4 باحثين: الهيدروجين الأخضر في المغرب يخفض تكلفة الكهرباء
عبدالرحمن صلاح

أظهرت دراسة حديثة أن إدماج الهيدروجين الأخضر في المغرب بالشبكة الوطنية من شأنه خفض تكلفة الكهرباء بأكثر من 15% لكل كيلوواط/ساعة.
وتُركّز الدراسة التي حصلت عليها منصة الطاقة المتخصصة (الصادرة من واشنطن) على الأنظمة الكهربائية في المباني القروية، من خلال نظام يعتمد على دمج وتخزين الهيدروجين.
أنجز الدراسة فريق يتكون من 4 باحثين، أنور اطريبش، وسمير إدريسي قيطوني، وأمين علوي بلغيتي، وسعيد لعسري، في شراكة بين مركز الطاقة الخضراء (Green Energy Park) التابع لمعهد البحث في الطاقة الشمسية والطاقات الجديدة (IRESEN) وجامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية، مع مختبر علوم الهندسة من أجل الطاقة (LabSIPE) التابع للمدرسة الوطنية للعلوم التطبيقية بمدينة الجديدة.
وتحمل الدراسة عنوان "تحسين أنظمة الطاقة الشمسية الكهروضوئية/البطاريات/الهيدروجين الهجين المستقلة ذاتيًا للمباني القروية ذات الطاقة الصافية الصفرية باستخدام خوارزمية تحسين سرب الجسيمات، مع مراعاة حساسية المناخ".
ففي ظل التحولات الكبرى التي يعرفها قطاع الطاقة عالميًا، لم يعد الانتقال الطاقي مقتصرًا على إنتاج الكهرباء من مصادر متجددة، بل أصبح يرتبط أيضًا بكيفية استهلاك هذه الطاقة، وتخزينها، وتكييفها مع خصوصيات كل مجال.
ومن بين القطاعات التي تطرح تحديات وفرصًا في الوقت نفسه، يبرز قطاع المباني بوصفه أحد المجالات الأساسية لتحقيق الحياد الكربوني، خصوصًا في المناطق القروية والنائية.
وتتمحور الدراسة المغربية حول التصميم الأمثل للأنظمة الطاقية المستقلة التي تجمع بين الطاقة الشمسية الكهروضوئية، والبطاريات، والهيدروجين الأخضر، بهدف تزويد مبانٍ قروية بالطاقة بطريقة موثوقة، واقتصادية، ومنخفضة الكربون.
وتعتمد الدراسة على مقاربة تأخذ بالحسبان خصوصيات المناخ المغربي، من خلال تحليل 6 مناطق مناخية تُمثِّل تنوُّع المملكة حسب التصنيف المعتمد لدى الوكالة المغربية للنجاعة الطاقية.
وركّز الباحثون الأربعة على العمل على فهم العلاقة بين المناخ واستهلاك الطاقة داخل المبنى، وإنتاج الطاقة الشمسية، ودور التخزين الهجين في تحسين الأداء الطاقي والاقتصادي للأنظمة المستقلة.
قطاع المباني في قلب التحول الطاقي
يمثّل قطاع المباني أحد المحاور الإستراتيجية في مسار خفض الانبعاثات، نظرًا لإسهامه المهم في الاستهلاك الطاقي العالمي والانبعاثات المرتبطة به.
هذا القطاع مسؤول عن نحو 30%من الاستهلاك الطاقي وقرابة 26%من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، ما يجعل تحسين أدائه الطاقي ضرورة أساسية ضمن أيّ رؤية شاملة للانتقال نحو اقتصاد منخفض الكربون.
وفي المغرب، تكتسي هذه المسألة أهمية خاصة بالنظر إلى الوزن الديمغرافي والاجتماعي للمجال القروي، حيث يعيش 37.2% من السكان المغاربة في المناطق القروية، ما يجعل المباني القروية المستقلة طاقيًا نموذجًا واعدًا يجمع بين العدالة الطاقية والاستدامة البيئية.
