الطاقة النووية في فرنسا تواجه أزمة.. وموجة الحَرّ تعرقل صادرات الكهرباء (تقرير)
نوار صبح
أثّرت موجة الحَرّ الأخيرة التي تجتاح مناطق واسعة في غرب أوروبا بقطاع الطاقة النووية في فرنسا، وأدت إلى عرقلة صادرات الكهرباء إلى الدول المجاورة.
في أواخر يونيو/حزيران 2026، استقر نظام ضغط جوي مرتفع فوق غرب أوروبا، ما رفع درجة حرارة الهواء على ضفاف الأنهار في فرنسا إلى 42.5 درجة مئوية، وهي أعلى درجة حرارة مسجلة في مواقع الطاقة النووية الـ8 التي تعتمد على مياه الأنهار للتبريد وشملتها دراسة حديثة.
وتعتمد مفاعلات الطاقة النووية في فرنسا على مياه الأنهار للتبريد، وتصرفها بدرجة حرارة أعلى، وتحدّ اللوائح البيئية من درجة حرارة النهر المستقبل، بحسب تقرير طالعته منصة الطاقة المتخصصة.
ومع اقتراب أنهار غارون، ورون، وسين من الحدّ الأقصى المسموح به -وهو 28 درجة مئوية تقريبًا- اضطرت شركة كهرباء فرنسا إي دي إف (EDF) إلى خفض إنتاج عدد من مفاعلات الطاقة النووية على هذه الأنهار أو إيقاف تشغيلها.
تأثير موجة الحَرّ
بالنظر إلى أن أن النهر يسخن تدريجيًا، فقد جاءت عمليات خفض إنتاج محطات الطاقة النووية في فرنسا متأخرة في الشهر، بعد أن استمرت موجة الحر لمدة أسبوع تقريبًا، حسب تقرير نشرته مجلة "بي في ماغازين".
ودخلت فرنسا هذه الة مصدرًا صافيًا قويًا للكهرباء، وظلّت كذلك طوالها.
وتُظهر البيانات التجارية الصادرة عن الشبكة الأوروبية لمشغّلي أنظمة الكهرباء (ENTSO-E) أن البلاد صدّرت كل ساعة من 1 إلى 26 يونيو/حزيران المنصرم، بفائض صافٍ قدره 7.55 تيراواط/ساعة، وكان الإمداد المحلي آمنًا في جميع الأوقات.
في المقابل، فإن ما أثّرت فيه موجة الحر هو هامش التصدير، وليس وضع الإمداد.
وانخفض فائض الكهرباء المتاح للأسواق المجاورة بعد الظهر من 11-12 غيغاواط في أوائل يونيو/حزيران إلى 2.9 غيغاواط في 24 يونيو/حزيران، وهو اليوم الأكثر حرارة في الشهر،
من ناحية ثانية، تضافرت عدّة عوامل في الساعات نفسها، فقد رفع الطلب على التبريد الحمل في منتصف النهار بشكل كبير، في حين قلّصت حدود درجة حرارة النهر قدرة الطاقة النووية المتاحة.
وخفّضت مفاعلات الطاقة النووية في فرنسا، في السنوات الأخيرة، إنتاجها بشكل متزايد حول منتصف النهار في فصلي الربيع والصيف مع انخفاض الأسعار نتيجة وفرة الطاقة الشمسية الأوروبية، وقد أثّرت موجة الحر في هذا النمط اليومي المعتاد، ما زاد من حدّة انخفاض درجات الحرارة بعد الظهر في الأيام الأكثر حرارة.

ولأن فائض التصدير يُمثّل ما يتبقى من الإنتاج بعد تلبية الطلب المحلي، فقد كانت الكمية الأكثر عرضة للخطر عندما ارتفع الطلب وضعفت مصادر العرض المتعددة في الوقت نفسه.
درجة الحرارة وهامش تصدير الكهرباء
على مدار الشهر، انخفضت صادرات الكهرباء اليومية بعد الظهر مع ارتفاع درجات الحرارة على ضفاف النهر، بمعامل ارتباط يبلغ نحو ناقص0.67.
ويُفضّل محللون عَدَّ هذه العلاقة وصفية، وليست سببية، فقد كانت الأيام الأكثر حرارة هي الأيام الأخيرة من الشهر، عندما بدأ تطبيق تخفيضات المفاعل، ومن ثم تتزامن درجة الحرارة والتقويم وتوقيت انقطاع التيار الكهربائي.
وفي الوقت نفسه، لا تسمح البيانات المتاحة بتقدير دقيق للطاقة المسحوبة لأسباب حرارية، لأن إنتاج الطاقة النووية يتغير لأسباب اعتيادية لا علاقة لها بالحرارة، حسب مصادر تابعتها منصة الطاقة المتخصصة.
وما تُثبته السجلات بوضوح هو توقيت هذا الانخفاض وتأثيره بفائض الكهرباء القابل للتصدير.
إجمالي صادرات الكهرباء الشهري
على الرغم من أن الصورة اليومية كانت لافتة للنظر، فإن إجمالي صادرات الكهرباء الشهري كان عاديًا.
وعلى أساس المقارنة، بلغ صافي صادرات فرنسا من الكهرباء خلال المدة من 1 إلى 26 يونيو/حزيران المنصرم نحو 7.6 تيراواط/ساعة في عام 2024، و6.9 تيراواط/ساعة في عام 2025، و7.55 تيراواط/ساعة في عام 2026.
وكانت الطاقة النووية المتاحة أعلى في عام 2026، حيث بلغ متوسطها نحو 39 غيغاواط مقابل 36 غيغاواط تقريبًا في كل من شهرَي يونيو/حزيران السابقين.
وقد أثّرت موجة الحر في توقيت الصادرات ووجْهتِها خلال الشهر، وليس بإجماليها.
وتُظهر التدفقات اليومية هذا التوزيع الجديد بوضوح، فقد تراوح إجمالي الفائض بين 12 و16 غيغاواط خلال الأيام الـ12الأولى، ثم انخفض إلى نطاق 9-12 غيغاواط بمجرد تجاوز درجات الحرارة عتبات الأنهار، قبل أن ينهار إلى 4.8 غيغاواط في 24 يونيو/حزيران.
وقد تفاوت تأثير هذا التعديل في حدود فرنسا، وكانت الصادرات إلى المنطقة الشمالية من إيطاليا ضئيلة للغاية، مدعومة بسوق إيطالية غنية بالغاز، ما يُبقي الأسعار أعلى من أسعار فرنسا في معظم ساعات اليوم.
انخفضت التدفقات إلى بلجيكا وسويسرا، وإلى حدّ أقل إلى بريطانيا العظمى، باطّراد خلال موجة الحر.
أمّا إسبانيا فقد شهدت أكبر تحول: ففرنسا -التي عادةً ما تكون مُصدِّرًا صافيًا إلى شبه الجزيرة الأيبيرية- أصبحت مُستوردًا صافيًا من إسبانيا في أشد أيام الصيف حرارة، معتمدةً على محطات الطاقة الشمسية الإسبانية الأرخص ثمنًا مع انخفاض هامش ربحها.

التداعيات
لا تكمن أهمية هذه الظاهرة في حجمها بقدر ما تكمن في دلالاتها.
ومن المرجّح بلوغ حدود درجة حرارة الأنهار بوتيرة متزايدة مع ارتفاع درجات حرارة الصيف، ما يقلل من قدرة كهرباء الطاقة النووية المتاحة في أشد ساعات الظهيرة حرارةً، وهي الساعات التي يبلغ فيها الطلب الإقليمي ذروته.
وبالنسبة للأنظمة المجاورة التي تعتمد على صادرات الكهرباء الفرنسية خلال أمسيات الصيف، لم يعد فائض كهرباء فرنسا السنوي هو الكمية المخططة المناسبة، بل القدرة التي يمكنها توفيرها في ظل الإجهاد الحراري.
ويشير شهر يونيو/حزيران 2026 إلى أن موجة الحر يمكن أن تُحدِث الآن نقصًا في الإمدادات يُضاهي ذلك الذي تُسبِّبه ظروف البرد وقلة الرياح التي لطالما ميّزت حالة الإجهاد في النظام، وأن هامش التصدير يُعدّ مؤشرًا مبكرًا وواضحًا لهذه الضغوط.
موضوعات متعلقة..
- محطات الطاقة النووية في فرنسا تواجه أعباء مناخية استثنائية
- الطاقة النووية في فرنسا "مرنة".. وهذه قصتها مع "قناديل البحر"
- الطاقة النووية في فرنسا تتعرض لانتكاسة.. ودولة أوروبية أكبر المتضررين
اقرأ أيضًا..
- ملف خاص عن مستجدات أسواق الغاز المسال العربية والعالمية
- ملف خاص عن المناجم في الدول العربية
- ملف خاص عن الهيدروجين في الدول العربية
المصدر:





