المقالاترئيسيةسلايدر الرئيسيةغازمقالات الغازمقالات النفطنفط

إيرادات النفط والغاز الروسية.. مكاسب استثنائية وسط ارتفاع الأسعار العالمية (مقال)

فيلينا تشاكاروفا* – ترجمة: نوار صبح

اقرأ في هذا المقال

  • روسيا مُصدِّر رئيس وموثوق للطاقة وتسهم في الحفاظ على التوازن بالسوق العالمية.
  • في مارس/آذار 2026 نفّذت أوكرانيا 10 هجمات كبيرة على البنية التحتية للطاقة الروسية.
  • واشنطن سمحت ببيع النفط الروسي ومشتقاته المحمّلة على السفن قبل 12 مارس 2026.
  • انقطاع التدفقات عبر مضيق هرمز أدى إلى تضييق أسواق الغاز المسال العالمية.

سجّلت إيرادات النفط والغاز الروسية مكاسب استثنائية وسط ارتفاع الأسعار العالمية بعد اضطراب حركة الملاحة البحرية في مضيق هرمز، جرّاء الحرب على إيران، التي دخلت شهرها الثاني.

وصرّح النائب الأول لرئيس مجلس إدارة بنك سبيربنك، ألكسندر فيدياخين، لوكالة ريا نوفوستي، بأن ارتفاع أسعار النفط العالمية قد يُضيف 0.5% إلى إيرادات النفط والغاز في الموازنة الفيدرالية الروسية عام 2026، أي ما يعادل نحو 20 مليار دولار أميركي من إيرادات التصدير الإضافية.

وتُعد الحسابات واضحة: تعتمد موازنة موسكو هيكليًا على إيرادات النفط والغاز الروسية، ومع تداول خام برنت فوق 112 دولارًا أميركيًا للبرميل بعد توقف العبور في مضيق هرمز؛ فإن كل شهر متواصل من ارتفاع الأسعار يُترجم إلى مليارات الدولارات من المكاسب الاستثنائية.

ووفقًا للمحللة لدى شركة فريدوم فاينانس غلوبال، التي نقلتها وكالة بلومبرغ، ناتاليا ميلتشاكوفا، قد تحصل موسكو على ما بين 3 و4 تريليونات روبل إضافية (37-49 مليار دولار أميركي) إذا بلغ متوسط ​​سعر خام الأورال 75-80 دولارًا أميركيًا سنويًا.

إيرادات صادرات النفط الروسية

بلغت إيرادات صادرات النفط الروسية 2.48 مليار دولار في أسبوع واحد أواخر مارس/آذار المنصرم، وهو أعلى مستوى لها منذ أبريل/نيسان 2022، بزيادة قدرها 120% عن أواخر فبراير/شباط الماضي.

ورغم هذه المكاسب الاستثنائية من الحرب الدائرة في الشرق الأوسط؛ فلا يزال الاقتصاد الروسي يشهد تباطؤًا، ويتراجع الإنتاج في القطاعات المدنية.

وأظهر أحدث مسح للأعمال أجراه البنك المركزي تراجعًا ملحوظًا في مارس/آذار الماضي.

عند هذه المستويات، يكون الاقتصاد تاريخيًا إما في حالة ركود وإما على حافة الركود، وهو أقل بكثير من معدل نموه المحتمل الذي يتراوح بين 1.5 و2.5% سنويًا.

(الروبل الروسي = 0.012 دولارًا أميركيًا)

خزانات النفط بالقرب من ميناء نوفوروسيسك على البحر الأسود في روسيا
خزانات النفط بالقرب من ميناء نوفوروسيسك على البحر الأسود في روسيا – الصورة من رويترز

ويشير النائب الأول لرئيس مجلس إدارة بنك سبيربنك، ألكسندر فيدياخين، إلى أن روسيا مُصدِّر رئيس وموثوق للطاقة، وتسهم في الحفاظ على التوازن في السوق العالمية.

ويضيف أنه في حال ارتفعت أسعار النفط العالمية؛ فسيوفر لنا ذلك ما لا يقل عن 0.5% من إيرادات النفط والغاز الإضافية للموازنة الفيدرالية في عام 2026. وستحصل على ما يقارب 20 مليار دولار من إيرادات التصدير الإضافية.

وحرص فيدياخين على تصوير موقف روسيا على أنه موقف استقرار لا انتهازي، وهو خيار خطابي يعكس إستراتيجية الكرملين الإعلامية الأوسع نطاقًا، التي تهدف إلى تقديم روسيا طرفًا مسؤولًا في السوق، تتناقض موثوقيته مع الاضطراب الناجم عن المغامرات العسكرية الغربية.

وقد صُمم هذا الإطار خصيصًا لجمهور دول الجنوب العالمي الذي يعاني صدمةَ الأسعار على جانب الطلب.

إنتاج الغاز والنفط

بلغ إجمالي إنتاج روسيا من الغاز خلال شهري يناير/كانون الثاني وفبراير/شباط 2026 نحو 129.2 مليار متر مكعب، بزيادة قدرها 9.2% على أساس سنوي، مدفوعة بشكل أساسي بموسم خريف وشتاء بارد بشكل غير معتاد.

وارتفع إنتاج الغاز المسال بنسبة 7.3% ليصل إلى 6.2 مليون طن خلال المدة نفسها.

وتتوقع وزارة التنمية الاقتصادية أن يبلغ إجمالي إنتاج الغاز السنوي 690.4 مليار متر مكعب، كما تتوقع وكالة الطاقة الدولية 687 مليار متر مكعب، أي بزيادة سنوية قدرها 3.6%.

أما إنتاج النفط، فيُظهر وضعًا أكثر اعتدالًا؛ فقد بلغ إجمالي الإنتاج في عام 2025 نحو 512 مليون طن، بانخفاض يتراوح بين 0.8% و0.9% عن 516 مليون طن في عام 2024؛ ما يعكس التزامات تحالف أوبك+ والتأثير السلبي للعقوبات في تكنولوجيا صيانة الحقول.

في المقابل، ارتفعت صادرات الفحم بنسبة 7% لتصل إلى 211 مليون طن في عام 2025، مسجلةً بذلك تحولًا قياسيًا نحو الأسواق الآسيوية التي استوعبت الإمدادات التي حُوِّلَت من أوروبا بعد الحظر المفروض في عام 2022.

ويتأثر مستقبل إنتاج الغاز على المدى الطويل بقوتين متنافستين؛ فمن جهة، يُشكل الطلب الآسيوي على الغاز المسال، ولا سيما من الأسواق التي تأثرت باضطرابات مضيق هرمز، حافزًا لزيادة استعمال خطوط الأنابيب الروسية وطاقة الغاز المسال.

ومن جهة أخرى، قيّدت العقوبات الغربية بشكل كبير وصول روسيا إلى تكنولوجيا الغاز المسال، ومعدات الحفر المتخصصة، وتمويل مشروعات إنشاء قدرة تسييل جديدة.

وقد تعرّض مجمع نوفاتك أوست-لوغا، أحد أهم مراكز طموح روسيا في مجال الغاز المسال، لهجوم بطائرات مسيرة أوكرانية؛ ما أدى إلى ثغرة أمنية مادية تُفاقم القيود التكنولوجية الناجمة عن العقوبات.

حملة الطائرات المسيّرة - مخاطر البنية التحتية التي لا يستطيع السوق تقييمها

تصاعدت حدة هجمات الطائرات المسيّرة الأوكرانية بشكل حاد من حيث المدى والدقة منذ أواخر عام 2025، مستهدفةً نقاط الربط بين الإنتاج الروسي وإيرادات التصدير.

في مارس/آذار 2026 وحده، نفّذت أوكرانيا 10 هجمات كبيرة على البنية التحتية للطاقة الروسية.

وتشمل قائمة الهجمات المؤكّدة: محطة نوفاتك لمكثفات الغاز في أوست-لوغا (بحر البلطيق، بقدرة تصديرية تبلغ نحو 700 ألف برميل يوميًا)، ومصفاة سورغوت نفط غاز كينيف في كيريشي (350 ألف برميل يوميًا، أي ما يعادل 7% تقريبًا من إجمالي التكرير الروسي).

