الطاقة سلاح الجزائر في أفريقيا.. 6 دول وخطة مع مصر (تقرير)
أحمد بدر

تواصل الجزائر توظيف قطاع الطاقة بوصفه أداة إستراتيجية لتعزيز نفوذها داخل القارة الأفريقية، عبر سلسلة من الاتفاقيات والمشروعات التي تستهدف توسيع الحضور الاقتصادي والسياسي في أسواق القارة، خاصة في مجالات النفط والغاز والكهرباء والبنية التحتية الطاقية.
وتسعى الدولة الواقعة في شمال أفريقيا خلال السنوات الأخيرة إلى بناء شبكة تعاون إقليمي تعتمد على تصدير الخبرات والمعدات والخدمات الطاقية، بالتوازي مع زيادة صادرات المحروقات وتوسيع الاستثمارات المشتركة، في ظل تنافس متزايد بين القوى الإقليمية والدولية داخل أفريقيا.
وبحسب مستجدات قطاع الطاقة في الجزائر لدى منصة الطاقة المتخصصة (مقرّها واشنطن)، فإن حكومة البلاد تسعى إلى توظيف شراكاتها العربية، خاصة مع مصر، بوصفها بوابة للتحرك المشترك داخل القارة، سواء عبر مشروعات النفط والغاز أو إنشاء محطات الكهرباء والبنية التحتية.
ويعكس هذا التوجه رغبة صانعي القرار في التحول من مجرد مصدر تقليدي للنفط والغاز إلى لاعب إقليمي يقود مشروعات التكامل الطاقي في أفريقيا، مستفيدًا من خبرات الشركات الكبرى، وعلى رأسها سوناطراك وسونلغاز، إلى جانب الشراكات العربية المتنامية.
مصر والجزائر في أفريقيا
كانت تحركات مصر والجزائر في أفريقيا لافتة، خاصة بعدما شهدت علاقات البلدَين دفعة قوية في قطاع الطاقة، بعدما وقّع وزيرا البترول في البلدَيْن مذكرة تفاهم لشراء النفط الخام، في خطوة تعكس المساعي لتعزيز الصادرات الإقليمية وتوسيع نطاق الحضور في الأسواق العربية والأفريقية.
ويمثّل الاتفاق النفطي بين البلدَيْن تحولًا مهمًا في مسار التعاون الطاقي، خاصة أنه يضع إطارًا مؤسسيًا طويل الأجل يضمن تدفقات منتظمة من الخام إلى المصافي المصرية، بما يعزز استقرار الإمدادات ومرونة منظومة التوريد.
كما تسعى الحكومة الجزائرية من خلال الاتفاق إلى توظيف موقع مصر الإستراتيجي وبنيتها التحتية المتطورة في دعم خطط إعادة تصدير المنتجات النفطية وتوسيع حركة تجارة الطاقة داخل أفريقيا وشرق المتوسط، بما يخدم مصالح البلدَيْن خلال السنوات المقبلة.
ويؤكد الاتفاق الموقّع بين الهيئة المصرية العامة للبترول ومؤسسة سوناطراك رغبة الجانبين في تطوير شراكة أوسع، تشمل تبادل الخبرات والاستثمارات والتعاون في مشروعات الاستكشاف والإنتاج والتكرير، ضمن رؤية إقليمية تستهدف التكامل الطاقي العربي.
وفي اليوم نفسه، وقّعت القاهرة والجزائر عقد تطوير حقل حاسي بئر ركايز باستثمارات تقارب مليار دولار، في خطوة تعكس توجهًا نحو بناء مشروعات إنتاج مشتركة تدعم زيادة المعروض النفطي وتوسيع الشراكات داخل القارة الأفريقية.
ويتضمّن المشروع إنشاء وحدة معالجة مركزية للنفط الخام بطاقة تصل إلى 31.5 ألف برميل يوميًا، إلى جانب مرافق لمعالجة الغاز والمياه المنتجة، ما يعزّز قدرات الإنتاج ويرفع كفاءة العمليات داخل أحد أهم الحقول البرية، وفق ما تابعته منصة الطاقة المتخصصة.
كما يعكس تطوير الحقل رغبة الدولة الواقعة بشمال أفريقيا في استقطاب الخبرات والشركات العربية إلى مشروعاتها الإستراتيجية، مع توظيف هذه الشراكات لاحقًا للتحرك نحو أسواق القارة السمراء، خاصة في مجالات تطوير الحقول والبنية التحتية النفطية والخدمات الهندسية.
ويراهن البلدان على التعاون لتأسيس منصة إقليمية تقود مشروعات الطاقة في أفريقيا، مستفيدة من خبرات مصر الصناعية والإنشائية، إلى جانب الإمكانات التمويلية والموارد الطبيعية الكبيرة التي يمتلكها الطرف الآخر داخل القارة.
شركة مشتركة ومحطات كهرباء أفريقية
تسارعت تحركات الجزائر خلال مايو/أيار 2026 نحو تأسيس شراكات كهربائية إقليمية، بعدما استقبل وزير الطاقة والطاقات المتجددة مراد عجال وفدًا من شركة السويدي إلكتريك المصرية، لبحث التعاون في الأسواق الأفريقية ومشروعات الكهرباء.
وخلال اللقاء، ناقش الجانبان مستوى التقدم في الاتفاقيات الموقّعة بين سونلغاز والسويدي إلكتريك، خاصة ما يتعلق بمشروعات تصنيع المعدات الكهربائية والهندسة وإنشاء محطات الإنتاج ومراكز التحويل داخل القارة الأفريقية.
وأكد الوزير عجال أن الأسواق الأفريقية أصبحت تمثّل أولوية إستراتيجية، مشيرًا إلى أن الجزائر تسعى لتوسيع حضورها الخارجي عبر شراكات قوية مع شركات عربية تمتلك خبرات واسعة في تنفيذ مشروعات الكهرباء والطاقة والبنية التحتية.
كما اقترحت وزارة الطاقة العمل على تأسيس شركة مشتركة مع الجانب المصري تتولى تنفيذ مشروعات دولية خارجية، خاصة في أفريقيا، ضمن نموذج يعتمد على تقاسم الخبرات والاستثمارات وتحقيق منافع اقتصادية متبادلة للطرفَين.

