خبير: سماد الغاز الحيوي حل مستدام لخفض تكلفة الزراعة
داليا الهمشري

لم تعد مشروعات الغاز الحيوي تقتصر على إنتاج الطاقة النظيفة فقط، بل أصبحت إحدى أهم أدوات الاقتصاد الدائري التي تُحوِّل المخلفات الزراعية والحيوانية إلى منتجات ذات قيمة مضافة، تجمع بين إنتاج الطاقة والسماد العضوي في وقت واحد.
ومع تصاعد الاهتمام العالمي بخفض الانبعاثات الكربونية وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، تبرز وحدات البيوغاز كونها نموذجًا عمليًا للاستفادة الكاملة من المخلفات التي كانت تمثل عبئًا بيئيًا واقتصاديًا.
ويُعد السماد العضوي الناتج من وحدات الغاز الحيوي أحد أهم مخرجات هذه التكنولوجيا؛ إذ لا يقتصر دوره على توفير بديل للأسمدة الكيماوية، بل يسهم في تحسين خصوبة التربة، وزيادة إنتاجيتها، وتقليل تكاليف الزراعة، فضلًا عن الحد من تلوث المياه والانبعاثات الناتجة عن تحلل المخلفات في الهواء الطلق.
لذلك، يتوسع العديد من الدول في الاعتماد على هذه الوحدات باعتبارها حلًا متكاملًا يجمع بين إدارة المخلفات وإنتاج الطاقة ودعم الأمن الغذائي.
إنتاج الغاز الحيوي
قال أخصائي الكتلة الحيوية بجمعية عين البيئة المصرية المهندس محمد سعيد، إن رحلة إنتاج السماد العضوي تبدأ داخل وحدات البيوغاز بجمع المخلفات العضوية القابلة للتحلل، مثل روث الماشية، ومخلفات الدواجن، وبقايا المحاصيل الزراعية، ومخلفات الصناعات الغذائية، بالإضافة إلى حمأة محطات الصرف الصحي.
وأوضح سعيد -في تصريحات إلى منصة الطاقة المتخصصة (مقرّها واشنطن)- أن هذه المواد تتميز باحتوائها على نسب مرتفعة من المركبات العضوية التي تمثل غذاءً مثاليًا للبكتيريا اللاهوائية.