تضاف إلى ذلك، مصفاة ساراتوف (التابعة لشركة روسنفط Rosneft)، وميناء بريمورسك لتحميل النفط الخام (بقدرة تبلغ نحو مليون برميل يوميًا).

ويتعامل ميناءا أوست-لوغا وبريمورسك معًا مع ما يقرب من 60% من تدفق النفط البحري الروسي.

وصرّح الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، بأنه بعد الهجوم الذي وقع في 25 مارس/آذار المنصرم على منشأة أوست-لوغا، لم يتبقَّ سوى 40% من قدراتها التشغيلية.

وذكرت وكالة رويترز أن الهجمات المشتركة أدّت إلى تعطيل ما يُقدَّر بنحو 40% من إجمالي قدرة تصدير النفط الروسية -أي مليوني برميل يوميًا- وهو أشد عطل من نوعه في تاريخ الصادرات الروسية الحديث.

ونفّذت أوكرانيا 10 هجمات كبيرة هذا الشهر على البنية التحتية للطاقة الروسية.

وتتولّى منصتا أوست-لوغا وبريمورسك معًا نقل نحو 60% من تدفق النفط البحري الروسي. وقد تعطل ما يقدر بنحو 40% من قدرة تصدير النفط الروسية.

ويعكس الأداء الضعيف لمؤشر "آي إم أوه إي إكس" (IMOEX) القياسي في ظل ارتفاع أسعار الطاقة العالمية، انخفاضًا بديهيًا في قيمة المخاطر بالسوق؛ فمن المفترض، في حال عدم حدوث أضرار، أن يؤدي ارتفاع سعر خام برنت إلى ارتفاع تقييمات أسهم شركات النفط الروسية.

إلا أن عدم حدوث ذلك -أي انخفاض المؤشر حتى مع ارتفاع الأسعار العالمية- يعكس علاوة مخاطر على البنية التحتية المادية لا يمكن تحديدها بدقة، ولكنها حقيقية ومتراكمة.

وقد توصّلت الأصوات الاستثمارية الروسية المحافظة إلى الاستنتاج المناسب: أن صناديق الاستثمار الأجنبية وأدوات سوق المال، بالإضافة إلى الأسهم التي تدفع أرباحًا خارج نطاق التهديد المباشر، هي الوضع العقلاني في ظل تصاعد حملة الطائرات المسيرة.

انهيار سقف الأسعار وإعادة تنظيم الطلب

التحييد الفعلي لسقف الأسعار

أدى انهيار سقف أسعار النفط الروسي، الذي حدّدته مجموعة الـ7، 60 دولارًا للبرميل في ديسمبر/كانون الأول 2022، ثم خُفِّض لاحقًا إلى 44.10 دولارًا بموجب آلية ديناميكية جديدة للاتحاد الأوروبي في يناير/كانون الثاني 2026، إلى تحييده فعليًا بسبب أزمة مضيق هرمز.

وقد سمحت واشنطن ببيع النفط الروسي ومشتقاته المحملة على السفن قبل 12 مارس/آذار 2026، بموجب ترخيص ساري المفعول حتى 11 أبريل/نيسان الجاري، وهو استثناء أرسى سابقةً لإخضاع إنفاذ العقوبات لمتطلبات إدارة العرض العالمي.

ويُحوّل إعلان نائب وزير الخارجية الروسي أندريه رودينكو، العلني بأن روسيا لن تُزوِّد النفط للدول الداعمة لسقف الأسعار -مُغلقًا الباب صراحةً أمام اليابان- مسألة الوصول إلى الطاقة إلى آلية فرز سياسي ثنائية بدلًا من كونها معاملة سوقية.

قائمة انتظار الطلب الآسيوي

شهدت المنافسة العالمية على النفط الروسي انقلابًا جذريًا.

ويُباع خام الأورال، الذي كان يُتداول بخصم يتراوح بين 20 و35 دولارًا للبرميل عن خام برنت في ذروة ضغوط العقوبات الغربية خلال عامي 2022 و2023، الآن بعلاوة تتراوح بين 4 و5 دولارات فوق سعر برنت عند تسليمه إلى المواني الهندية، وذلك للمرة الأولى في التاريخ.

وقد تعاقدت مصافي التكرير الهندية على شراء ما يقارب 60 مليون برميل من النفط الروسي للتسليم في أبريل/نيسان المقبل بعلاوات تتراوح بين 5 و15 دولارًا فوق سعر خام برنت، أي ما يقارب ضعف كميات فبراير/شباط المنصرم، وفقًا لوكالة بلومبرغ.

وقدّمت بنغلاديش طلبًا رسميًا للحصول على إذن باستيراد النفط الروسي.

ودخلت كوريا الجنوبية في مفاوضات جادة. وأبدت تايلاند استعدادها للشراء بعد تخفيف العقوبات الأميركية. ويُشكّل هذا الكمّ الهائل من الطلبات مجتمعةً تهديدًا هيكليًا للتماسك السياسي لسقف الأسعار.

مضخات النفط خارج مدينة كوغاليم في روسيا
مضخات النفط خارج مدينة كوغاليم في روسيا – الصورة من رويترز

الاعتماد على مؤشرات أرغوس ميديا - نقطة ضعف روسيا غير المستغلة

من بين أبرز جوانب وضع الطاقة الروسي، التي تكشف عن الكثير من خلال التحليل، استمرار اعتمادها الهيكلي على شركة أرغوس ميديا (Argus Media) ​​المسجلة في المملكة المتحدة فيما يتعلق بمؤشرات الأسعار المستخدمة لحساب ضرائب استخراج المعادن، وآلية كبح أسعار الوقود، ورسوم التصدير.

وقدّمت وزارة المالية الروسية تشريعًا إلى مجلس الدوما لتمديد هذا الترتيب حتى 1 سبتمبر/أيلول 2028، ما يُنشئ استثناءً تشريعيًا رسميًا يُعفي شركة أرغوس من الحظر المفروض على شركات أبحاث سوق السلع الأجنبية بدءًا من 1 مارس/آذار 2026.

ويستند هذا الأساس المنطقي إلى قصور محلي مُعترف به؛ فالوكالة الوطنية لتسعير البورصة "إن بي إيه" (NBA) التابعة لبورصة سانت بطرسبرغ، التي تأسست في يناير/كانون الثاني 2025، تفتقر إلى السيولة اللازمة للعمل بوصفها معيارًا موثوقًا به لأسعار خام الأورال.

أما مركز مؤشر الأسعار "بي آي سي" (PIC)، الذي يعمل منذ عام 2023، فقد روجع من قِبل الهيئات الفيدرالية ولكنه لم يُعتمد.

ولا تستطيع روسيا تسعير سلعتها التصديرية الرئيسة لأغراض ضريبية دون وجود وكالة مسجلة في لندن تعمل بموجب القانون البريطاني، ومددت موسكو احتكار شركة أرغوس التشريعي حتى عام 2028.

ويمثل هذا الاعتماد أداة ضغط غير متكافئة لم تستغلها الحكومات الغربية استغلالًا كاملًا.

وتحتفظ حكومة المملكة المتحدة، نظريًا، بالقدرة على تقييد عمليات شركة أرغوس في روسيا أو وضع شروط عليها، إما عن طريق إلغاء التراخيص، وإما فرض متطلبات إبلاغ على بيانات المؤشر المتعلقة بروسيا، وإما استعمال اتفاقية أرغوس شرطًا في مفاوضات العقوبات الأوسع.

ويُتيح الموعد النهائي لعام 2028 نافذة محدودة للضغط.

بعد ذلك، إذا نجحت روسيا في تطوير مؤشر مرجعي للأورال-دبي مُرتبط بأنظمة التسعير الآسيوية، فإن أداة الضغط هذه ستختفي نهائيًا.