الهيدروجين الأخضر.. مهمة تخزين طويل الأمد
أثبتت الطاقات المتجددة -وعلى رأسها الطاقة الشمسية- قدرتها على أداء دور محوري في إنتاج الكهرباء النظيفة، غير أن طبيعتها المتقطعة تفرض الحاجة إلى حلول تخزين فعالة تضمن استمرارية التزويد، خاصةً في الأنظمة المستقلة غير المرتبطة بالشبكة الكهربائية.
في هذا الإطار، توفر البطاريات حلًا مناسبًا للتخزين قصير الأمد، في حين يبرز الهيدروجين الأخضر في المغرب بوصفه خيارًا إستراتيجيًا للتخزين طويل الأمد.
ولا تكمن أهمية الهيدروجين في كونه مجرد وسيلة لتخزين فائض الطاقة، بل هناك 3 ميزات أخرى:
- قدرته على تعزيز مرونة الأنظمة الطاقية.
- تقليل الاعتماد على الحلول التقليدية.
- دعم الانتقال نحو نماذج أكثر استقلالًا واستدامة.
كما ينسجم هذا التوجُّه مع الدينامية الوطنية التي يعرفها المغرب في مجال الهيدروجين الأخضر، خاصةً من خلال "عرض المغرب"
التنوع المناخي المغربي بصفته فرصة للتصميم الذكي.
ويتميز المغرب بتنوّع مناخي واضح، يمتد من المناطق الساحلية المعتدلة إلى المناطق الداخلية شبه الجافة، والمناطق الجبلية الباردة، وصولًا إلى المناطق الصحراوية ذات الإشعاع الشمسي المرتفع.
يقول الباحث أنور اطريبش: إن "هذا التنوع يجعل من الصعب اعتماد تصميم طاقي موحد لجميع المناطق، فالحاجات الطاقية في منطقة باردة تختلف عن تلك المسجلة في مناطق حارة أو شبه جافة مثلًا، كما تختلف عن المناطق الساحلية الأكثر اعتدالًا".
لذلك، تبرز أهمية التصميم الطاقي الحسّاس للمناخ، أي التصميم الذي لا يعتمد فقط على كمية الإشعاع الشمسي المتاحة، بل يأخذ أيضًا بالحسبان طبيعة الطلب الطاقي داخل المبنى، وتغيّره حسب الفصول، وخصوصيات كل منطقة.

مبانٍ قروية مستقلة طاقيًا
توضح نتائج الدراسة التي حصلت عليها منصة الطاقة المتخصصة أن تحقيق مبانٍ قروية مستقلة طاقيًا أمر ممكن، لكنه يتطلب تصميمًا دقيقًا يوازن بين الإنتاج الشمسي والتخزين، وبين الكلفة والموثوقية.
وأظهرت النتائج أن تحقيق نسبة اكتفاء ذاتي تصل إلى 100% ممكن تقنيًا، مع تكلفة كهرباء تتراوح بين 0.44 و0.70 دولارًا لكل كيلوواط/ساعة حسب المنطقة المناخية والتصميم الأمثل للنظام.
كما كشفت أن اعتماد مستوى اكتفاء ذاتي قدره 90% يُمكن أن يخفض تكلفة الكهرباء إلى نطاق يتراوح بين 0.28 و0.37 دولارًا لكل كيلوواط/ساعة، أي بتخفيض يتراوح بين 36.4% و54.3% مقارنة بسيناريو الاستقلال الكامل.
وتبرز هذه النتيجة أهمية إيجاد توازن واضح بين الطموح البيئي، والكلفة الاقتصادية، ومستوى الموثوقية المطلوب.
تجدر الإشارة إلى أن هذا التخفيض في الكلفة يصبح ممكنًا أساسًا من خلال اعتماد نظام هجين متصل بالشبكة الكهربائية، خاصةً أن المناطق القروية في المغرب تعرف نسبة ربط مرتفعة جدًا بالشبكة الوطنية.
ومن ثم، فإن خيار الاكتفاء الذاتي بنسبة 90% لا يعني التخلّي عن الهدف البيئي، بل يمثّل حلًا عمليًا أكثر توازنًا، حيث يجري الاعتماد أساسًا على الطاقة الشمسية والتخزين المحلي، مع استعمال محدود ومدروس للشبكة لتغطية الأوقات الحرجة أو حالات العجز الطاقي.
وبيّنت الدراسة أن إدماج الهيدروجين يمكن أن يخفض تكلفة الكهرباء بما يصل إلى 0.12 دولارًا لكل كيلوواط/ساعة، أي بنسبة 15.4%، مقارنة بالأنظمة التي تعتمد على البطاريات فقط، وذلك في المناطق التي تعرف تغيرات موسمية مهمة في الطلب على الطاقة.
"هذا التكامل يمنح الأنظمة المستقلة مرونة أكبر، ويجعلها أكثر قدرة على الاستجابة لمختلف الظروف المناخية والطاقية، خاصةً في المناطق غير المرتبطة بالشبكة أو التي تحتاج إلى حلول موثوقة ومستدامة"، حسب تصريحات الباحث أنور اطريبش إلى منصة الطاقة.
قراءة إستراتيجية للنتائج
تكشف الدراسة أن الوصول إلى استقلال طاقي كامل ممكن تقنيًا، لكنه يتطلب استثمارات أكبر، في المقابل، فإن اعتماد مستويات عالية ولكن غير مطلقة من الاكتفاء الذاتي يمكن أن يحقق توازنًا أفضل بين الكلفة والموثوقية.
وتكتسي هذه الخلاصة أهمية كبيرة بالنسبة للتخطيط الطاقي، لأنها تُظهر أن الانتقال نحو مبانٍ صفرية (حيادية الكربون) أو شبه حيادية الكربون يجب ألّا يقوم فقط على تعظيم الإنتاج المتجدد، بل على تصميم ذكي يأخذ بالحسبان المناخ، وسلوك الطلب، وقدرات التخزين، والكلفة الاقتصادية.
كما أن التنوع المناخي للمغرب يمكن أن يتحول إلى فرصة لتطوير حلول طاقية متعددة ومتكيفة مع كل جهة، بدل اعتماد نماذج موحدة قد لا تعكس الواقع المحلي.
الخلاصة..
تفتح هذه الدراسة آفاقًا مهمة أمام تطوير القرى المستدامة، والمباني القروية منخفضة الكربون، والأنظمة الطاقية اللامركزية، كما تُشير إلى أهمية الاستفادة من الهيدروجين الأخضر في المغرب بنظام الكهرباء الوطني.
ويمكن أن تشكّل هذه المقاربة أساسًا لمشروعات تجريبية مستقبلية تجمع بين البحث العلمي، والسياسات العمومية، والاستثمار في التقنيات النظيفة.
في المجمل، التنوع المناخي للمغرب ليس مجرد تحدٍّ أمام تصميم الأنظمة الطاقية، بل فرصة لبناء حلول محلية ومرنة.
ومن خلاله يمكن للمغرب والعالم أن يطور نماذج جديدة للمباني المستقلة طاقيًا، قادرة على دعم الانتقال الطاقي، وتعزيز التنمية القروية، والإسهام في تحقيق أهداف الحياد الكربوني.
موضوعات متعلقة..
- 4 باحثين: الطاقة الشمسية العائمة فرصة ذهبية للمغرب (خاص)
- إنتاج الهيدروجين الأخضر في المغرب يؤهله لقيادة شمال أفريقيا (دراسة)
نرشّح لكم..
- تغطية خاصة لأهم الدراسات والأبحاث العربية والأجنبية
- كل ما يتعلق بمستجدات أسواق الغاز المسال العربية والعالمية
- تقارير دورية وتغطية من وحدة أبحاث الطاقة - واشنطن