ويرى مراقبون أن هذه الخطوة تمنح الجزائر فرصة للتحول إلى مركز إقليمي لتصدير الخدمات الطاقية والهندسية، بدلًا من الاقتصار على تصدير النفط والغاز الخام، وهو توجه يتماشى مع التحولات العالمية في أسواق الطاقة.
وتراهن الجهات الرسمية على قدرات الشركات الوطنية في تصنيع المعدات الكهربائية ومنشآت الجهد العالي والمتوسط، إلى جانب خبرة الشريك المصري في تنفيذ المشروعات الكبرى، بما يسمح بالحصول على عقود جديدة داخل أفريقيا جنوب الصحراء.
كما يمنح المشروع المشترك البلدَيْن فرصة لبناء تحالف عربي قادر على منافسة الشركات الدولية في قطاع الكهرباء الأفريقي، خاصة مع تزايد الطلب على محطات التوليد وخطوط النقل ومشروعات الربط الكهربائي بالقارة.
ومن المتوقع أن تركز الشركة المقترحة على دول تعاني ضعف البنية التحتية الكهربائية، مع توظيف التمويل والخبرات العربية لإنجاز مشروعات سريعة تدعم أمن الطاقة والتنمية الاقتصادية داخل الأسواق الأفريقية الناشئة.
التعاون في مجال المحروقات والكهرباء
ضاعفت الجزائر جهودها من أجل التعاون في مجال المحروقات والكهرباء مع دول القارة السمراء؛ إذ صدّرت شحنة بنزين نادرة إلى ليبيا خلال مايو/أيار 2026، في خطوة استهدفت تخفيف أزمة نقص الوقود التي شهدتها السوق الليبية خلال الأشهر الأخيرة.
وبلغ حجم الشحنة نحو 132 ألف برميل، وهي ثاني شحنة بنزين تستوردها ليبيا منذ عام 2013 على الأقل، ما يعكس تطورًا ملحوظًا في العلاقات التجارية النفطية بين البلدَيْن خلال المرحلة الحالية، وفق ما تابعته منصة الطاقة المتخصصة.
وتكشف هذه الخطوة عن توجه الدولة العربية النفطية نحو تنويع أسواق صادراتها النفطية داخل أفريقيا، بعدما ظلّت الأسواق الأوروبية تستحوذ تاريخيًا على النسبة الأكبر من صادرات الخام والمشتقات النفطية بحكم القرب الجغرافي.

وفي غرب أفريقيا، وقّعت الجزائر -كذلك- اتفاق تعاون مع ساحل العاج (كوت ديفوار) لتطوير الشراكة في قطاعات الطاقة والتعدين، بما يشمل الاستكشاف والإنتاج والتكرير وتطوير سلاسل القيمة الخاصة بالمحروقات والمناجم داخل البلدَيْن.
ويعكس الاتفاق مع أبيدجان رغبة متزايدة في بناء شراكات طويلة الأجل داخل القارة، تقوم على تبادل الخبرات والاستثمارات والتقنيات الحديثة، مع التركيز على تعزيز الاستفادة الاقتصادية من الموارد الطبيعية الأفريقية.
كما تشمل التحركات الحالية داخل القارة الأفريقية مشروعًا مهمًا في موزمبيق لإنجاز محطة كهرباء بقدرة تصل إلى 1000 ميغاواط، بالاعتماد على الخبرات الوطنية في تصميم وتنفيذ منشآت إنتاج الكهرباء وشبكات النقل والتوزيع.
وأكدت الجزائر خلال المباحثات مع الوفد الموزمبيقي أن المشروع يمكنه تحويل موزمبيق إلى مركز إقليمي لتصدير الكهرباء نحو 6 دول أفريقية مجاورة، وهو ما يمنح المشروع أبعادًا إستراتيجية تتجاوز حدود البلدَيْن.
وتسعى التحركات الأخيرة إلى ترسيخ حضور قوي في أسواق أفريقيا الجنوبية والغربية، عبر تصدير الخدمات الطاقية والمعدات والخبرات الفنية، إلى جانب الحفاظ على المكانة التقليدية بوصفها منتجًا رئيسًا للمحروقات.

