التقاريرتقارير الغازتقارير الكهرباءرئيسيةروسيا وأوكرانياسلايدر الرئيسيةغازكهرباء

لضمان استقلال أمن الطاقة الأوروبي.. هل يكفي تقييد الأسواق و"تأميم" الشركات؟

وتوقعات بعدم توازن الأسواق قبل عام 2024

هبة مصطفى

اقرأ في هذا المقال

  • استعادة سيطرة الحكومات الأوروبية على الشركات يسهم في تخطّيها أزمة الطاقة
  • فتح الأسواق الأوروبية والمنافسة لخفض أسعار الطاقة طوال 30 عامًا أثبت فشله
  • أسعار الغاز زادت 8 أضعاف مستوياتها المعتادة منذ حرب أوكرانيا
  • بعض الحكومات الأوروبية تتجه إلى تأميم شركات الطاقة لتقييد الأسواق والأسعار
  • خفض الضرائب ودعم فواتير المستهلكين كانا ضمن الأدوات الأوروبية لتحجيم الأزمة
  • الأسواق تواصل حالة الاضطراب حتى عام 2024، قبل أن تستعيد توازنها
  • المفوضية الأوروبية: لدينا أدوات عدّة لضمان أمن الطاقة.. وتنويع الواردات أبرزها

قبل نحو 30 عامًا، ارتكبت القارّة العجوز خطأً فادحًا كلّفها الوقوع تحت تأثير تهديد أمن الطاقة الأوروبي كافة، بعدما قرر الاتحاد الأوروبي عام 1996 إنهاء الاحتكار والهيمنة وفتح السوق أمام المنافسة التدريجية، بحسب رؤية طرحها مقال نشرته وكالة بلومبرغ.

وعقب الغزو الروسي لأوكرانيا، في 24 فبراير/شباط الماضي، استفاقت الدول الأوروبية على عجز واضح بإمدادات الطاقة كشف حجم التحول من فتح للأسواق وتعزيز للمنافسة بما يقدّم للمستهلك أقلّ الأسعار إلى "اعتمادية" مفرطة على الغاز الروسي والواردات.

وعلى مدار السنوات الماضية، حُصرت مصادر ضمان أمن الطاقة الأوروبي في مسارين: زيادة واردات الطاقة، لا سيما الغاز الروسي، بجانب مشروعات متناثرة لتوليد الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة، لكنها بالطبع غير كافية لتلبية الطلب على الكهرباء، وفق ما رصدته منصة الطاقة المتخصصة.

وتحاول بعض الحكومات استعادة أمن الطاقة الأوروبي عبر إجراءات يُنظر إليها على أنها محاولة "تصحيح" لأخطاء الاعتماد المفرط على واردات الطاقة الروسية، وهي إجراءات تتضح بالآونة الأخيرة في بدء إجراءات لتقييد الأسواق والسيطرة على شركات كبرى عبر التدخل بإجراءاتها.

تداعيات فتح الأسواق

اتجه الاتحاد الأوروبي -قبل 30 عامًا- إلى فتح الأسواق بغرض إنهاء عمليات الاحتكار وإتاحة الفرصة أمام المستهلك لخيارات عدّة، تضمن انخفاض التكلفة والتصدي لفقر الطاقة.

أمن الطاقة الأوروبي
خط أنابيب الإمدادات الروسية لأوروبا - الصورة من (The Africa Report)

وجاء واقع تهديد أمن الطاقة الأوروبي خلال مرحلة ما بعد حرب أوكرانيا والعقوبات المفروضة على موسكو كاشفة لمدى خطأ تلك الخطوة، إذ قفزت فواتير الطاقة، وتكافح المرافق لاستمرار العمل.

وأدركت الحكومات أن الإبقاء على أمن الطاقة الأوروبي رهين تقلبات الأسواق، لا يمكنه الاستمرار أبعد من ذلك، وبدأت إجراءات تتعلق بشركات عدّة وُصفت بأنها تدخل في شؤونها الخاصة، وبدأت تثير بلبلة سياسية لا تصبّ في مصلحة ضمان توافر الإمدادات.

وفي ظل استخدام روسيا إمداداتها للطاقة سلاحًا للضغط وتقليص العقوبات الأوروبية المفروضة عليها، واصلت أسعار الغاز ارتفاعها لمستويات تقارب 8 أضعاف مستوياتها المعتادة وفق المقياس الأوروبي المعتمد على الأسعار الهولندية.

وانعكست تلك الزيادات على ارتفاع تكلفة فواتير المستهلك، بجانب تعطّل الصناعات المستهلكة للطاقة بكثافة، ومن ضمنها صناعة الصلب والمعادن وعمليات الصهر، وكذلك صناعة الأسمنت والكيماويات.

