يجذب قطاع التنقيب عن الهيدروجين الطبيعي اهتمامًا عالميًا متزايدًا، في ظل سباق تحول الطاقة الذي يتطلب توفير إمدادات منخفضة الكربون، من أجل الابتعاد عن مصادر الوقود الأحفوري.
وأسهمت الدراسات الأكاديمية بشكل كبير في تحسين فهم آليات توليد الهيدروجين، ولا سيما تفاعلات الماء مع الصخور في البيئات القارية؛ ما مهّد الطريق إلى توليد كميات كبيرة من الهيدروجين واحتجازها.
وفي فرنسا، أُدرِج الهيدروجين الطبيعي في قانون التعدين في أبريل/نيسان 2022، ومُنحت شركتا 45-8 إنرجي (45-8 ENERGY) وترنسيس (TERRENSIS) تراخيص استكشاف في جنوب غرب البلاد، ما يُظهر الزخم المتزايد نحو تقييم الهيدروجين الطبيعي بوصفه قطاع طاقة مُجدٍ اقتصاديًا.
ووفق التفاصيل التي اطّلعت عليها منصة الطاقة المتخصصة (مقرّها واشنطن)، برز حوض موليون، الواقع على طول الحافة الغربية لجبال البرانس الفرنسية، مؤخرًا بوصفه منطقة واعدة لاستكشاف الهيدروجين الطبيعي، بما يدعم البحث الأكاديمي المتواصل، ومجموعة البيانات الواسعة الموروثة من قرنٍ من استكشاف النفط والغاز.
الهيدروجين الطبيعي بحوص موليون
يشير المسح الزلزالي السلبي واسع النطاق لحوص موليون بغرب جبال البرانس الفرنسية، وإعادة تفسير البيانات الجيوفيزيائية القديمة، وتوثيق وجود الهيدروجين في الطبقات الضحلة، مجتمعةً، إلى وجود نظام نشط لتوليد الهيدروجين الطبيعي.
ويُفسَّر هذا النظام بأنه مرتبط بعمليات التمعدن السربنتيني (تفاعل الماء مع الصخور الغنية بالحديد والمغنيسيوم) التي تؤثّر في الصخور المشتقة من الوشاح أسفل حوض رسوبي معقّد التركيب، ما يوفّر ظروفًا مواتية لتوليد الهيدروجين وتراكمه المحتمل تحت السطح.
وتهدف الجهود المتواصلة التي تبذلها شركتا "45-8 إنرجي" و"ترنسيس" إلى تحديد الخصائص البنيوية لمنطقة استكشاف الهيدروجين الطبيعي.
ويشمل هذا العمل استرجاع بيانات المسح الزلزالي ثنائية وثلاثية الأبعاد القديمة وإعادة معالجتها، ودمجها مع عمليات المسح الزلزالي السلبي الحديثة المصممة خصوصًا لتصوير أهداف الهيدروجين، وإعادة تفسير بيانات الآبار التاريخية لتحسين تحديد الامتداد الجانبي للخزانات الرئيسة والتكوينات العازلة المحددة في النظام النفطي.
ففي عام 2024، أجرت شركة "ترنسيس" مسحًا زلزاليًا سلبيًا هجينًا كثيفًا (450 جهاز استشعار على مدى 4 أشهر)؛ ما أسهم بشكل كبير في إعادة معالجة بيانات المسح الزلزالي ثنائية الأبعاد القديمة، لا سيما بسبب التباين الكبير في السرعة بين طبقة خزان العصر الجوراسي العلوي والطبقات العلوية.
ومن المقرر إجراء مسح مماثل في أواخر عام 2026 فوق ترخيص غراند ريو.
وستدعم مجموعات البيانات المتكاملة هذه تطوير نموذج جيولوجي إقليمي متّسق لحوض موليون؛ ما قد يتطلب إجراء عمليات مسح زلزالي نشطة مستقبلية لتعزيز فرص الاستكشاف المحددة مسبقًا داخل الحوض.

ووفق التفاصيل التي اطّلعت عليها منصة الطاقة المتخصصة، يتمتع حوض مولون بمجموعة فريدة من مسارات التصدير المتاحة للأسواق المحلية، ما يمهّد الطريق للانتقال إلى طاقة محلية خالية من الكربون.
وحُدِّد العديد من مسارات التصدير المحتملة؛ إذ تدعم البنية التحتية المتطورة للنقل في المنطقة توزيع الهيدروجين لتطبيقات النقل.
ويُمكن للبنية التحتية الحالية للغاز الطبيعي استيعاب مزج الهيدروجين بنسبة تصل إلى 10%، ما يتيح دمجه في شبكة الغاز المحلية والوصول إلى شبكات الهيدروجين العابرة للحدود مستقبلًا.
كما يُمكن أن ينشأ طلب محتمل في المستقبل من افتتاح منشآت صناعية رئيسة قريبة، بحسب ما نقلته منصة "جيو إكس برو" (GeoExPro).
دراسة الهيدروجين الطبيعي في فرنسا
حظي حوص موليون بغرب جبال البرانس الفرنسية بدراسة متعمقة لفهم إمكانات الهيدروجين الطبيعي، إذ جرى التعرف على وجود شذوذ جاذبية كبير، يُعرف باسم "شذوذ لابورد" في الحوض منذ عدّة عقود.
وأظهرت عمليات إعادة التفسير الحديثة، المدعومة ببيانات زلزالية سلبية مستمدة من التصوير المقطعي الزلزالي المحلي، وجود جسم ذي سرعة موجة طولية عالية تبلغ مساحته نحو 300 كيلومتر مربع (نحو 8 كيلومترات في الثانية)، يُفسَّر بأنه مادة وشاحية حديثة.
ويُعتقَد أن هذا التكوين الوشاحي الضحل نسبيًا (على عمق يتراوح بين 8 و10 كيلومترات تقريبًا) قد انكشف خلال التمدد المفرط لحوض العصر الطباشيري، ثم دُمِج لاحقًا في الوتد الأوروجيني خلال انضغاط جبال البرانس في العصر الثالث.
وتشير دراسات أكاديمية حديثة، استنادًا إلى نماذج الجاذبية والمغناطيسية، إلى وجود صخور وشاحية متحولة جزئيًا إلى سربنتين داخل هذا التكوين، ما يدل على استمرار توليد الهيدروجين.
ويُستدَل على أن المياه سريعة التدفق تدور في الأعماق عبر أنظمة حرارية مائية نشطة، كما يتضح من النشاط الزلزالي الدقيق والينابيع الحرارية العديدة الواقعة على طول الحافة الشمالية للحزام الجبلي.
ومن المرجّح أن تُسهّل عدّة صدوع دفع أمامية رئيسة مائلة جنوبًا دوران السوائل، التي يمكن أن تعمل بوصفها مسارات هجرة فعّالة من القشرة الأرضية إلى الغطاء الرسوبي المشوّه الذي يعلوها.

كما أظهرت بيانات استكشاف النفط والغاز القديمة والواسعة النطاق، التي جُمعت في المقام الأول في حوض أرزاك خلال الستينيات والثمانينيات، وجود وفاعلية أنظمة مكامن وحواجز واسعة النطاق، مع تحديد أهداف استكشافية أعمق وأكثر احتمالًا.
ويُوثَّق العديد من هذه التكوينات من خلال العديد من النتوءات الصخرية في المناطق الداخلية، لا سيما داخل سلسلة جبال بيرنيه.
وفي حقل لاك للغاز المجاور، أدى وجود عمود غاز كبير إلى توليد ضغط زائد كبير، ما يُقدّم دليلًا واضحًا على قدرات الحواجز الاستثنائية.
وبحسب الدراسات، يُمكن للهيدروجين الطبيعي المتولد في الأعماق أن يهاجر صعودًا أو أفقيًا نحو الخزانات المستهدفة عبر نظام الصدوع المتطور في جبال البرانس، ضمن تراكيب ملائمة مثل الطيات المحدّبة المتصدعة، ما يركّز الهجرة بكفاءة في مصائد فعّالة.
ويبلغ العمق الأمثل لحفظ الهيدروجين -مع تقليل النشاط الميكروبي- أكثر من كيلومترين.
موضوعات متعلقة..
- كنوز من الهيدروجين الطبيعي تحت سلاسل جبال شهيرة
- مكامن الهيدروجين الطبيعي في سلطنة عمان والإمارات.. فرص استثنائية
- إنتاج الهيدروجين الطبيعي من آبار النفط المهجورة بتكلفة منخفضة
نرشّح لكم..
- ملف خاص عن مستجدات أسواق الغاز المسال العربية والعالمية
- ملف خاص عن طاقة الرياح في الدول العربية
- ملف خاص عن المناجم في الدول العربية
المصدر:





