
تشهد عمليات تهريب الوقود من ليبيا تصاعدًا ملحوظًا خلال المدة الأخيرة، في ظل انكشاف معطيات جديدة تشير إلى نشاط شبكة منظمة تعتمد على مسارات بحرية وبرية معقّدة، مستغلةً ضعف الرقابة واتّساع السواحل وتداخل السلطات في بعض المناطق الحيوية.
وبحسب رسالة موجهة إلى رئيس مجلس الأمن من فريق الخبراء المعني بليبيا، حصلت عليها منصة الطاقة المتخصصة (مقرّّها واشنطن)، فإن الشبكة الإجرامية طورت قدراتها التشغيلية بشكل كبير، معتمدةً على بنية لوجستية تشمل مواني رئيسة وسفنًا متعددة لتسهيل التهريب.
وتكشف الوثائق أن عمليات تهريب الوقود من ليبيا لم تعد نشاطًا محدودًا، بل تحولت إلى منظومة عابرة للحدود، تمتد إلى 5 دول عربية وأوروبية، عبر استعمال أساليب متقدمة تشمل التمويه البحري وتزوير الوثائق وتغيير مسارات الشحن بشكل متكرر.
وتشير التقديرات إلى أن هذه العمليات تسببت في خسائر اقتصادية كبيرة، نتيجة تسرّب كميات ضخمة من الوقود المدعوم إلى الأسواق الخارجية، ما يزيد الضغوط على المالية العامة ويؤثّر سلبًا في استقرار سوق الطاقة المحلية.
تفاصيل شبكة التهريب ومساراتها
توضح التقارير أن عمليات تهريب الوقود من ليبيا تتمّ عبر موانٍ رئيسة، أبرزها بنغازي ورأس لانوف، حيث تُستعمَل هذه المواقع بوصفها نقاط انطلاق لشحنات غير قانونية تُجهَّز بطرق سرّية قبل نقلها إلى وجهات خارجية متعددة.
وتعتمد الشبكة على تقنية النقل من سفينة إلى أخرى في عرض البحر، وهي من أكثر الأساليب تعقيدًا في إخفاء مسار الشحنات، إذ تتيح تغيير وجهة الوقود دون تسجيل رسمي، ما يصعّب تتبُّعه من قبل الجهات الدولية المختصة.
كما تشمل العمليات تخزين الوقود داخل مواقع محددة في ليبيا، وكذلك بمدينة بورسعيد المصرية، قبل إعادة تحميله، مع استعمال وثائق مزورة وشهادات منشأ غير دقيقة، بهدف تمرير الشحنات عبر المواني الدولية على أنها منتجات قانونية أو موجهة لأغراض مختلفة.
وتشير البيانات إلى أن حجم الديزل المهرب من ميناء بنغازي بين أكتوبر/تشرين الأول 2025 ويناير/كانون الثاني 2026 بلغ نحو 578 ألف طن متري، ضمن إجمالي تدفقات تجاوزت 688 مليون لتر، وهو ما يعكس تصاعدًا لافتًا في عمليات تهريب الوقود من ليبيا.
كما رُصدت عمليات إضافية تضمنت ما لا يقل عن 50 شحنة من المنتجات المكررة غير القانونية، بما يعادل قرابة 636 ألف طن متري أو نحو 992 مليون لتر، نُقِلَت عبر مسارات بحرية معقدة، مع اعتماد مكثّف على تقنيات التمويه وإعادة الشحن في عرض البحر.

وفيما يتعلق بالبنية اللوجستية، وثّق التقرير استعمال ما لا يقل عن 99 حاوية و22 خزانًا عائمًا و24 ناقلة بحرية، إلى جانب 30 رحلة موثقة لنقل أكثر من 80 مليون كيلوغرام من الديزل، مع تخزين كميات في مواقع مثل بوسدرة قبل إعادة تصديرها.
وتعتمد الشبكة على شركات واجهة ووسطاء دوليين لتنسيق عمليات النقل والتوزيع، ما يمنحها غطاءً قانونيًا ظاهريًا، رغم أن الأنشطة الفعلية تندرج ضمن الاقتصاد غير المشروع المرتبط بتهريب الموارد، وفق ما طالعته منصة الطاقة المتخصصة.
وتُظهر الأدلة التي اطّلع عليها فريق الخبراء أن عمليات تهريب الوقود من ليبيا استهدفت دولًا مثل الإمارات وتركيا، إلى جانب وجهات أوروبية، ما يعكس اتّساع نطاق الشبكة واعتمادها على أسواق متعددة لتصريف المنتجات المكررة المهربة.
كما وثّق فريق الخبراء في رسالتهم إلى رئيس مجلس الأمن استخدام سفن بأسماء وأعلام متغيرة، في محاولة للتحايل على أنظمة التتبع الدولية، وهي ممارسة شائعة في الأنشطة غير القانونية المرتبطة بقطاع الطاقة والنقل البحري العالمي.
وتُعدّ هذه الشبكة تحديًا معقّدًا أمام السلطات الليبية، لا سيما أنها تجمع بين البعد الإجرامي والتنظيمي، وتعتمد على ثغرات قانونية ولوجستية، ما يجعل تفكيكها يتطلب تنسيقًا دوليًا واسعًا وجهودًا رقابية مستمرة.
أحدث وقائع التهريب
تكشف التحقيقات الأخيرة عن واقعة جديدة ضمن ملف تهريب الوقود من ليبيا، إذ ألقت الشرطة الإيطالية في صقلية القبض على 6 أشخاص، مع استمرار ملاحقة 3 آخرين بتهم إدارة شبكة منظمة لتهريب الديزل إلى أوروبا.
وبحسب السلطات الإيطالية، بلغت قيمة الشحنات المهربة نحو 30 مليون يورو، سُوِّقَت لمحطات وقود في إيطاليا وعدد من الدول الأوروبية، بأسعار تقلّ بشكل كبير عن الأسعار الرسمية، ما وفّر أرباحًا ضخمة للشبكة.
وأوضحت التحقيقات أن الوقود كان يُسرق من مصفاة الزاوية باستخدام قوارب صغيرة، قبل نقله إلى سفن أكبر في عرض البحر قرب سواحل مالطا، ومنها يُعاد توجيهه إلى الأسواق الأوروبية المختلفة.

كما وثّقت الشرطة أكثر من 30 رحلة بحرية ضمن هذه العمليات، نُقِل خلالها أكثر من 80 مليون كيلوغرام من وقود الديزل، ما يعكس الحجم الكبير للنشاط واستمراره لأوقات طويلة دون كشف كامل، وفق ما طالعته منصة الطاقة المتخصصة.
ووفق ما كشفت عنه التحقيقات، فإن عمليات تهريب الوقود من ليبيا تضمنت استعمال شركات واجهة لتوزيع الوقود داخل إيطاليا وفرنسا وإسبانيا، مع تقديمه بأسعار أقل بنسبة تصل إلى 60% مقارنة بأسعار السوق المحلية.
وشملت القضية تورُّط عناصر مرتبطة بالمافيا الإيطالية، إضافة إلى شخصيات ليبية بارزة، من بينها شخص يُعرَف بلقب “ملك التهريب”، ما يبرز الطابع المنظم والعابر للحدود لهذه الشبكة الإجرامية.
ردّ المؤسسة الوطنية للنفط
في المقابل، أثارت التقارير المتعلقة بملف تهريب الوقود من ليبيا ردود فعل رسمية، حيث جاء ردّ المؤسسة الوطنية للنفط ليؤكد متابعتها لما ورد في تقرير لجنة الخبراء التابعة لمجلس الأمن بشأن هذه الأنشطة.
وأشارت المؤسسة إلى أن بعض المعلومات الواردة في التقرير لا تستند إلى مراجعة فنية مكتملة من مصادرها الرسمية، مؤكدة وجود قصور في عرض البيانات والأرقام المرتبطة بقطاع النفط والمنتجات المكررة.
وبحسب بيان المؤسسة، الذي حصلت عليه منصة الطاقة المتخصصة، فإن التقرير اعتمد على مصادر مفتوحة ببعض جوانبه، دون توضيح كافٍ لمعايير التحقق، بما قد يؤثّر في دقة الاستنتاجات ويخلق تداخلًا بين المؤشرات الأولية والتقييمات النهائية.

وأكدت المؤسسة أنها باشرت مراجعة شاملة لكلّ ما ورد في التقرير، تمهيدًا لإعداد ردّ تفصيلي مدعوم بالبيانات والوثائق الرسمية، بهدف تقديم صورة متكاملة وموثوقة للرأي العام والجهات الدولية.
وتأتي هذه التطورات في وقت تتزايد فيه الضغوط الدولية لمعالجة ملف تهريب الوقود من ليبيا، لما له من تأثير مباشر في استقرار الأسواق الإقليمية وأمن الطاقة في منطقة البحر المتوسط.
كما شددت المؤسسة على التزامها بأعلى معايير الشفافية والتعاون مع الجهات الرقابية المحلية والدولية، مؤكدةً استمرار التنسيق مع لجنة الخبراء التابعة للأمم المتحدة لضمان معالجة أيّ ملاحظات.
ومن المنتظر أن تعقد المؤسسة مؤتمرًا خلال المدة المقبلة لعرض نتائج مراجعتها بالتفصيل، في خطوة تهدف إلى توضيح الحقائق وتعزيز الثقة في قطاع النفط الليبي وسط هذه التحديات المتزايدة.
موضوعات متعلقة..
- تهريب الوقود في ليبيا.. قصة "الصندوق الأسود" وأول رد رسمي
- اتهامات تهريب النفط في ليبيا تتزايد.. وهذا دور صادرات الوقود الروسية
- أركنو.. إنهاء تعاقد شركة نفط خاصة في ليبيا بعد 3 سنوات من شبهات الفساد
اقرأ أيضًا..
- ملف خاص عن أسواق الغاز المسال العربية والعالمية
- تغطية خاصة للحرب على إيران وتأثيراتها في أسواق الطاقة
- تقارير دورية وتغطيات لوحدة أبحاث الطاقة
المصادر:
- نص رسالة فريق الخبراء المعني بليبيا إلى رئيس مجلس الأمن
- بيان المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا ردًا على التقرير