إنقاذ للشركات.. أم تأميم وتدخُّل؟

تركز الحكومات في تلك الآونة على ضمان أمن الطاقة الأوروبي قبيل فصل الشتاء، وتعزيز مستويات تخزين الغاز تجنبًا لانقطاع التيار الكهربائي، بعدما قلّصت شركة غازبروم الروسية (مورّد الغاز الرئيس لأوروبا) إمداداتها عبر خطوط الأنابيب.

وفي طريقها لتحقيق ذلك، أخذت الحكومات على عاتقها تقديم الدعم للشركات الرئيسة بها التي تأثرت بتداعيات حرب أوكرانيا ونقص إمدادات الغاز الروسي، لكنها فتحت باب التساؤلات حول إذا ما كان الدعم مخصصًا فقط لإنقاذ الشركات، أم محاولة للسيطرة عليها و"تأميمها".

ويضرب اتجاه الحكومات لدعم الشركات عصفورين بحجر واحد، إذ يسمح ذلك بإخضاع الشركات تحت سيطرتها، وإعادة فرض قيود على الأسواق بالوقت ذاته، عبر التحكم في الشركات وحجم المنافسة.

ومثال على ذلك، تعكف ألمانيا على تقديم الدعم لإنقاذ شركة يونيبر للطاقة، في حين تدرس فرنسا "تأميم" شركة الكهرباء الفرنسية، بينما خضع مزوّد الطاقة "بالب إنرجي" لسيطرة الحكومة البريطانية، وفق ما رصدته منصة الطاقة المتخصصة.

ويأتي ذلك بالوقت الذي تشير التوقعات به لارتفاع أسعار إمدادات الكهرباء في ألمانيا العام المقبل (2023) لمستويات تتجاوز 6 أضعاف متوسط مستوياتها في غضون الـ5 سنوات الماضية.

الغاز الروسي

دعم حكومي غير كافٍ

تباينت إجراءات الدول فيما بينها للتعامل مع شركاتها خلال خطوات ضمان أمن الطاقة الأوروبي، وبدأت دول عدّة دعم فواتير الكهرباء الباهظة، كالتالي:

ألمانيا

قررت ألمانيا تقديم دعم -لمرة واحدة فقط- لأُسرها ومستهلكيها ممن تعرّضوا لفواتير مرتفعة الشهر الجاري.

واستبقت برلين دعمها المالي بخطوة تشريعية اتخذتها قبل شهرين (في مايو/حزيران الماضي)، بطرح تعديلات على قانون يتيح لها الاستيلاء على البنية التحتية خلال أوقات الأزمات.

وأحكمت جهات ألمانية سيطرتها على شركة تابعة لغازبروم الروسية "غازبروم جيرمانيا" التي يمكنها توفير سعة تخزين غاز تصل إلى 20% من قدرات البلاد، والمورد وينغاز.

وتُخطط برلين لإنعاش شركة يونيبر للطاقة وزيادة استثماراتها، بعد انخفاض حصتها من الغاز الروسي إلى 40%، ما يكبّدها خسائر تصل إلى 30 مليون دولار يوميًا.

فرنسا

تدرس فرنسا مضاعفة مخصصات الخفض الضريبي التي كانت قد أقرّتها بوقت سابق لحماية المستهلك والشركات، المقدّرة حينها بنحو 25 مليار يورو.

(1 يورو = 1.05 دولارًا أميركيًا)

وزادت مشكلات باريس في ظل جدل مفتوح حول مفاعلات الطاقة النووية التي يمكنها أيضًا الإسهام بتوفير إمدادات كهرباء، بجانب اعتمادها المفرط على شركة الكهرباء الفرنسية "إليكتريستي دو فرانس" التي تملك 84% بها.

وأدى اضطراب أمن الطاقة الأوروبي مؤخرًا إلى دخول فرنسا في صراع ما بين تهالك أداء الطاقة النووية ومفاعلاتها، وبين الاعتماد على إنتاج شركة الكهرباء، ما حوّلها من مُصدّر للكهرباء المولّدة عبر الطاقة النووية إلى مستورد.

ورغم الدعم الحكومي الفرنسي لشركة الكهرباء "إي دي إف"، الذي بلغ 2.7 مليار يورو في أبريل/نيسان الماضي، فإن أساسها المالي آخذ بالتدهور، ما قد يضطر الحكومة إلى تأميمها بالكامل بوقف قريب.

إيطاليا والتشيك

تعتزم إيطاليا تخصيص حجم إنفاق لدعم فواتير استهلاك الكهرباء بقيمة تُقدَّر بنحو 40 مليار يورو.

وتواصل مجموعة "إس إي زد" في التشيك -التي تضم 96 شركة- بحث إجراءات التغلب على نقص الإمدادات الذي يهدد أمن الطاقة الأوروبي بالكامل.

المملكة المتحدة

تسعى المملكة المتحدة لخفض تأثّر المستهلكين بنقص الإمدادات، وحددت حجم إنفاق لذلك يصل إلى 37 مليار جنيه إسترليني، لا سيما أن عملية "تأميم" شركة بالب وحدها ستكلف 2.2 مليار جنيه إسترليني.

(الجنيه الإسترليني = 1.21 دولارًا أميركيًا)

واردات الغاز المسال

الضرائب وسقف الأسعار

اتخذت حكومات إجراءات أخرى بجانب الدعم المالي للشركات وفواتير المستهلكين، خلال رحلتها لضمان أمن الطاقة الأوروبي، إذ تدرس فرض ضرائب على أرباح شركات الطاقة.

بينما حددت إسبانيا والبرتغال سقف أسعار إمدادات الغاز المستخدمة في توليد الكهرباء، وتسعى بريطانيا لفكّ الارتباط ما بين أسواق الكهرباء وتكلفة الغاز.

وبدورها، وصفت رئيسة شركة غاز فيستا للاستشارات، ليزلي بالتي غوزمان، الدعم الحكومي المقدّم للشركات تحت إطار ضمان أمن الطاقة الأوروبي بأنه -فقط- عودة تدريجية لتدخّل تلك الحكومات بالأسواق.

بينما ذهب المحلل بوكالة الطاقة الدولية، غيرغيلي مولنار، إلى أن الأسواق لن تستعيد توازنها حتى عام 2024، متوقعًا استمرار الاضطرابات المالية العامين المقبليين.

وعدّت المستشارة بشركة سينتريكا البريطانية وشركة "إي دي إف تريدنغ" التابعة لشركة الكهرباء الفرنسية، كاثرين بورتر، أن اضطرار حكومات عدّة لدعم شركات الطاقة يكشف فشلها في تقدير مردود صدمة الأسعار عليها، مشيرةً إلى أن تلك الخطوة تزيد من التكلفة على المستهلك.

وأوضح الباحث بمعهد أكسفورد لدراسات الطاقة، جوناثان ستيرن، أن الحكومات لا تعني بتلك الخطوة "تأميم" الشركات بالمعنى المتداول، لكنها خطوة للاستحواذ على حصص كبرى ببعض الشركات، في ظل ارتفاع متوقع للأسعار خلال العامين المقبلين.

إجراءات المفوضية الأوروبية

بالتوازي مع إجراءات الحكومات لضمان أمن الطاقة الأوروبي عبر استعادة السيطرة على الأسواق والشركات، اتخذت المفوضية الأوروبية إجراءات أخرى.

أمن الطاقة الأوروبي
رئيسة المفوضية الأوروبية والرئيس الأميركي

وأقرّت المفوضية -الذراع التنفيذي للاتحاد الأوروبي- بحجم الضغوط الملقاة على حكومات القارّة العجوز في أعقاب غزو أوكرانيا، لا سيما في ظل مواصلة موسكو قطع إمدادات الغاز عن الدول تدريجيًا.

وأضافت المفوضية -في بيان مشترك لرئيستها فون دير لاين، والرئيس الأميركي جو بايدن، صدر في 27 يونيو/حزيران الماضي- أن ضغوط أسواق الطاقة لا تهدد أمن الطاقة الأوروبي فقط، بل يمتد تأثيرها إلى أمن الطاقة العالمي.

وشدد البيان المشترك على أن المفوضية تتعاون مع أميركا لإنهاء الاعتماد على واردات الطاقة الروسية، والتركيز على تحجيم صادرات موسكو لخفض عائدات الطاقة، وفق الموقع الإلكتروني لها.

وذكر البيان أنه تمّ تشكيل لجنة في 25 مارس/آذار تهتم بضمان أمن الطاقة الأوروبي، أسهمت بخفض الطلب على الغاز، وتأخذ على عاتقها تطوير تقنيات كفاءة الطاقة.

وأكد بيان المفوضية الأوروبية وأميركا أن هناك خططًا لتنويع مصادر ضمان أمن الطاقة الأوروبي بإفساح المجال أمام منتجين بخلاف مورّدي روسيا، إذ أشارت البيانات إلى تضاعف صادرات الغاز المسال الأميركي إلى أوروبا 3 أضعاف، وكذلك فتح المجال أمام واردات أوروبا العالمية منه، وزيادتها بمعدل 75% عن العام الماضي (2021).

اقرأ أيضًا..

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق