات العناصر الأرضية النادرة في ميانمار
نظرًا إلى السرية الشديدة التي تحيط بعمليات تعدين العناصر الأرضية النادرة في ميانمار، فإن البيانات المتعلقة بهذا القطاع ما زالت شحيحة جدًا.
ورغم ذلك، فقد أفادت تقارير الجمارك الصينية بأنها استوردت أكثر من 320 ألف طن من المعادن النادرة من ميانمار خلال المدة من 2017 إلى 2024، وهو ما يشكّل ثلثي وارداتها خلال المدة.
وفي عام 2021، تجاوزت ميانمار الصين لتصبح أكبر مصدر في العالم للعناصر الأرضية الثقيلة، إلى جانب كونها من مصدري الديسبروسيوم والتيربيوم.
وتدخل هذه العناصر في صناعة المغناطيس الدائم المقاوم للحرارة، والمعروف باسم مغناطيس النيوديميوم والحديد والبورن، المستعمل بطبيعته في مجموعة من التقنيات العسكرية والمدنية.
وتشير بيانات وكالة الطاقة الدولية إلى أن إنتاج ميانمار من العناصر المغناطيسية النادرة ارتفع بنسبة 62% من 8 آلاف طن في عام 2021، إلى 13 ألف طن في عام 2025، لتُصنّف في المركز الثاني بعد الصين.
ورغم ذلك، تتوقع الوكالة ارتفاع إنتاج ميانمار بنسبة 15%، ليصل إلى 11 ألف طن بحلول عام 2030، وسط مخاوف من استمرار الاضطرابات السياسية والأمنية في البلاد.
ويوضح الرسم البياني الآتي -الذي أعدّته وحدة أبحاث الطاقة- أكبر الدول المنتجة للعناصر المغناطيسية النادرة خلال عام 2025، وتوقعاتها بحلول 2030:

وتتوافر بيانات محدودة حول استعمال عنصري الديسبروسيوم والتيربيوم، لكن دراسة أجرتها وزارة الطاقة الأميركية كشفت عن أن الإلكترونيات الاستهلاكية والمحركات الصناعية استحوذت على 60% من الطلب العالمي على مغناطيس النيوديميون والحديد والبورون (NdFeB magnet) حتى عام 2020.
بينما أسهمت توربينات الرياح البحرية والمركبات الكهربائية بنسبة 20% من الطلب خلال المدة، بحسب ما رصدته وحدة أبحاث الطاقة.
وإذا سارع العالم في التحول بعيدًا عن الوقود الأحفوري، فإن توربينات الرياح البحرية والمركبات الكهربائية ستستحوذ على قرابة ثلثي الطلب العالمي على مغناطيس النيوديميوم والحديد والبورن بحلول عام 2030، بحسب تقديرات وزارة الطاقة.
صفقات العناصر الأرضية النادرة
بدأت الصين التي تمتلك 90% من طاقة معالجة العناصر الأرضية النادرة في العالم، تقييد صادراتها من العناصر الثقيلة خلال العام الماضي، ردًا على الرسوم الجمركية الأميركية.
وأدى ذلك إلى سعي الاقتصادات العالمية لإيجاد طرق جديدة لتأمين هذه العناصر، وتحفيز إبرام الصفقات والشراكات الجديدة مع الآخرين، مما يفسّر محاولة الجيش الميانماري الخاضع لعقوبات واسعة كسب ود إدارة ترمب.
ففي أبريل/نيسان الماضي، عيّنت وزارة الإعلام إحدى أبرز جماعات الضغط الأميركية للمساعدة في بناء علاقات مع الولايات المتحدة، كما ضغط بعض الأميركيين على إدارة ترمب لتسريع الوصول إلى موارد العناصر الأرضية النادرة في ميانمار.
ومن المرجح أن يتطلّب هذا النهج تعاونًا مع الهند، جارة ميانمار الغربية، للتمكّن من منافسة الصين ولو نسبيًا، لكن المحللين ما زالوا يرون أن هذه الشراكات ستواجه عقبات لوجستية وجيوسياسية هائلة.
موضوعات متعلقة..
- تفكيك هيمنة الصين على العناصر الأرضية النادرة ممكن علميًا.. 3 تجارب واعدة (تقرير)
- العناصر الأرضية النادرة في روسيا تواجه تحديات تقنية.. والصين تمتنع عن الدعم (تحليل)
- منشأة لمعالجة العناصر الأرضية النادرة في السعودية باستثمارات 1.5 مليار دولار
اقرأ أيضًا..
- أكبر 10 مشروعات طاقة شمسية في أفريقيا.. صدارة عربية (إنفوغرافيك)
- أكبر صفقات الغاز العربية في يوليو.. خريطة ترسمها 4 دول (تقرير)
- حقل غاز قبرصي يترقب صفقة بيع.. إنتاجه سيذهب إلى مصر
المصدر:
تحديات استخراج العناصر الأرضية النادرة في ميانمار من موقع متخصص.