النيجر وتشاد وموريتانيا.. دائرة النفوذ الطاقي
تتحرك الجزائر بقوة داخل منطقة الساحل الأفريقي عبر مشروعات الكهرباء والغاز، إذ شهد مايو/أيار 2026 لقاءات مكثفة مع مسؤولي الطاقة في النيجر، لبحث تطوير التعاون في مجالات الكهرباء والبنية التحتية الطاقية.
وتنفّذ عملاقة الطاقة "سونلغاز" مشروع محطة كهرباء في العاصمة نيامي ضمن توجه يهدف إلى دعم استقرار الإمدادات الكهربائية، إلى جانب إعادة تأهيل الشبكات وتطوير نظم الإدارة الرقمية والتكوين الفني للكوادر المحلية في النيجر.
كما يرتبط التعاون بين الجزائر والنيجر بمشروع خط الأنابيب الإستراتيجي المقترح مع نيجيريا، الذي يُعوّل عليه لنقل الغاز النيجيري عبر الأراضي النيجرية، وصولًا إلى الأسواق الأوروبية مستقبلًا، وفق متابعات منصة الطاقة المتخصصة.
وبالنسبة إلى التعاون مع تشاد، صدّرت الجزائر أول شحنة من غاز النفط المسال إلى هناك، ضمن خطة تستهدف توسيع الحضور التجاري في منطقة الساحل وتعزيز صادرات الوقود النظيف نسبيًا إلى الأسواق الأفريقية الناشئة.

وتزامن ذلك مع توقيع اتفاق لإنجاز محطة كهرباء بقدرة 40 ميغاواط داخل تشاد، إلى جانب إطلاق دراسات فنية ومشروعات تدريب ونقل خبرات، بما يعكس تحول الدولة العربية إلى شريك تنموي في قطاع الطاقة بالقارة.
أما في موريتانيا فتتجه العلاقات الثنائية نحو إعادة تفعيل التعاون في قطاع المحروقات، خاصة عبر بحث استيراد الوقود وإعادة تشغيل محطات توزيع نفطال، بالإضافة إلى مشروعات الربط الكهربائي وخطوط الجهد العالي.
الخلاصة..
تبدو الجزائر بصدد بناء إستراتيجية أفريقية متكاملة تستخدم فيها الطاقة بوصفها أداة دبلوماسية واقتصادية، مستفيدة من شركاتها الوطنية وخبراتها المتراكمة، إلى جانب التحالف المتنامي مع مصر للتحرك المشترك داخل القارة.
وتكشف هذه التحركات عن دائرة نفوذ طاقي تبنيها الجزائر تدريجيًا داخل أفريقيا، وتشمل:
- مصر (تعاون داخلي لتطوير حقول النفط، وخارجي لتأسيس شركة تعمل في أفريقيا).
- ليبيا (تصدير المشتقات النفطية لتخفيف أزمة الوقود).
- ساحل العاج (تطوير مشروعات في قطاعات الطاقة والتعدين).
- موزمبيق (إنجاز محطة كهرباء بقدرة 1000 ميغاواط).
- النيجر (تطوير محطة كهرباء وتعزيز التعاون بشأن أنبوب الغاز النيجيري).
- تشاد (تصدير غاز النفط المسال وتطوير محطة كهرباء).
- موريتانيا (تطوير وإعادة تشغيل محطات نفطال ومشروعات الربط الكهربائي).
موضوعات متعلقة..
- صادرات النفط الجزائري إلى أفريقيا تاريخيًا.. المغرب في المقدمة
- أكبر منتج للغاز في أفريقيا بحلول 2055.. الجزائر قد تفقد الصدارة
- سوناطراك الجزائرية وبتروجت المصرية تخططان للتنقيب عن النفط في أفريقيا (خاص)
اقرأ أيضًا..
- أسعار ألواح الطاقة الشمسية في الأردن.. (مسح لـ8 أنواع)
- تقارير دورية وتغطيات لوحدة أبحاث الطاقة
- تغطية خاصة للحرب على إيران وتأثيراتها في أسواق الطاقة
المصادر:
- بيان وزارة الطاقة والطاقات المتجددة بشأن التعاون مع كوت ديفوار.
- بيان الوزارة بشأن محطة الكهرباء في موزمبيق.
- بيان وزارة الطاقة والطاقات المتجددة بشأن محطة الكهرباء مع تشاد.
- بيان الوزارة بشأن تأسيس شركة مع مصر للعمل في أفريقيا.