وأضاف أن المخلفات تُخلط بكميات مناسبة من المياه للوصول إلى تركيز المواد الصلبة الملائم لعمل البكتيريا، ثم تُضخ داخل الهاضم الحيوي، وهو خزان مغلق يمنع دخول الأكسجين ويوفر البيئة المناسبة لبدء عملية التحلل اللاهوائي.
وأشار إلى أن العملية لا تنتج الغاز الحيوي (البيوغاز) فحسب، بل ينتج عنها أيضًا خليط عضوي متخمر يُعرف باسم ناتج الهضم الحيوي (Digestate)، الذي يُعد المادة الخام لإنتاج سماد البيوغاز.
تحويل المخلفات إلى سماد عضوي
أوضح سعيد أن المادة العضوية تمر داخل الهاضم الحيوي بـ3 مراحل رئيسة، تبدأ بمرحلة التحلل المائي (Hydrolysis)؛ إذ تتحلل الجزيئات العضوية الكبيرة، مثل السليلوز والبروتينات والدهون، إلى مركبات أصغر يسهل على البكتيريا استهلاكها.
وأشار إلى أن المرحلة الثانية هي التخمر الحمضي (Acidogenesis)، التي تتحوّل خلالها هذه المركبات إلى أحماض عضوية قصيرة السلسلة وكحوليات، إضافة إلى ثاني أكسيد الكربون والهيدروجين.
وأضاف أن المرحلة الثالثة، وهي التخمر الميثاني (Methanogenesis)، تشهد قيام البكتيريا المولدة للميثان بتحويل تلك المركبات إلى غاز البيوغاز، الذي يتكون أساسًا من الميثان وثاني أكسيد الكربون.
ولفت إلى أنه بعد انتهاء هذه المراحل يتبقى ناتج عضوي غني بالعناصر الغذائية، يخضع لعمليات فصل وتجفيف وفقًا لطبيعة الاستهلاك، قبل أن يُستعمل مباشرة في الأراضي الزراعية أو يُعبأ ويُسوق بوصفه سمادًا عضويًا.
مكونات سماد البيوغاز
أكد سعيد -في تصريحاته إلى منصة الطاقة المتخصصة- أن سماد الغاز الحيوي "البيوغاز" يُعد من أكثر الأسمدة العضوية تكاملًا؛ لأنه لا يمد النبات بعنصر غذائي واحد فقط، وإنما يوفر حزمة متكاملة من العناصر التي تحتاج إليها التربة.
وأوضح أن السماد يحتوي على أكثر من 52% من المادة العضوية، إلى جانب العناصر الغذائية الكبرى، وهي النيتروجين والفوسفور والبوتاسيوم، فضلًا عن العناصر الصغرى، مثل الحديد والزنك والمنغنيز والنحاس، التي تؤدي دورًا مهمًا في نمو النباتات وزيادة إنتاجيتها.
وأشار إلى أن درجة الحموضة في السماد تبلغ نحو 7.3، وهي درجة متعادلة تجعله مناسبًا لمعظم أنواع الأراضي الزراعية دون التأثير سلبًا في خواص التربة.
وأوضح أخصائي الكتلة الحيوية بجمعية عين البيئة المصرية أن الميزة الأساسية لسماد الغاز الحيوي تكمن في أنه يعالج التربة نفسها، وليس النبات فقط؛ إذ يسهم في رفع نسبة المادة العضوية وتحسين بناء التربة وزيادة قدرتها على الاحتفاظ بالمياه، فضلًا عن تنشيط الكائنات الحية الدقيقة المفيدة.
وأضاف أن الأسمدة الكيماوية توفر عناصر غذائية محددة للنبات، لكنها لا تعوض المادة العضوية المفقودة من التربة، في حين يتميز سماد الغاز الحيوي أيضًا بخلوه من بذور الحشائش والنيماتودا ومعظم مسببات الأمراض، نتيجة تعرضه لعملية التخمر اللاهوائي داخل الهاضم الحيوي.
وأشار إلى أن الاستعمال المنتظم لسماد الغاز الحيوي يساعد على تقليل الاعتماد على الأسمدة الكيماوية تدريجيًا، موضحًا أنه يمكن الاستغناء عن جزء كبير منها خلال مدة تتراوح بين 3 و4 أعوام، وفقًا لطبيعة التربة والمحصول.
عائد اقتصادي كبير
أكد سعيد -خلال تصريحاته إلى منصة الطاقة المتخصصة- أن وحدات الغاز الحيوي لا تحقق عائدًا من إنتاج السماد العضوي فقط، وإنما توفر مصدرًا للطاقة أيضًا، بما يجعلها نموذجًا للاقتصاد الدائري والاستغلال الأمثل للمخلفات.

وأوضح أن كل 25 كيلوغرامًا من روث الماشية يمكن أن تنتج نحو متر مكعب واحد من الغاز الحيوي، الذي يحتوي على نسبة ميثان تصل إلى 65%، في حين يستطيع كل متر مكعب منه توليد نحو 1.5 كيلوواط/ساعة من الكهرباء، كما أن 30 مترًا مكعبًا من الغاز تعادل في طاقتها أسطوانة بوتاجاز منزلية.
وأضاف أن عملية إنتاج الغاز الحيوي توفر في الوقت نفسه سمادًا عضويًا يتراوح سعر المتر المكعب منه بين 1500 و2000 جنيه، وهو ما يفتح مصدر دخل إضافيًا للمزارعين، إلى جانب خفض تكلفة شراء الأسمدة الكيماوية وتحسين الجدوى الاقتصادية للمزارع.
موضوعات متعلقة..
- دراسة توصي بتعميم وحدات الغاز الحيوي الصغيرة في الريف المصري
- إنتاج الغاز الحيوي في المنطقة العربية.. 7 دول تقود قاطرة المشروعات
- تحويل الغاز الحيوي إلى كهرباء نظيفة.. تقنية جديدة تقلب المعادلة
اقرأ أيضًا..
- تباين توقعات الطلب على النفط في 2026 بين 3 مؤسسات كبرى (تقرير)
- ملف خاص عن أسواق الغاز المسال العربية والعالمية
- تقارير دورية وتغطيات لوحدة أبحاث الطاقة