الطاقة أداة جيوسياسية- سابقة كوبا

في 30 مارس/آذار 2026، وصلت ناقلة النفط "أناتولي كولودكين"، التي تبلغ حمولتها 118,316 طنًا ساكنًا، والمُعاقبة من قِبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة، إلى ميناء ماتانزاس الكوبي حاملةً ما يقارب 730 ألف برميل من خام الأورال.

وكانت السفينة قد غادرت ميناء بريمورسك في 8 مارس/آذار المنصرم، وعبرت القناة الإنجليزية برفقة سفينة تابعة للبحرية الروسية، ثم عبرت المحيط الأطلسي دون أن يظهر جهاز الإرسال والاستقبال الخاص بنظام التعرف الآلي (AIS) لديها.

وعادت للظهور قبالة الساحل الشمالي لكوبا، حيث أُعلن ميناء ماتانزاس وجهةً لها.

وعندما سُئل الرئيس الأميركي ترمب عن عملية التسليم في 29 مارس/آذار المنصرم، صرّح بأنه إذا أرادت أي دولة إرسال بعض النفط إلى كوبا الآن، فلا مانع من ذلك، سواء كانت روسيا أو أي دولة أخرى.

وقد سمح خفر السواحل الأميركي للسفينة المُعاقبة بالإبحار دون عوائق. وأكد المتحدث باسم الكرملين، بيسكوف، أن روسيا أثارت هذه المسألة مع الولايات المتحدة مسبقًا.

ويكتسب وضع الطاقة في كوبا غطاءً إنسانيًا؛ إذ يعتمد توليد الكهرباء بنسبة 95% على النفط ومحطات توليد الكهرباء التي تعمل بزيت الوقود.

وقد أدى الحصار الذي تقوده الولايات المتحدة إلى قطع الإمدادات الفنزويلية الميسرة (بعد اعتقال الرئيس مادورو) وأجبر المكسيك على وقف الصادرات تحت وطأة التهديد بفرض رسوم جمركية.

وكانت الجزيرة تعاني انقطاع إمدادات الطاقة الخارجية لمدة 3 أشهر عند وصول سفينة كولودكين.

وتوفر شحنة روسيا البالغة 730 ألف برميل أيامًا من الراحة الجزئية، لكن قيمتها الإستراتيجية تتجاوز بكثير محتواها من الطاقة.

وهي تُظهر قدرة روسيا على إيصال الطاقة إلى دولة خاضعة للحصار الأميركي في نصف الكرة الغربي بموافقة ضمنية من الولايات المتحدة، باستعمال سفينة خاضعة للعقوبات، دون أن يؤدي ذلك إلى فرض عقوبات.

إن سابقة هذا الأمر واضحة لا لبس فيها بالنسبة لدول الجنوب العالمي؛ فالقدرة الروسية على الإيصال تتجاوز نطاق العقوبات الغربية في غياب الإرادة السياسية لفرضها.

الأبعاد الجيوسياسية

البُعد الأول: استعادة روسيا لحدود مرونتها المالية

إنّ ارتفاع أسعار النفط، ونمو إنتاج الغاز، وتنويع صادرات الفحم، والتخفيف الفعلي لنظام سقف الأسعار، قد أسهم بشكلٍ كبير في توسيع نطاق قدرة روسيا المالية.

ولا يُمثّل مبلغ الـ20 مليار دولار من إيرادات التصدير الإضافية، الذي توقّعه بنك سبيربنك، مجرّد فائض في الموازنة، وإنما قدرة الكرملين على دعم الحملة العسكرية في أوكرانيا، وتمويل برامج الاستقرار الاجتماعي المحلية، وتحمّل تكاليف إصلاح البنية التحتية المتضررة من هجمات الطائرات المسيّرة، دون أزمة مالية.

ويتعيّن على صانعي السياسات الغربيين، الذين بنوا إستراتيجيتهم لدعم أوكرانيا على افتراض أنّ الضغط الاقتصادي الناتج عن العقوبات سيُجبر روسيا في نهاية المطاف على مراجعة سياستها، أن يتعاملوا الآن مع احتمال عدم تحقّق هذا الضغط في إطار زمني ذي أهمية إستراتيجية.

ولم تحلّ هذه المكاسب الاستثنائية مشكلات روسيا الهيكلية طويلة الأمد -انخفاض إنتاجية الحقول، والعقوبات التكنولوجية، والقيود الديموغرافية على القوى العاملة- لكنّها منحت روسيا مزيدًا من الوقت، وفي حرب الاستنزاف، يُعَد الوقت هو العامل الحاسم.

البُعد الثاني: سقف أسعار مجموعة الـ7 انتهى فعليًا

من العوامل التي أدّت إلى تحويل سقف أسعار مجموعة الـ7 من آلية إنفاذ فعّالة إلى مجرد هيكل نظري: استثناءات العقوبات الأميركية في مارس/آذار 2026 للنفط الروسي المحمّل قبل 12 مارس، وتزايد قائمة المشترين الآسيويين الذين يتفاوضون على شروط خارج نطاق السقف.

يُضاف إلى ذلك استعداد إدارة ترمب الواضح للموافقة على تسليم سفن خاضعة للعقوبات إلى الدول المحظورة، واستعمال روسيا الصريح لمسألة الوصول إلى الإمدادات بوصفه عامل ضغط ثنائيًا.

ولم يُلغَ السقف رسميًا، فاستمرار وجوده الاسمي يحافظ على الصورة السياسية للوحدة الغربية ويوفر أساسًا قانونيًا لإنفاذه بشكل انتقائي، لكنه فشل بوصفه أداة لحجب الإيرادات.

والسؤال المطروح أمام العواصم الأوروبية وعواصم مجموعة الـ7 ليس طريقة إصلاح سقف الأسعار، بل طريقة إدارة التداعيات السياسية والإستراتيجية لانهياره الفعلي دون التسبب في اعتراف علني بتحييد أداة الإكراه الاقتصادي الغربية الرئيسة.

البُعد الثالث: روسيا تُحوّل تبعية الطلب إلى آلية فرز سياسي

يُعد تصريح نائب وزير الخارجية الروسي أندريه رودينكو، الصريح بأن روسيا لن تُزوّد ​​الدول الملتزمة بسقف الأسعار بالنفط أهم عنصر في دبلوماسية الطاقة الروسية الحالية.

وهذا ليس قرارًا سوقيًا بحتًا، بل هو إعادة هيكلة مُتعمّدة لعلاقة إمدادات الطاقة العالمية بوصفها أداة فرز سياسي. تُستبعد الدول التي تُساير بنية العقوبات الغربية (اليابان، أعضاء الاتحاد الأوروبي) من الوصول إلى الإمدادات الروسية.

أما الدول الراغبة في التعامل خارج هذه البنية (الهند، بنغلاديش، تايلاند، وكوريا الجنوبية قيد التفاوض)؛ فتُمنح حق الوصول بشروط تجارية مُواتية.

والنتيجة هي خلق تقسيم فعلي للعالم قائم على الطاقة إلى سلاسل إمداد مُسايرة وغير مُسايرة، وهو انقسام يُحاكي المنطق الهيكلي الأوسع للحرب الباردة الثانية ويُسرّع من تفتيت نظام إدارة الطاقة متعدد الأطراف.

بالنسبة لدول الجنوب العالمي، الرسالة واضحة: الانحياز إلى العقوبات الغربية على روسيا له تكلفة طاقة مباشرة، أما عدم الانحياز فله فائدة في مجال الطاقة.

وبسعر 112 دولارًا للبرميل، فإن هذه الحسابات ليست مجردة.

البُعد الرابع: حملة أوكرانيا على البنية التحتية هي المتغير الأكثر استهانةً به

تُقلل أسواق السلع من قيمة حملة الطائرات المسيّرة ضد البنية التحتية للطاقة الروسية بشكل منهجي، ولا تحظى بالتغطية الكافية في التقييمات الإستراتيجية الغربية.

إن منطقها سليم وتنفيذها في تحسن مستمر: فمن خلال استهداف نقاط الربط بين الإنتاج الروسي وإيرادات التصدير -المصافي، ومجمعات الغاز المسال، ومحطات الشحن- تحاول أوكرانيا قطع الحبل السري المالي الذي يدعم القدرة الحربية لروسيا.

ويُعد غموض تقييم الأضرار سمة من سمات تصميم الحملة، وليس قيدًا عليها: فهو يخلق حالة من الغموض تُضعف ثقة المستثمرين بأسهم الطاقة الروسية حتى في أوقات ارتفاع الأسعار العالمية؛ ما يُقيد وصول روسيا إلى أسواق رأس المال المحلية.

إن اختلاف مؤشر "آي إم أوه إي إكس" IMOEX عن مؤشر برنت ليس شذوذًا في السوق، بل هو تسعير السوق الصحيح لعلاوة مخاطر البنية التحتية التي لا يمكن تحديدها كميًا بدقة.

وفي حال استمرت الحملة في التصاعد من حيث النطاق والدقة، فستُجبر في النهاية موسكو على الاختيار بين استدامة إيرادات التصدير واستمرار الوتيرة العسكرية، وهو خيار لم تواجهه موسكو بعد.

الطلب على النفط والغاز الروسيين

البُعد الخامس: فجوة السيادة التسعيرية الروسية: أداة ضغط غربية غير مُستغلة

يمثل تمديد خدمات شركة "أرغوس" حتى سبتمبر/أيلول 2028 ثغرة هيكلية في النظام المالي الروسي لم تستغلها الحكومات الغربية استغلالًا كاملًا.

ولا تستطيع موسكو تسعير سلعتها التصديرية الرئيسة لأغراض الضرائب والإيرادات دون اللجوء إلى وكالة مسجّلة في لندن تعمل بموجب القانون البريطاني والسلطة التنظيمية البريطانية.

وتحتفظ الحكومة البريطانية، نظريًا، بالقدرة على تقييد أو وضع شروط على عمليات شركة "أرغوس" في روسيا، إما عن طريق إلغاء تراخيص تشغيلها، وإما فرض متطلبات إبلاغ على بيانات المؤشرات المتعلقة بروسيا، أو استعمال تبعية "أرغوس" بوصفها أداة ضغط في مفاوضات العقوبات الأوسع.

إن عدم استعمال هذه الأداة يعكس إما قصورًا في التحليل المُعمق لهذه التبعية، وإما اختيارًا مُتعمدًا للحفاظ على اتفاقية "أرغوس" بوصفها شكلًا من أشكال الوصول إلى المعلومات في أسواق الطاقة الروسية.

في كلتا الحالتين، يُتيح الموعد النهائي لعام 2028 نافذة زمنية محدودة يُمكن خلالها الاستفادة من هذه الأداة غير المتكافئة.

بعد عام 2028، إذا نجحت روسيا في تطوير بنيتها التحتية المحلية المرجعية الموثوقة الخاصة بها -التي من المرجح أن تكون مرتبطة بفارق سعر خام الأورال وخام دبي بدلًا من فارق سعر خام الأورال وخام برنت- فإن النفوذ يختفي.

البُعد السادس: تزايد المخاطر الإستراتيجية الأوروبية بوتيرة غير مُقدَّرة حق قدرها

كانت لعزلة أوروبا الاختيارية عن إمدادات الطاقة الروسية آثار هيكلية بالغة الأهمية، بدأت تتضح معالمها الآن.

وقد أدى انقطاع التدفقات عبر مضيق هرمز إلى تضييق أسواق الغاز المسال العالمية، تحديدًا في الوقت الذي كانت أوروبا تعوّل فيه على واردات الغاز المسال بوصفها بديلًا عن الغاز الروسي المنقول عبر الأنابيب.

وارتفعت أسعار الغاز المسال الفورية في أوروبا ارتفاعًا حادًا؛ كما أن مشكلات تلوث البنزين التي رُصِدت مؤخرًا بإمدادات الغاز المحلية في المملكة المتحدة وهولندا وإيطاليا -التي بلغت في بعض الحالات 72 ضعفًا عن تلك الموجودة في إمدادات أميركا الشمالية- تُضيف بُعدًا جديدًا لجودة الإمدادات إلى تحدي توافرها.

إن استعارة "منبه الغفوة" من جانب الرئيس التنفيذي لصندوق الاستثمار المباشر الروسي كيريل ديميترييف، وإن كانت تُستعمل بأسلوب جدلي؛ فإنها تُجسد ديناميكية حقيقية.

وتُعد سياسة الطاقة الأوروبية عالقة بين المنطق الجيوسياسي لاستمرار الانفصال عن روسيا، والمنطق التجاري الصناعي لتوفير الطاقة بأسعار مناسبة، وهو أمر بات غير مستدام على نحو متزايد بالأسعار الحالية.

إن إشارة روسيا المتعمدة بأنها لا تزال موردًا أوروبيًا راغبًا ومستعدًا -من خلال تصريحات بيسكوف، ومفاوضات عقد الغاز مع صربيا، والعرض الضمني الكامن في الموقف العلني للكرملين- تهدف إلى تعظيم التكلفة السياسية للمسار الذي اختارته أوروبا.

وكلما طال أمد اضطراب مضيق هرمز، وارتفعت أسعار الغاز المسال العالمية؛ ازداد هذا التوتر حدةً بالنسبة للتنافسية الصناعية الأوروبية والاستقرار السياسي.

البُعد السابع: نظام إدارة الطاقة العالمي يتصدّع، وروسيا في وضعٍ يمكّنها من استغلال هذه التصدّعات

يُشكِّل تضافر عدة عوامل؛ منها اضطراب مضيق هرمز، والانهيار الفعلي لسقف الأسعار، والانتقال من مؤشر أرغوس إلى المؤشر المحلي، وانفصال خامي الأورال ودبي عن خام برنت، وظهور نظام إمداد مزدوج المسار يفصل بين المشترين الملتزمين بسقف الأسعار وغير الملتزمين به.

يُضاف إلى ذلك سهولة اختراق الحظر المفروض على كوبا، التي تمثل تصدّعًا في بنية إدارة الطاقة العالمية لما بعد الحرب الباردة.

ولم تكُن روسيا وراء هذا التصدّع، لكنها تعمل عمدًا على تسريعه وتهيئة نفسها للاستفادة من التفتت الناتج عنه.

وإن عالمًا لا تُنظَّم فيه أسعار الطاقة حول معيار برنت واحد، وتُطبَّق فيه العقوبات بشكل انتقائي ومشروط سياسيًا، ويتعايش فيه سقف أسعار مجموعة الـ7 مع نظام إمداد موازٍ غير منحاز، وتعمل فيه تكتلات إدارة الطاقة الإقليمية وفق قواعد مختلفة، هو عالمٌ أكثر ملاءمةً لروسيا.

المؤشرات الرئيسة لإيرادات النفط والغاز الروسية

وهذا من الناحية الهيكلية للنظام المتكامل الذي تُديره الدول الغربية وتسعى روسيا جاهدةً للتحرر منه منذ عام 2022.

ولا تقتصر إستراتيجية الكرملين طويلة الأجل في مجال الطاقة على تعظيم الإيرادات في هذه المدة المواتية، بل تتعداها إلى استغلال هذه المدة لترسيخ الأسس المؤسسية والتجارية لنظام طاقة موازٍ تُصبح فيه الأسعار الروسية وشروط الإمداد الروسية والشروط الجيوسياسية الروسية أمورًا طبيعية لا استثنائية.

وحسبما تُشير الرئيسة التنفيذية لمركز مؤشرات الأسعار ناتاليا بوروخوفا، قد تُمثِّل صدمات النفط في عام 2026 نقطة تحوّل تُسرِّع هذا التحوّل إلى ما يفوق قدرة المؤسسات الغربية على عكسه.

فيلينا تشاكاروفا، متخصصة في الشؤون السياسية بالدول المنتجة للطاقة.

*هذا المقال يمثّل رأي الكاتبة، ولا يعبّر بالضرورة عن رأي منصة الطاقة.

موضوعات متعلقة..

اقرأ أيضًا..

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق